يتواصل الحصار الخانق منذ أكثر من ثلاث سنوات على مدينة الأبيض الواقعة غربي السودان من قبل قوات الدعم السريع، وهي آخر المعاقل ذات الأهمية الاستراتيجية، موقعها وثقلها الاقتصادي على الجبهة الغربية بعد سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر من العام الماضي، وقد تحركت دول ومنظمات العالم الدولية محذرة من موجات من العنف، بما يهدد حياة السكان خشية من انتهاكات لها نسخها في حرب المدن السودانية، التي شهدت على مدى أربع سنوات حربا قاسية بين الجيش السوداني والدعم السريع؛ ومثلت انطلاقتها تغيير ملامح الدولة السودانية شعبا وجغرافية ومستقبلا.
ولا يزال الجانب الإنساني يتصدر سيل الإدانات، بينما يبقى الجانب العسكري بين المتقاتلين هو ما يحسم موقف المدينة المنكوبة، أي تكون فداحة الخسائر البشرية على نحو ما شهده العالم في حرب السودان منذ اشتعالها في الخامس عشر من أبريل/نيسان 2023.
وهو الأمر الذي نقل الصراع من صراع على السلطة السياسية بين فريقين إلى حرب على مدن البلاد وإعادة تموقعها ضمن سودان “جديد”.
إن التحذيرات الدولية الصادرة عن مؤسسات العالمية، بما فيها جامعة الدول العربية، على غير عادتها، التي حذّر أمينها العام نبيل فهمي من تدهور الأوضاع الإنسانية بالمدينة الواقعة في ولاية شمال كردفان.
ودور الجامعة العربية أو موقفها طوال سنوات الحرب ظل متأثرا بمواقف الدول العربية من الحرب، أكثر اهتمامها بمواطني الدولة العضو (السودان) في مجلسها، وإن تكن إداناتها لا يتوقع أن تفضي إلى تشكيل قرار آلية نافذة وهو أمر أكبر من قدرتها وبطبيعة الحال دورها.
وبالقياس إلى التحذيرات الأممية، حيث أكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جلسته التي عقدها الأسبوع الماضي بشأن الوضع في مدينة الأبيض في جنيف، كما جاء في اعلانه: “اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف قرارا بالإجماع، طلب فيه من بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان إجراء تحقيق عاجل في مزاعم الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، التي ارتُكبت في مدينة الأبيض ومحيطها.
كما طلب القرار من البعثة الدولية تقديم تحديثات إلى كل من مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة خلال الأشهر المقبلة.
وكان مجلس حقوق الإنسان قد عقد جلسة نقاش عاجلة حول حالة حقوق الإنسان في مدينة الأبيض ومحيطها في سياق النزاع الدائر في السودان.
وجاءت الجلسة استجابة لطلب تقدمت به مجموعة من الدول تضم ألمانيا، وأيرلندا، وهولندا، والنرويج، والمملكة المتحدة”.
بين الخوف من تكرار سيناريو مدينة الفاشر والتوقف التّام لمسار التفاوض السياسي السلمي بين فرقاء الأزمة السودانية، وعدم اكتراث المجتمع الدولي أو عجزه، يبقى مصير مدينة الأٌبيض رهين موازين قوى الطرفينلماذا ظلت مدينة الأبيض محورا منيعا ضد هجمات الدعم السريع، ولم تلق الاهتمام العسكري من قبل حكومة الجيش كما يتساءل مراقبون؟ وإذا كانت نظيرتها مدينة الفاشر التي سقطت بيد الدعم السريع بعد شهور من الحصار والقتال المستمرين، على طريقة حرب المدن في الحرب العالمية الثانية، فإن هذه المدينة التي تنتمي إلى جغرافيا وإثنيات تمثل في ضوء ما أحدثته الحرب من شروخ بنيوية في النسيج الاجتماعي السوداني؛ مدينة تقع خارج دائرة السلطة المركزية وما يعرف بالمناطق الآمنة.
ولكن في الوقت نفسه تعد المدينة بعراقتها التاريخية ورمزيتها الثقافية من أكبر بؤر التمازج المديني في السودان.
فسقوطها أو تحريرها على ما درجت عليه قوات الدعم في خطابها السياسي، ربما أعادها إلى الجغرافيا السياسية الجديدة وحدود سلطة الدعم السريع في حكومته الموازية “حكومة تأسيس”، وقد يمهد الطريق نحو هجمات مضادة باتجاه مواقع أخرى بما فيها العاصمة الخرطوم، التي انسحبت قواته منها وعادت إلى التمركز في إقليم دارفور، حيث مواقع سيطرتها المطلقة.
والموقع الاستراتيجي للمدينة يتجه عسكريا إلى تصاعد، تبدو نتيجته مرهونة بالتشكيل العسكري المعقد بين الجيش وحلفائه من القوات المشتركة والكتائب الشعبية، والدعم السريع واستخدامه للأسلحة بعيدة الأهداف (المسيرات) وحصاره المستمر للمدينة، ما يجعل الاشتباك من عدة محاور قابلا للانفجار الشامل بين كل الأطراف.
ثم إن المدينة تقع في مساحات واسعة تشمل عددا من المناطق المتناثرة المحاصرة، أو تحت سيطرة قوات الدعم ما يجعل من انقضاضه على المدينة معززا بعدد من المداخل.
ولكن من الناحية العسكرية التاريخية تشكل المدينة إحدى أكبر قوات الجيش الضاربة (سلاح الهجانة) مما يزيد من الضغط على قوات الدعم المُهاجمة، ويبطئ بالتالي كما هو الواقع من تقدمها نحو الاستيلاء عليها كاملة.
وهذا ما يرجحه المحللون رغم أن قوة ردع الجيش تعتمد بشكل واسع على الضربات الجوية.
فإذا سقطت المدينة عسكريا، وحدث ما يخشى منه على حياة المواطنين وتتابعت الإدانات الداخلية والدولية فإن ذلك لا يوقف قوات الدعم من تحقيق ربما آخر انتصاراتها على الجيش وفي أهم مدينة متبقية.
ذلك بأن الوضع الجديد الذي سيرسم حدودا سياسية وعسكرية وجغرافية وجهوية لتنضم إلى منظومة الدعم السريع السياسية الجديدة، وتشكل بمركزية موقعها الرابط بين الولايات البلاد غربا وشرقا وثقلها الاقتصادي تحديا قائما للحكومة والجيش.
ومن جانب آخر إذا تمكن الجيش من إبعاد قوات الدعم، ربما فتح الطريق نحو موجات عسكرية على طول الخط إلى ولايات دارفور، بما يعني طرد قوات الدعم السريع على حد تصريحات الفريق البرهان، وهو أمر يصعب التنبؤ به على ضوء الموقف العسكري العام.
بين الخوف من تكرار سيناريو مدينة الفاشر والتوقف التّام لمسار التفاوض السياسي السلمي بين فرقاء الأزمة السودانية، وعدم اكتراث المجتمع الدولي أو عجزه، يبقى مصير مدينة الأٌبيض رهين موازين قوى الطرفين.
فإما أن يقتحمها الدعم السريع، وإما أن يصدها الجيش وفي الحالتين سيشهد هذا الفعل تحولا في مسار الحرب ونطاقها.
ومن خلال موقف الطرفين، إلى جانب تراجع ما كان تدعو إليه المبادرات والمساعي الدولية والإقليمية، إلى الهُدن العسكرية وفتح المسارات الإنسانية، فما يخشى منه في الجانب الإنساني من استهداف للمدنيين وما ينتج من كوارث سيتصاعد منسوبه ربما أكثر من أي مدينة واجهت المواجهات العسكرية الضارية والسيناريو ذاته.
واجه المدنيون من دون غطاء طوال أيام الحصار من موجات المسيرات وضربات الطيران، ما اضطرهم إلى الخروج في موجات من النزوح الداخلي، وسقط العديد من القتلى جراء ذلك، ما دعا منظمة اليونسيف لأن تعلن بأن أكثر من 300 طفل قتلوا خلال الأشهر الستة الماضية في الحرب الدائرة في السودان، جراء الهجمات بالطائرات المسيرة.
وإذا كان هذا هو الموقف بشكله الدامي قبل سقوط المدينة، فإن المتوقع أن يفوق حجم التحذيرات التي يصرخ بها العالم في وجه الكارثة الوشيكة، في عالم يشهد اضطرابات مستجدة تراجعت معها أهمية الأزمة السودانية وأولوياتها بشقيها السياسي والإنساني في دائرة الاهتمام العالمي.
وسيلقي هذا التراجع الأممي، ظلاله السالبة على جهود الغوث والمساعدات الإنسانية لأفراد شعب دفعت بهم صراعات الجنرالات إلى حالة من النزوح واللجوء وتردي الخدمات الطبية، فقد باتت نتائج الحرب تفتك بما تبقى من سكان أكثر مما يفعله السلاح.
واللافت أن أصبحت خطوط المواجهة العسكرية بين الجيش والدعم السريع تأخذ منحى جديدا يشبه إلى حد كبير ما يعرف بالحروب بين الدول أكثر منها حرب أهلية، تشارك فيها جماعات وتستهدف فيها منظومات اجتماعية.
فما بين جيش قائم ودولة فقدت سيطرتها على أراضيها وخرجت من دائرة ولاية سلطتها الدستورية والقانونية، ومجموعة أخرى (الدعم السريع) أسست حكومتها الموازية تسعى إلى ضم المزيد من الأراضي في واقع حرب شبه إقليمية؛ تدخل المدن السودانية وساكنيها ضمن معادلة قسمة “الدولة” بين طرفي الحرب بغض النظر عن الكلفة البشرية الفادحة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك