أ.
د.
حسن عبدالرحيم البوهاشم السيدالثورة التشريعية في عهد سمو الأمير الوالد رحمه اللهشهد عهد فقيد الوطن الكبير الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله تعالى (1995 – 2013)، العديد من الخطوات المهمة والجوهرية في تطوير البنية الدستورية والتشريعية والقضائية في الدولة.
ففي عهده صدر أول دستور لدولة قطر اشترك الشعب في إقراره عن طريق الاستفتاء على مشروعه.
هذا الدستور قرر مسؤولية الوزارة أمام مجلس الشورى وعزَّز دور مجلس الشورى كسلطة عامة.
كما شهد عهده خطوات مهمة في سبيل استقلال السلطة القضائية ونقل الإشراف عليها من وزارة العدل إلى مجلس مستقل يتمثَّل في المجلس الأعلى للقضاء، كما تم توحيد جهتي القضاء الشرعي والعدلي، وإنشاء القضاء الإداري وتقرير القضاء الدستوري، ونقل تحريك الدعوة الجنائية من وزارة الداخلية إلى سلطة مستقلة تتمثَّل في النيابة العامة.
هذه الأمور انعكست إيجابًا على تعزيز سيادة القانون وكفالة الحقوق والحريات العامة، وأسهمت في ترسيخ الحكم الرشيد.
فبشأن الدستور، فإن دولة قطر لم تعرف وثيقة دستورية مكتوبة إلا في بداية السبعينيات من القرن العشرين، إذا صدر في عام 1970، أول دستور مُقَنَّن لقطر، وقد ضمت الوثيقة الدستورية موادّ تتعلق بنظام الحكم، وبيَّنت المبادئ الأساسية للدولة وكفلت بعض الحقوق، كما اشتملت على الأحكام المنظِّمة للسلطة التنفيذية ومجلس الشورى، ومع استقلال دولة قطر في 3 سبتمبر 1971 كانت هناك ضرورة لتعديل النظام الأساسي المؤقت ليتناسب مع الأوضاع الجديدة المتمثلة في استقلال الدولة، وتولي الشيخ خليفة مقاليد الحكم في البلاد.
لذا أصدر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في 19 أبريل 1972 النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972).
واستمر العمل بالدستور المؤقت حتى تولى سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله مقاليد الحكم، فكان من ضمن أولوياته التي صرح بها وضع دستور دائم للبلاد.
وقد بيَّن في خطابه أثناء افتتاح الدور العادي السابع والعشرين لمجلس الشورى في 16 نوفمبر 1998، أنه آن الأوان لتطوير النظام الدستوري بما يتلاءم مع ما شهدته الدولة من تطور في مختلف المجالات.
وفي كلمة له في موقع آخر، طمح الأمير الشيخ حمد أن يلبي الدستور التطلعات والآمال وقطر على أبواب القرن الحادي والعشرين؛ وتحقيقًا لهذا الغرض أصدر القرار الأميري الخاص بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم للبلاد.
بخلاف النظام الأساسي المؤقت (1970)، والنظام الأساسي المؤقت المعدل (1972)، رأى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وجوب مشاركة الشعب في إقرار الدستور الدائم من خلال الاستفتاء على مشروعه، ففي 12 يوليو 1999 أصدر القرار الأميري رقم (11) لسنة 1999 بتشكيل لجنة إعداد الدستور الدائم وتعيين اختصاصاتها.
وقد أنجزت اللجنة عملها بوضع مشروع الدستور، وفي 2 يوليو 2002 تسلَّم سمو الأمير الوالد الشيخ حمد وثيقة مشروع الدستور الدائم ومذكرته التفسيرية خلال استقباله لأعضاء لجنة إعداد الدستور.
وفي يوم 15 أبريل 2003 أصدر مرسومًا، رقم (38) لسنة 2003، يدعو فيه المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور، وقد جاء في ديباجة هذا المرسوم أنه" امتثالًا لقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وإيمانًا منا بأهمية المشاركة الشعبية في إقرار دستور البلاد والحرص على النهوض بالوطن والعمل على رفعته وسعيًا لمستقبل أفضل للأجيال الحالية والقادمة، رسمنا هذا المرسوم لدعوة المواطنين للاستفتاء على مشروع الدستور، وقد نص المرسوم على أن" يُعتبر مشروع الدستور موافقًا عليه إذا أقرته أغلبية الآراء الصحيحة التي أبديت في الاستفتاء.
".
وقد تم الاستفتاء في اليوم المحدد له فعلًا بموافقة 96% ممن له حق التصويت عليه.
وبالتالي يُعَدُّ هذا الدستور الذي وضع في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الدستور الأول في دولة قطر الذي تتم مشاركة الشعب القطري في إقراره عن طريق الاستفتاء.
وتجسِّد هذه الخطوة البعد التشاركي للحكم الرشيد في بناء المنظومة الدستورية للبلاد عبر إعطاء الحق للمواطنين في المشاركة لإقرار أهم وثيقة مرجعية تبيِّن توزيع السلطات ومجالاتها واختصاصاتها وعلاقاتها في الدولة، وأيضًا علاقات هذه السلطات بالمواطنين.
أما عن التطور التشريعي في عهد فقيد الوطن الكبير فقد شهد عهد سموه" ثورة" تشريعية واضحة للمتتبع لهذا الجانب؛ إذ لم يقتصر الأمر على إصدار الدستور الدائم للدولة فحسب بل صاحب ذلك مراجعة جميع القوانين الكبرى الأساسية التي صدرت فيما سبق، والتي مضى على صدور بعضها قرابة خمسة وثلاثين عامًا كقانون المواد المدنية والتجارية وقانون عقوبات قطر وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الوظائف العامة وقانون العمل وقانون الجنسية وقانون الشركات التجارية وقانون إنشاء الجمعيات.
فصدرت قوانين جديدة تنظم هذه المجالات؛ إذ كان بعض هذه التشريعات بحاجة إلى مواكبة التطور والتوافق مع المواثيق الدولية المنظمة لمجالها كقانون العمل، وكان في بعضها الآخر قصور واضح في تنظيم العلاقات والمعاملات، كقانون المواد المدنية والتجارية الصادر في عام 1971 الذي جاء في 475 مادة فقط لينظم الموضوعات المدنية والتجارية معًا في تشريعٍ واحد، فأعيد النظر به، فجاء تنظيم هذين الجانبين في تشريعين كبيرين مستقلين عن بعضهما البعض، الأول هو القانون المدني صدر في عام 2004 واشتمل على 1186 مادة، والثاني هو قانون التجارة صدر في 2006 واحتوى على 845 مادة.
ومن جانب آخر صدر العديد من التشريعات والقوانين التي نظمت موضوعات ومجالات لم تُقَنَّن من قبل كقانون بشأن الوزراء (2004) الذي بيَّن الشروط الواجب توفرها في الوزراء وواجباتهم والأعمال المحظورة عليهم، وقانون النيابة العامة الذي أنشأ النيابة العامة كهيئة مستقلة تتولى تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها أمام المحاكم، وقانون الفصل في المنازعات الإدارية الذي أجاز الطعن في القرارات الإدارية النهائية، والعديد من القوانين كقانون التعليم الإلزامي الذي جعل التعليم مجانيًّا لجميع الأطفال حتى نهاية المرحلة الإعدادية وفَرَض عقابًا على المسؤول عن الطفل الذي يمتنع عن إلحاقه بمرحلة التعليم الإلزامي دون عذر مقبول، وقانون حماية البيئة، وقانون براءة الاختراع وقانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة وقانون حماية المستهلك وغيرها.
ومن الأهمية أن نشير هنا إلى أحد التشريعات المهمة التي صدرت في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وهو قانون الأسرة (2006)، فقبل صدور هذا التشريع لم تكن المنازعات المتعلقة بالأسرة؛ لا سيما منازعات المهر وحقوق الزوجين والنفقات وثبوت نسب المولود والفراق بين الزوجين كالطلاق والخلع والتفريق بحكم القضاء وآثار الطلاق وحضانة الأبناء وغيرها؛ مقننة في تشريع واضح يمكن لأي شخص أن يطلع عليه أو يحيط به علمًا أو يستند إليه في دفاعه أو مخاصمته، بل كان القاضي يرجع للفصل في هذه المنازعات إلى آراء الفقهاء.
فكان عدم وجود الأحكام المنظمة للأسرة في تشريع واضح سببًا في قلق المتخاصمين على حقوقهم، مع احتمال تضارب الأحكام في القضية الواحدة تبعًا لاختلاف الاجتهاد الفقهي، لذا حُمد تقنين هذه الأحكام في قانون واحد منشور وفي متناول يد الجميع.
أما بشأن التطور القضائي، فقد شهدت السلطة القضائية في عهد المغفور له الأمير الوالد رحمه الله تعالى عدة خطوات مهمة لتعزيز استقلالها وإبرازها كسلطة مستقلة.
كان أهم تلك الخطوات توحيد الجهاز القضائي الذي كان منقسمًا إلى جهتين مستقلتين عن بعضهما البعض، إحداهما تمثِّل القضاء الشرعي وتُمَارَس من خلال المحاكم الشرعية والأخرى تمثِّل مدرسة القانون المدني وتُمَارَس من خلال المحاكم العدلية.
وكان بعض جوانب الاختصاص بين الجهتين غير واضحة.
وقد كانت المحاكم العدلية في دولة قطر قبل عهد سموه تخضع لإشراف وزير العدل من الناحيتين الإدارية والمالية كما كان الوزير يختص بالنظر في توصيات رئيس المحاكم بشأن المحاكم والقضاة، غير أنه وبصدور قانون السلطة القضائية رقم (10) لسنة 2003، أصبح الإشراف على المحاكم من اختصاص مجلس مستقل هو المجلس الأعلى للقضاء والذي يتألف وفقًا للقانون من رئيس محكمة التمييز وأقدم نواب الرئيس بمحكمة التمييز وأقدم القضاة بمحكمة التمييز ورئيس محكمة الاستئناف وأقدم نواب الرئيس بمحكمة الاستئناف وأقدم القضاة بمحكمة الاستئناف ورئيس المحكمة الابتدائية.
وقد نصت المادة (22) من قانون السلطة القضائية على أن يعمل المجلس على تحقيق استقلال القضاء وإبداء الرأي في المسائل المتعلقة بالقضاء وتعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وندبهم وإعارتهم وإحالتهم إلى التقاعد وفقًا للقانون ودراسة واقتراح التشريعات الخاصة بتطوير الجهاز القضائي.
ومن جانب آخر، عزَّز الدستور الدائم دور السلطة القضائية في مقابل السلطة التنفيذية وذلك بالتأكيد على القضاء الإداري، فمكَّن الشعب من الطعن في القرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية، مما يعزز سيادة القانون في الدولة.
وفي خطوة أخرى نحو تعزيز استقلال القضاء أيضًا تم إنشاء النيابة العامة كهيئة مستقلة، فقد كان جهاز الادعاء العام التابع لوزارة الداخلية يتولى جميع إجراءات مباشرة الدعوى الجنائية غير أنه بصدور قانون رقم (10) لسنة 2002 بشأن النيابة العامة تم إلغاء جهاز الادعاء العام وإحلال النيابة العامة محله في جميع اختصاصاته.
تناولنا في هذا المقال باختصار جانبا واحدا من جوانب كثيرة وعديدة مبهرة تميز بها عهد فقيد الوطن الكبير سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
هذا الجانب تعلق بالتطور الدستوري والتشريعي والقضائي في عهده، وهو ما يجعلنا نصف هذا العهد بالتميز.
ففيه وضع أول دستور للدولة يشترك الشعب في إقراره عن طريق الاستفتاء.
وفيه قامت" ثورة" تشريعية هائلة؛ شملت مراجعة جميع القوانين الأساسية الكبرى التي صدرت فيما سبق، والتي مضى على صدور بعضها قرابة خمسة وثلاثين عامًا كقانون المواد المدنية والتجارية وقانون عقوبات قطر وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الوظائف العامة وغيرها، فصدرت قوانين جديدة تنظم هذه المجالات.
كما تم تقنين مجالات عديدة لم تكن تنظم بتشريع في السابق كقانون الأسرة، وقانون التعليم الإلزامي وقانون حماية البيئة وقانون الفصل في المنازعات الإدارية وغيرها.
وفي عهده وجدنا تطورًا ملحوظًا نحو تعزيز استقلال القضاء، تمثل في نقل الإشراف على المحاكم من وزارة العدل إلى مجلس مستقل يتمثَّل في المجلس الأعلى للقضاء، كما تم توحيد جهتي القضاء الشرعي والعدلي، وتم إنشاء القضاء الإداري، ونقل تحريك الدعوة الجنائية من وزارة الداخلية إلى سلطة مستقلة تتمثَّل في النيابة العامة.
جميع هذه الأمور تنعكس بلا شك إيجابًا على تعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء وكفالة الحقوق والحريات العامة، رحم الله فقيد الوطن، وأسكنه الفردوس الأعلى.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك