أثار تصريح الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، الذي أدلى به قبل أسبوعين لموقع ميدل إيست آي البريطاني، وفيه: " بعد أن قُتل 22 ألف طفل، أنجبت غزّة 82 ألف طفل أحياء خلال العامين والنصف الماضيين" (After they killed 22,000 children, Gaza produced 82,000 live children during the last two and a half years)، نقاشاً وطنيّاً واسعاً تجاوز حدود العبارة نفسها إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الخطاب السياسي الفلسطيني، وحدود النقد المشروع، وكيفية صوْن كرامة الضحايا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مكانة الرموز الوطنية التي كرّست حياتها للدفاع عن القضية الفلسطينية وإذا أدير هذا النقاش بمسؤولية فسيكون فرصة وطنية ثمينة لمراجعة الخطاب السياسي والثقافي الفلسطيني، وتعزيز ثقافة نقدية يحتاجها المجتمع الفلسطيني أكثر من أي وقت.
أولاً، لمن انتقدوا التصريح كل الحق.
فمن عاش الإبادة، وفقد أبناءه وأحبّته وعائلته وبيته وذكرياته، وعانى من مستوى من الألم لم يكن أحد يتخيّل أن يشهده في حياته، لا يمكن أن يُطلب منه الصمت أو أن يُحرم حتى من حق التعبير عن مشاعره.
لا يكون احترام آلام الضحايا فقط بالتعاطف معهم، بل أيضاً بالاعتراف بحقهم في أن يقولوا إن عبارة ما جرحتهم أو لم تعبر عن تجربتهم الإنسانية كما ينبغي.
لا يحق لأحد أن يقرّر عنهم ما إذا كانت الكلمات مؤلمة أم لا؛ وحدهم أصحاب التجربة.
وفي الوقت نفسه، تعزيز ثقافة التفكير النقدي داخل المجتمع الفلسطيني مكسب وطني ينبغي الدفاع عنه، فالشعوب الحرّة لا تبني إجماعاً مصطنعاً حول الأشخاص، بل تبني إجماعاً حول المبادئ والقيم.
لم يحظ أي قائد تاريخي بإجماع كامل، لا جمال عبد الناصر، ولا تشي غيفارا، ولا مانديلا أوغاندي أو أي من الشخصيات التي تركت أثراً في التاريخ.
ومن يدخل المجال العام يجب أن يتوقع النقد، بل وأن يدافع عن حق الآخرين في توجيهه إليه، لأن هذا الحق أحد أسس المجتمع السياسي السليم.
لكن الدفاع عن حق النقد لا يعني أبداً الانتقاص من تاريخ مصطفى البرغوثي أو التشكيك في نياته، فالرجل أمضى حياته مدافعاً عن القضية الفلسطينية، وخاض معاركها في المحافل الدولية، وحمل الرواية الفلسطينية إلى جمهور عالمي متنوّع، في وقت عزف كثيرون عن تأدية هذا الدور.
نضاله الوطني وسيرته السياسية فوق الشبهات، ولا ينقص منها أن يتعرّض لعبارة قالها للنقد، كما أن هذا النقد لا يمحو رصيده في خدمة العدالة للشعب الفلسطيني.
على العكس، تزداد الشخصيات الوطنية الكبيرة احتراماً عندما تتفاعل مع النقد بثقة وانفتاح، لا عندما تُحصَّن من المساءلة.
لم يكن المستغرب في هذه القضية وجود النقد، وإنما انخراط قوى وفصائل سياسية في حملات التأييد والتنديد والتشكيك بالمنتقدين أو الدفاع غير المشروط عن المتحدث، وكأن القضية أصبحت معركة اصطفافات سياسية.
كان الأجدر بهذه القوى أن تشغل بالمأزق الذي يعيشه المشروع الوطني الفلسطيني، وأن تكرس جهودها لمعالجة تحدّياته، لا أن تجعل من خلاف لغوي أو سياسي مناسبة جديدة لتعميق الانقسام.
إن جزءاً من الخطاب الفصائلي، للأسف، ما زال يرسخ ثقافة ترى في النقد تهديداً ينبغي قمعه، بينما يستثمر جزء آخر أي جدل لخدمة أجنداته السياسية، بغض النظر عن مضمون القضية المطروحة.
النقد الذي نطالب بحمايته ينبغي أن يبقى مسؤولاً وبنّاءً، لا أن يتحوّل إلى تشهير أو تخوين أو تشبيح أو محاكمات للنياتوفي المقابل، على المنتقدين أيضاً مسؤولية لا تقل أهمية.
فالنقد الذي نطالب بحمايته ينبغي أن يبقى مسؤولاً وبنّاءً، لا أن يتحوّل إلى تشهير أو تخوين أو تشبيح أو محاكمات للنيات.
فمن السهل أن يقع المنتقد في الخطأ نفسه الذي يعترض عليه، فيتحول من مدافع عن حرية التعبير إلى ممارس للإقصاء بحق الآخرين.
وينبغي الانتباه إلى أن العمل الإعلامي يفرض أحياناً ظروفاً قاسية على المتحدثين.
فكثيراً ما يُطلب من الضيف أن يجيب في ثوانٍ عن سؤال يحتاج ساعة من الشرح والتفصيل.
ومن الطبيعي أن تصدر عباراتٌ غير دقيقة أو لا تنقل المقصود كاملاً.
لذلك، يقتضي الإنصاف أن تُقرأ الفكرة في سياقها، وأن يُحاكم المتحدث على قصده العام ومسيرته، لا على اجتزاء عبارة واحدة من سياقها وتحويلها إلى حكم نهائي على شخصه.
وفي هذا السياق، لا ينتقص تعزيز ثقافة المراجعة والتصويب والاعتذار من أحد، بل يضيف إليه.
وإذا شعر بعض أهل غزّة أو ذوو الضحايا أن التصريحات مسّت مشاعرهم، فمن المتوقع، بل ومنسجم مع التاريخ الوطني لمصطفى البرغوثي، أن ينخرط معهم في حوار مباشر، وأن يوضح مقصده، وأن يعتذر إن رأى أن عبارته كانت جارحة لهم، ولو لم يكن هذا مقصده.
فالاعتذار عن أثر الكلمات لا يعني الاعتذار عن النيات، بل يعكس احتراماً للضحايا ولمشاعرهم.
ولن ينتقص هذا الموقف من تاريخه، بل سيضيف إليه صفحة من المسؤولية الوطنية والأخلاقية.
حين يصبح الخطاب الديمغرافي محور الحديث، قد تتراجع، من حيث لا نقصد، القيمة الإنسانية الفردية لكل طفل وكل شهيدومن الظواهر التي تستحق المراجعة أيضاً تلك النزعة التي تنظر بريبة إلى كل ناشط أو مدافع عن القضية الفلسطينية يحقق حضوراً إعلامياً أو جماهيرياً، وكأن الشهرة تهمة أو دليل على غياب الإخلاص.
والحقيقة أن القضية الفلسطينية تحتاج شخصيات مؤثرة يصل صوتها إلى العالم، لا إلى مجهولين.
تأثير هؤلاء، وانتشارهم، وعدد متابعيهم مكسب للقضية التي يدافعون عنها.
ومن الإنصاف أن نتذكر أن هؤلاء يدفعون ثمناً كبيراً من وقتهم، ويتعرّضون لمخاطر وضغوط واستهداف بسبب دفاعهم المستمر عن الشعب الفلسطيني، بينما كان بإمكانهم استثمار جهودهم في مجالات تحقق لهم مكاسب شخصية أكبر.
القضية الأعمق التي كشفها هذا الجدل الحاجة إلى مراجعة ما يمكن تسميته" الخطاب الديمغرافي" في السياسة الفلسطينية.
فهذا الخطاب ليس جديداً، ولم يبتدعه مصطفى البرغوثي، بل استخدمه الرئيس الشهيد ياسر عرفات في مناسبات عديدة، بوصفه تعبيراً عن الصمود والتحدّي أمام مشروع استعماري يعمل على اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه.
وكانت النية دائماً التعبير عن إرادة الحياة والاستمرار رغم محاولات الإبادة والاقتلاع.
لكن النيات الحسنة لا تمنع الحاجة إلى مراجعة الأدوات اللغوية.
فحين يصبح الخطاب الديمغرافي محور الحديث، قد تتراجع، من حيث لا نقصد، القيمة الإنسانية الفردية لكل طفل وكل شهيد، ويُنظر إليهم جزءاً من معادلة عددية.
وهذا ما يستدعي تطوير الخطاب الوطني بحيث يظل وفياً لرسالة الصمود، من دون أن يمسّ قدسية الحياة الإنسانية.
ولهذا السبب، تستحقّ بعض العبارات المتداولة إعادة النظر.
فعندما يُقال إن الشهداء" قدّموا حياتهم رخيصة من أجل الوطن"، تبدو العبارة في ظاهرها تمجيداً للتضحية، لكنها قد توحي أيضاً بأن الحياة نفسها قليلة القيمة، بينما الحياة أغلى ما يملكه الإنسان.
الأدق أن نقول مثلاً إنهم" قدّموا أغلى ما يملكون دفاعاً عن وطنهم، " أو إنهم" ارتقوا شهداء بعدما انتزعت منهم قوى الظلم حقهم في الحياة، " أو إنهم" بذلوا أرواحاً عزيزة في سبيل الحرية والكرامة"، فأرواحهم غالية، لكن المعتدي هو من استهان بحرمة الحياة، وليس هم من استهانوا بها.
القضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية أرقام، بل قضية بشر، وكرامة، وحق في الحياة، وحق في الحريةوليست هذه المراجعة مجرد تحسين لغوي، بل لها أيضاً أهمية سياسية وأخلاقية، فالاحتلال دأب على توظيف الخطاب الديمغرافي لتشويه النضال الفلسطيني، مدّعياً أن الفلسطينيين يحملون" ثقافة الموت"، بينما يقدّم نفسه بوصفه ممثلاً لـ" ثقافة الحياة".
كما روّج سياسيون غربيون فكرة أن الفلسطينيين يشنون" حرباً ديمغرافية" بالإنجاب، وجرى وصف الأطفال الفلسطينيين" قنابل ديمغرافية".
وهذه ليست مجرّد أوصاف سياسية، بل هي جريمة أخلاقية وإنسانية، لأنها تنزع البراءة عن الأطفال، وتحوّل وجودهم الطبيعي إلى تهديد، وتبرّر استهدافهم أو الانتقاص من إنسانيتهم.
لا يكون الردّ على هذا الخطاب بتبني لغة قد تُفهم أنها تقلل من القيمة الفردية للحياة، بل بتأكيد أن كل طفل فلسطيني هو إنسان كامل الكرامة، وأن كل شهيد كان يحمل حياة ثمينة انتزعها منه ظلم الاحتلال وعدوانه، فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية أرقام، بل قضية بشر، وكرامة، وحق في الحياة، وحق في الحرية.
لذلك، الجدل الذي أثير بشأن تصريح مصطفى البرغوثي ينبغي ألا ينتهي بانتصار فريق على آخر، بل بانتصار ثقافة سياسية أكثر نضجاً؛ ثقافة تحمي حق الناس في النقد، وتحفظ مكانة المناضلين، وتشجع على المراجعة والتصويب، وتطوّر الخطاب الوطني بما يجعل الإنسان الفلسطيني، لا الرقم، مركز الرواية الفلسطينية.
فهذا هو الخطاب الأقدر على الدفاع عن عدالة القضية، والأكثر وفاءً لتضحيات من دفعوا أغلى ما يملكون، لأن الاحتلال هو من سلبهم حقهم في الحياة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك