الأمير الوالد في الذاكرة القمرية.
قائدٌ رحل وإرثٌ لا يرحلحين يرحل العظماء، لا تُطوى صفحاتهم بغياب الأجساد، وإنما تبدأ مرحلة أخرى من الحضور؛ حضور يسكن ذاكرة الشعوب، وتخلّده الأعمال، وترويه الأجيال جيلاً بعد جيل.
وهكذا تلقّت الأمة العربية والإسلامية، ومعها دولة قطر الشقيقة، نبأ رحيل سمو الأمير الوالد بقلوب مؤمنة يعتصرها الأسى، لما مثّله من رمزٍ للحكمة، ورجل دولةٍ استثنائي، وقائدٍ ارتبط اسمه ببناء نهضة وطن، وصناعة تجربة تنموية وإنسانية تجاوز إشعاعها حدود الجغرافيا.
وبهذا المصاب الجلل، نتقدم، باسم أبناء جزر القمر، وباسم الأسرة الثقافية والفكرية، بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني-حفظه الله ورعاه-وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الحكومة والشعب القطري الشقيق، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وأمته قاطبة خير الجزاء، وأن يحفظ قطر، قيادةً وشعبًا، ويديم عليها نعمة الأمن والعزة والازدهار.
لقد كان الأمير الوالد قائدًا آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأبقى.
ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تمتد جسور قطر نحو جزر القمر منذ وقت مبكر، حين فتحت أبواب المعهد الديني في الدوحة في بداية سبعينيات القرن الماضي لاستقبال نخبة من أبناء جزر القمر، فكانت تلك المنح الدراسية المباركة أول خيط في نسيج علاقة أخوية ستزداد متانةً ورسوخًا مع مرور الأعوام.
ثم بزغ فجر مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية مع تولي الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995، إذ اكتسبت العلاقات القطرية القمرية بعدًا سياسيًا وتنمويًا أكثر اتساعًا.
وكانت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية جزر القمر الراحل محمد تقي عبد الكريم إلى دولة قطر عام 1996 محطةً تاريخية فارقة، حيث حظي باستقبال كريم من سمو الأمير الوالد، وعُقدت مباحثات عكست الإرادة الصادقة في بناء شراكة أخوية بين البلدين.
وقد أثمرت تلك الزيارة التوقيع على اتفاقية للتعاون المشترك، فتحت آفاقًا جديدة للعلاقات الثنائية، وكان من أبرز نتائجها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء جزر القمر، وافتتاح مقر دار الضيافة لطلاب جزر القمر، إلى جانب تنشيط الزيارات الرسمية وتوسيع مجالات التعاون في التعليم والتنمية وبناء القدرات، لتتحول العلاقة من روابط أخوية إلى شراكة مؤسسية واعدة.
وفي سياق هذا التطور، دخلت العلاقات مرحلة التمثيل الدبلوماسي، فتبادل البلدان السفراء غير المقيمين؛ فكنت أنا كاتب هذه السطور أول سفير قمري معتمد لدى دولة قطر، مقيمًا في الرياض(1998-2006)، بينما كان سعادة السفير علي بن عبد الله المحمود، في 24أبريل2000، أول سفير قطري معتمد لدى جمهورية جزر القمر، مقيمًا كذلك في الرياض.
وقد أسهم هذا التمثيل الدبلوماسي في ترسيخ الحوار السياسي، وتعزيز جسور الثقة والتعاون بين البلدين.
ولم تلبث هذه العلاقات أن شهدت تطورًا متسارعًا خلال السنوات اللاحقة، حيث اتسعت مجالات التعاون لتشمل المشاريع الإنسانية والخيرية، والدعم التنموي، والمساندة المالية التي قدمتها دولة قطر للحكومات القمرية المتعاقبة في عهود الرئيس عثمان غزالي، والرئيس أحمد عبد الله سامبي، والرئيس إكليل ظنين، في صورة تعكس التزامًا ثابتًا بمساندة جزر القمر في مسيرتها التنموية، انطلاقًا من رؤية إنسانية أصيلة تبناها الأمير الوالد.
ولعل من أنصع الصفحات في سجل العلاقات القطرية القمرية ما برز إبان الأزمة الانفصالية التي عصفت بجزيرة أنجوان سنة 1997، وهي الأزمة التي هددت وحدة جمهورية جزر القمر وألقت بظلالها على أمنها واستقرارها.
ففي تلك المرحلة العصيبة، لم تقف دولة قطر موقف المتفرج، بل كانت من أوائل الدول العربية التي مدت يد العون للحكومة القمرية، إدراكًا منها أن وحدة جزر القمر ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، وقيمة عربية وإسلامية تستحق كل سند ومؤازرة.
وحين بدأت ملامح المصالحة الوطنية تتشكل عام 2001، بادرت دولة قطر إلى تقديم الدعم المالي اللازم لإنجاح مساعي الوفاق، إيمانًا منها بأن السلام لا يُصان بالشعارات، وإنما يُبنى بالإرادة الصادقة، ويترسخ بالتضامن العملي بين الأشقاء.
ولم يكتف سمو الأمير الوالد بذلك، بل حمل قضية جزر القمر إلى المحافل العربية والدولية، فجعلها قضية تضامن عربي مشترك.
ففي القمة العربية التي انعقدت في المملكة الأردنية الهاشمية في مارس 2001، طرح سموه مبادرةً رائدةً على قادة العرب، لإنشاء صندوق عربي لدعم جمهورية جزر القمر وتعزيز المصالحة الوطنية فيها والتي تمخضت عن اتفاقية" فومبوني" تحت مظلة جامعة الدول العربية، وأعلن، في موقف يجسد صدق الالتزام ونبل الموقف، تبرع دولة قطر بمبلغ مليوني دولار أمريكي ليكون اللبنة الأولى في هذا الصندوق، داعيًا الدول العربية إلى الإسهام في دعم استقرار جزر القمر وترسيخ وحدتها الوطنية.
لم تكن تلك المبادرة مجرد مساهمة مالية، وإنما كانت رسالة سياسية وإنسانية عميقة، تؤكد أن قطر، بقيادة الأمير الوالد، كانت ترى في استقرار جزر القمر جزءًا من مسؤوليتها العربية والإسلامية، وأن الأخوة الصادقة تُقاس بالمواقف في ساعات الشدة قبل أن تُقاس بالمجاملات في أوقات الرخاء.
وبرئاسة سموه للقمة العربية (21) صدر أول قرار عربي لمجلس جامعة الدول العربية، بعد انضمام جزر القمر إليها، لتأكيد السيادة القمرية على مايوت ودعوة فرنسا لإنهاء احتلالها لهذه الجزيرة العربية المسلمة.
وهكذا، ظل الأمير الوالد حاضرًا في الذاكرة القمرية بوصفه نصيرًا لوحدة البلاد، وداعمًا لمسيرة المصالحة، وشريكًا في بناء الدولة، حتى غدت مواقفه صفحات مضيئة في تاريخ العلاقات القطرية القمرية، تُروى بكل اعتزاز، وتُحفظ بكل وفاء، وستبقى شاهدًا على أن الرجال العظام يرحلون عن الدنيا، ولكن آثارهم الكريمة تبقى حيّة في ضمير الشعوب، لا تمحوها السنون ولا يطويها النسيان.
وكان من ثمار هذا المسار المبارك، المؤتمر العربي للاستثمار والتنمية في جزر القمر الذي استضافته الدوحة عام 2010، وزيارة سمو الأمير الوالد إلى الجزر، في مارس عام 2010، وافتتاح السفارتين في موروني والدوحة، لتدخل العلاقات القطرية القمرية مرحلة جديدة من النضج السياسي والدبلوماسي، تقوم على التواصل المباشر، والتنسيق المستمر، وتعدد مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.
لقد آمن الأمير الوالد بأن السياسة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن قيمة الدولة تُقاس بما تقدمه للإنسان أينما كان، ولذلك امتدت أيادي قطر البيضاء إلى أنحاء كثيرة من العالم، وكان لجزر القمر نصيبٌ كريم من هذا العطاء؛ في التعليم، والصحة، والإغاثة، والتنمية، ودعم المؤسسات، حتى غدت آثار ذلك الدعم شواهد ناطقة على عمق الأخوة وصدق المواقف.
واليوم، ونحن نودع هذه القامة التاريخية المرموقة، فإننا لا نرثي رجلًا فحسب، بل نستذكر مرحلة كاملة من العمل والبناء والعطاء، ونستحضر قائدًا آمن بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على المصالح العابرة وحدها، بل على الوفاء، والاحترام المتبادل، والاستثمار في الإنسان.
رحم الله سمو الأمير الوالد، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا جميل الصبر والسلوان، وأدام على العلاقات القطرية القمرية ما امتازت به من أخوة صادقة وتعاون مثمر، وفاءً لإرثٍ أسسه رجالٌ كبار، وستظل الأجيال تذكره بكل اعتزاز.
وفي الختام، هذه ليست كلمات رثاء تُقال في وداع قائدٍ كبير، بقدر ما هي شهادة وفاء يسجلها التاريخ لرجلٍ آمن بأن السياسة رسالة، وأن القيادة مسؤولية، وأن العلاقات بين الدول تُبنى على الصدق والاحترام والتضامن.
ومن موقع المسؤولية الدبلوماسية التي تشرفت بحملها، وما أتيح لي من متابعةٍ لمسيرة العلاقات القطرية القمرية في مراحلها الأولى، أستطيع أن أقول بثقة: إن الأمير الوالد لم يكن بالنسبة لجزر القمر قائدًا لدولة شقيقة فحسب، بل كان أخًا صادقًا في المواقف، حاضرًا في ساعات الشدة كما في أوقات الرخاء، مؤمنًا بأن نهضة الدول الصغيرة واستقرارها جزء من نهضة الأمة كلها.
قد يرحل الرجال، ولكن المبادئ التي غرسوها، والمؤسسات التي أسسوها، والعلاقات التي شيدوها على الثقة والوفاء، تبقى شاهدة على عظمة أصحابها.
وستظل جزر القمر تذكر للأمير الوالد مواقفه النبيلة، ودعمه الصادق، وإسهامه في توطيد أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين.
رحم الله فقيدنا الغالي، حبيب الإنسانية، رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر، وعن أمته العربية والإسلامية، وعن جزر القمر خير الجزاء، وأدام على دولة قطر أمنها ووحدتها وازدهارها، وجعل إرثه الكريم منارةً تهتدي بها الأجيال.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك