أصدرت بلدية مدريد في إسبانيا، نهاية الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، قراراً يقضي بإخلاء مؤسّسة البيت العربي (Casa Árabe) من مقرَّها الحالي، الواقع في شارع ألكالا، قبل بداية سبتمبر/ أيلول المقبل.
وعلى الرغم من أنّها علّلت قرارها بأنّ المبنى، ذا الأهمية التاريخية والرمزية، التابع لها، بحاجة إلى الإصلاح والترميم، وأكّدت، في الآن نفسه، استعدادها للتعاون مع المؤسّسة لإيجاد مقرّ جديد، إلّا أنّ بعضهم اعتبر أنّ القرار لا يخلو من أبعادٍ حزبيةٍ وسياسيةٍ على صلة باحتدام الصراع بين اليمين واليسار قُبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
أثار القرار جدلاً واسعاً، فعدّه الحزب الاشتراكي العمّالي" قراراً عشوائياً لا يستند إلى مبرّر واضح"، مُضيفاً" أنّ مستقبل المباني التاريخية العمومية في العاصمة ينبغي أن يُقرّر من خلال التخطيط والمشاركة والتوافق المؤسّسي، بما يضمن تحقيق المصلحة العامّة، من دون استغلال حزبي أو أيديولوجي".
ورأى حزب" ماس مدريد" اليساري (الإقليمي) أنّ القرار" يمسّ مقوّمات التعدّدية والتنوّع والحوار بين الثقافات وتدبير الشأن الثقافي".
كما أثار القرار احتجاج منظّمات مدنية وطلابية، خصوصاً أنّ أكثر من 400 طالب، معظمهم من الإسبان، يتابعون دراساتهم في العلاقات الدولية والأنثروبولوجيا والدبلوماسية في مقرّ" البيت العربي".
ويبدو أنّ قرار الإخلاء، في حالة تنفيذه في مستهلّ الموسم الدراسي المقبل، ستكون له تداعيات على مستقبلهم الدراسي، ما دامت البلدية قد وضعت بداية سبتمبر موعداً نهائياً لإخلاء المبنى.
في المقابل، فاجأت مارتا ريبيرا دي لاكروث، مندوبة شؤون الثقافة والسياحة والرياضة في مجلس المدينة، الرأيَ العام، الثلاثاء الماضي، بتصريحها بأنّ المديرة السابقة للبيت العربي، إيريني لوثانو، كانت قد اقترحت في 2024 إغلاق المقرّ الحالي للمؤسّسة والاكتفاء بالعمل من قرطبة، ما يعني أنّ خيار إخلاء المبنى كان مطروحاً على طاولة إدارة" البيت العربي" نفسها.
وأضافت المندوبةُ أنّ المقرّ المذكور غير مخصّص أصلاً لقطاع الثقافة، قبل أن تُنهيَ حديثها بالتشديد على أنّ النقاش ينبغي أن ينصبّ على إصلاح المبنى وترميمه.
وهو ما يجعل من معارضة اليسار لقرار الإخلاء، وفق تقديرها، " نفاقاً سياسياً ليس إلّا".
وغالباً، وبفضل ذلك كلّه، قد يُكسب قضية الإخلاء مزيداً من الزخم الإعلامي والسياسي.
في السياق، لم يُفوّت حزب فوكس (اليميني المتطرّف) الفرصة من أجل استخلاص العائد السياسي لأزمة" البيت العربي"، إذ طالب باستعادة المبنى ووضعه تحت تصرّف وزارة الثقافة والسياحة والرياضة، واستغلاله لأغراض ثقافية محلّية تهمّ ساكنة العاصمة لا غير.
وهو ما اعتبره كثيرون ضغطاً من الحزب لأجل تقليص حضور الثقافة العربية في المنتديات والمؤسّسات الثقافية والتربوية الإسبانية، لا سيّما أنّ ذلك يتزامن مع قرار حكومة إقليم الأندلس بإنهاء برنامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية في المدارس العمومية ابتداءً من الموسم الدراسي 2027 - 2028.
أُنشئ" البيت العربي" في 2006 بموجب اتفاقية بين وزارة الخارجية والتعاون، والوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية (AECID)، وحكومة إقليم الأندلس، ومجلس مدينة مدريد، ومدينتَي مدريد وقرطبة.
ويتوافر على مقرَّين اثنَين، في مدريد وقرطبة.
وحسب قانونه الأساسي: يعمل على" تشجيع المبادرات والمشاريع التي تسهم في تعزيز التفاهم بين المجتمعات العربية والمجتمع الإسباني، وتعزيز العلاقات الإسبانية العربية في المجالات المؤسّسية والثقافية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية (.
)، والاهتمام بحضور الثقافة العربية، وإنشاء مكتبة عربية وأرشيف صحافي وصوتي وسينمائي ومركز توثيق خاصّ بالبلاد العربية".
وبموجب اتفاقية 6 يوليو/ تموز 2006، التي وقّعتها الهيئات الستّ سالفة الذكر، التزم مجلس المدينة بمنح حقّ استخدام مبنى" مدارس أغيري" التاريخي.
وهو ما حصل في 25 مارس/ آذار 2008، حين فعّل عمدة مدريد ووزير الخارجية والتعاون الاتفاقية.
على مدار ما يناهز عقدَين، أسهم" البيت العربي" في مدّ جسور التواصل الثقافي والتربوي والعلمي بين إسبانيا والوطن العربي باستضافته كتّاباً وأدباء وباحثين عرباً وإسباناً.
وستكون هناك تداعيات لتفعيل قرار الإخلاء على أداء" البيت" ودوره في توطيد العلاقات الإسبانية العربية في شتّى المجالات.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك