حمد في الوجدان والذاكرة.
بكتك القلوب قبل العيون يا والد الجميعقبل أن يبكيه أهل قطر، بكته القلوب التي عرفت معنى الوفاء، وقبل أن تنعاه العواصم، نعته المواقف التي ستبقى شاهدة على رجلٍ لم يكن قائدًا لوطنه فحسب، بل كان رمزًا عربيًا وإسلاميًا حمل هموم أمته، وآمن بأن قوة الدولة لا تكتمل إلا بالعدل والكرامة والإنسان.
وبرحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
فقدت قطر باني نهضتها الحديثة، وفقدت الأمتان العربية والإسلامية قائدًا استثنائيًا ترك إرثًا سيظل حاضرًا في وجدان الشعوب قبل صفحات التاريخ.
لم تكن محبة الناس له وليدة منصب، ولا نتيجة خطاب، بل كانت ثمرة مواقف ثابتة وشجاعة، وقف فيها إلى جانب الحق، ونصر المظلوم، وساند قضايا أمته بإيمان لا يتزعزع.
وسيظل موقفه تجاه القضية الفلسطينية، ودعمه المستمر لأهل غزة، شاهدًا على قائدٍ لم يتخلَّ يومًا عن مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية تجاه أمته.
وفي الداخل، قاد الأمير الوالد مشروعًا وطنيًا غيّر وجه قطر، وأسس لمرحلة جديدة من التنمية الحديثة.
ففي عهده أُقر الدستور الدائم لدولة قطر عام 2004، ليشكل محطة تاريخية عززت دولة المؤسسات وسيادة القانون، ورسخت مبادئ المشاركة والشورى.
كما شهدت البلاد انتخابات المجلس البلدي المركزي، في خطوة جسدت الإيمان بأهمية المشاركة المجتمعية، وتعزيز دور المواطن في مسيرة التنمية.
ولم تكن النهضة سياسية فحسب، بل امتدت إلى الاقتصاد، حيث وضع أسس استثمار ثروة الغاز، حينها كانت مجازفة كبيرة إلا ان ثقته بان الله سبحانه وتعالى حبا قطر، فجعلها سموه محل أنظار العالم وكانت نظرته تخطت كل حدود وآفاق أوسع لتمكين قطر لعب دور فعال في مشاريع الطاقة النظيفة وحوّل الغاز الطبيعي إلى ركيزة ازدهار جعلت قطر في مصاف الدول الأكثر تأثيرًا في أسواق الطاقة العالمية.
وفي الوقت ذاته، آمن بأن المستقبل لا يبنى على مورد واحد، فعمل على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، وبناء اقتصاد قادر على مواجهة تحديات الزمن.
وكانت رؤيته بعيدة المدى عندما أطلق رؤية قطر الوطنية 2030، لتكون خارطة طريق مستقبلية نحو التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ورسم من خلالها مستقبلًا تتوارثه الأجيال بثقة واستدامة.
وفي الرياضة، لم ينظر إليها كمنافسات وملاعب فقط، بل جعل منها صناعة وطنية وقوة ناعمة ترفع اسم قطر في العالم.
وكان إنشاء مدينة رياضية تعرف اليوم بأسباير عام 2004 نقطة تحول تاريخية، لتصبح منارة عالمية لإعداد الأبطال، وانطلاقة لمشروع رياضي أثمر عن استضافة أكبر البطولات الدولية، حتى أصبحت قطر نموذجًا عالميًا في تنظيم الأحداث الرياضية وصناعة الإنجازات.
لقد كان الأمير الوالد صاحب رؤية، وقائدًا سابقًا لعصره، يؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الوطن القوي هو الذي يبني الإنسان قبل العمران.
وما تحقق في قطر من نهضة شاملة سيبقى شاهدًا على فكره، وإخلاصه، وبعد نظره.
رحمك الله يا بو مشعل، صاحب القلب الكبير، الذي أحبه الناس من المحيط إلى شرق آسيا، لا مجاملةً ولا نفاقًا، بل وفاءً لقائدٍ أحب أمته فأحبته، وخدم وطنه فخلده التاريخ.
ستبكيك العيون، ويحزن عليك القلب، لكن الرجال العظماء لا يرحلون، لأن إرثهم يبقى حاضرًا في الإنجازات، وذكراهم تبقى خالدة في وجدان الأوطان، وفي دعاء الملايين الذين عرفوا أنك كنت قائدًا استثنائيًا سيظل اسمه مضيئًا في سجل العظماء.
وسوف يكمل مسيرته العطرة حضرة صاحب السمو الأمير الغالي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، خير خلف لخير سلف.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك