أين السلطة" الوطنية الفلسطينية"؟ وماذا تفعل في يومها؟ ما هي الانشغالات الكبرى المسيطرة على أداء أجهزتها؟ الإجابة بالتأكيد كل شيء ما عدا تمثيل الشعب الفلسطيني سياسياً والسعي نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، ففاقد الشيء لا يعطيه، وتلك أزمة الفلسطينيين، تآكل شرعية ممثليهم القانونيين داخليا وبالتبعية خارجيا، فمع من يتعامل العالم، إن كان القائم على سلطة رام الله لا يحظى بإجماع شعبه، وإدارته متهمة بفساد ينافس السلطويات العربية في درجة توغله وييسر كما هائلا من" البطحات" يمكن لكل من يبتغي إسكاتهم أن يدعوهم لتحسسها مجترا مصطلح" إعادة تأهيل السلطة وهيكلتها" السيزيفي، وفي المقابل يبرز طرف يستند إلى مشروعية البندقية لكن بنية النظام الدولي القائم لا تستوعبه ولم تقبله حتى عندما فاز في انتخابات ديمقراطية.
كما يقولون، بالمثال يتضح المقال، ولعل أفضل تجربة للمقارنة مع الأزمة الفلسطينية الجارية، هي تلك التي نظل نردد أن إسرائيل تسير على حذوها لكننا لا نتعلم من أوجه الشبه بينها وبيننا، إنها جنوب أفريقيا إبان نظام العزل العنصري، وفي مواجهتها برز نلسون مانديلا قائدا يحظى بإجماع شعبي فاجتمعت له الشرعيتان الشعبية والنضالية ليقف أمام العالم مستندا إليهما، بالرغم من تصنيفه إرهابيا، ومع هذا لأن أمته آمنت به نجح في تمثيل شعبه مقنعا من حوله أولا ومكتسبا مشروعيته الخارجية ثانيا، فأفلح في تسويق قضيته العادلة ضد نظام لا يقل بشاعة عن كيان الاحتلال وكان له ولقومه ما أرادوا من انتقال سلس.
على العكس مما نراه في فلسطين، متجليا على شكل صراع بين تيارين رئيسيين لا يعبران عن كافة أشكال الانقسام الضارب أطنابه في المشهد وله تجسدات عديدة: طائفة السلطة في مواجهة المواطنين، قطاع غزة في مقابل الضفة، فتح وحماس، فلسطينيو الشتات والداخل بمختلف تنويعاتهم واهتماماتهم، فضلا عن العديد من الانقسامات الطولية والعرضية التي تحتاج إلى قيادة تتمتع بشرعية حقيقية، لتستنهض جهود وطاقات أبناء الوطن كافة وتجبر العالم على الاعتراف بحقهم، وإلا فإن التضحيات الهائلة المتكررة (73,246 شهيداً في غزة وحدها و173,727 مصاباً منذ أكتوبر 2023) قد تذهب سدى، وتستمر المعاناة بلا افق للحل.
هكذا يتضح جليا من الأداء الركيك والبائس المعاين، أن السلطة بأجهزتها وبيروقراطيتها الضخمة لم ولن تكون أبدا على مستوى الحدث مقارنة بمبادرات فردية، ولا تستطيع أن تنسب لنفسها فضلا في ما وصل إليه الوعي العالمي بخطورة إسرائيل على السلام والأمن الدوليين بل وعلى راعيتها ذاتها التي بدأ يداخلها شك لن يلبث أن يتحول إلى يقين إن كان لدى القضية ممثل شرعي يناور ويستميل ويقنع من بيدهم الأمر بمدى سمية العلاقة بين الطرفين الأميركي والإسرائيلي وخطرها على مستقبل المصالح المستقرة.
لهذا، يحار المرء في فهم ما تقدمه السلطة إلى قضية التحرير؟ ، أم المعارك مع الاعتذار لمبغضي مطلق التسمية، فالطبيعي أن تفعل مساهمات كافة أبناء الوطن، ومع ذلك لا يوجد حتى الساعة مجلس تشريعي، انتخابات بلدية حقيقية، منظمة تحرير تضم كل فئات وممثلي الشعب من كل حدب وصوب، وغيرها من البنى اللازمة لخلق الشرعية الشعبية.
قطعا لا شك في أن" السلطة" ليس لديها وقت لهذه الهياكل أو لمثيلاتها من المشاغل الصغرى! فمن هم على رأسها يتتبعون رجل الأعمال هذا أو يتصارعون على المنصب ذاك، ضمن سياق نموذجي لمنظومة دولة عربية مستقرة وكالعادة مزنرة بالفساد، لا شعب يبحث عن حريته، وفي المحصلة، أين سيجدها؟ ومن يفترض بهم العمل من أجلها، وضع تحت الكلمة هذه مائة خط، إنما هي قيادة شائخة تفتقر إلى الحيوية (متوسط أعمار أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية 68 عاما).
على أي حال، ليست الأزمة في الكفاح المسلح، أو المفاوضات أو حتى المقاومة السلمية، فهذه وسائل كلها مشروعة واعتمدها نلسون مانديلا ورفاقه، يؤخرون ويقدمون ما يتراءى لهم أولويته، بيد أنه لا يجوز أن تتحول إلى غايات يتصارع حولها كل فريق معتقدا امتلاكه الحق المطلق ليغدو كل حزب بما لديهم فرحون، بينما التكلفة تتعاظم بشريا وماديا وسؤال المآل وماذا بعد؟ يكبر يوما وراء يوم في خضم مجتمع يمور بتغيرات لا أحد يعرف عقابيلها على مستقبل الصراع، لا سيما أن العدو منظم ويعمل على تفتيت الشعب إلى فسيفساء متناثرة يستحيل كل جزء منها إلى آحاد منهكة تخوض معركتها الخاصة من أجل البقاء على سطح الماء، إن لم يكونوا قد غرقوا بفعل دوامات إسرائيلية مصممة بعناية لتقضي على إرادتهم الحرة فتبهت إمكانياتهم وتنضب مواردهم خاصة البشرية على كثرتها وجودتها.
مؤدى ذلك أن الوقت يمر، وعودة القضية إلى ما قبل تصاعد زخمها الحالي وارد: حالة فائقة التعاطف نعم، لكنها بلا أثر وأقرب إلى جمود" الستاتيكو"، وسط عالم غير مكترث، وفي مقابل داخل يلعق دماءه النازفة بلا نهاية.
ومن هنا لا يبدو من حل سوى أن يتخطى عقلاء الشعب ومفكروه تلك العقبة الكأداء المسماة بـ" السلطة"، عبر تصميم عملية تمثيلية حقيقية بموافقتها ومشاركتها أو بدونها على أن تشمل مختلف فئات الشعب أينما كانوا بما للأمر من تحديات سياسية وجغرافية ولوجسيتة، تقتضي الاستعانة بأفكار خلاقة ومتجددة وشابة أي كل ما يفضي في النهاية إلى تقديم قيادة شرعية حيوية، فالانتظار يعني إهدار مكاسبك باهظة الثمن في مقابل تقدم العدو على الأرض، بعدما صار لديك عالم كامل يؤازرك، لم يعد فيه لدى دولة الاحتلال، سوى اليمين القومي الصهيوني الأميركي، وكما قال جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي إن: " إسرائيل لم يعد لها أصدقاء في العالم، وعليها أن تفكر مليًا قبل أن تنقلب على الحليف الوحيد الذي لا يزال يقف إلى جانبها، في إشارة إلى الولايات المتحدة"، وحتى هذه تقول المؤشرات الداخلية إنها لم تعد مضمونة لاعتبارات حزبية داخلية وتحديات جيواستراتيجية عالمية تواجهها الإمبراطورية.
ومن جهة أخرى، تقول العديد من المعطيات إن الأداء الإسرائيلي لم يصل بكل تأكيد إلى مبتغاه الأساسي أي النصر الحاسم أو المطلق بتعبير رئيس الوزراء الإسرائيلي، بل وقع في فجوة بين نجاح عسكري تكتيكي حققه، وانتصار سياسي استراتيجي ظل بمنأى عنه، لكن فلسطينيا من ذا الذي يحسن قراءة الفرصة وسط الأزمة؟ فاتحا نافذة يتسرب منها ضوء قائد يستنهض مشروعا يبحث عنه منذ أمد شعب لم يدخر دما ولا مالا في سبيل قضيته وأمته.
بالتأكيد إنها ليست السلطة" الوطنية الفلسطينية".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك