كشف الدكتور رضا النجار، المفكر السياسي، عن التحديات الهيكلية التي تواجه لؤلؤة السياحة العالمية الغردقة، موجهًا رسائل مباشرة للجهات التنفيذية والتشريعية للتحرك فورًا لإنقاذ المدينة من شبح العشوائية والترييف الذي بات يهدد هويتها السياحية العالمية.
ورسم" النجار"، خلال لقائه مع الإعلامي محمد الإشعابي، ببرنامج" العلامة الكاملة"، المذاع على قناة" الشمس"، صورة دقيقة لمعادلة النمو السكاني المختلة في محافظة البحر الأحمر، قائلاً: " المشكلة الكبرى تكمن في أن الزيادة السكانية الرهيبة لا يواكبها نمو متكافئ في البنية التحتية، وهذا الخلل أنتج بؤرًا عشوائية، وتسبب في أزمة سكن خانقة رفعت أسعار إيجارات الوحدات السكنية في الغردقة لتبلغ أرقامًا فلكية تتراوح بين 7 و8 وعشرة آلاف جنيه شهريًا، بل وأكثر من ذلك، متساءلا: كيف لشاب بسيط يعمل في قطاع السياحة أو يمتلك حرفة مهنية، ولديه زوجة وطفل، أن يتحمل هذه الأعباء؟ ، هذه الإيجارات أصبحت عقبة حقيقية أمام جذب الكفاءات واستقرار العاملين".
وانتقد بشدة السياسات المتبعة في طرح الأراضي، متسائلاً عن غياب التخطيط لاستغلال المساحات الشاسعة للمحافظة، معقبًا: " نحن نمتلك ظهيرًا صحراويًا يمتد من شاطئ البحر الأحمر غربًا حتى وادي النيل، والصحراء ممتدة ببلاش، ومع ذلك نجد أسعار الأراضي في المزادات ترتفع بشكل جنوني لدرجة أن قطة أرض بيع المتر فيها بـ 2.
6 مليون جنيه، بينما على بعد كيلومتر واحد منها توجد صحراء شاسعة غير متاحة للشباب والمستثمرين".
وتابع: " أنا أتقبل تمامًا المزادات والارتفاع الجنوني لأسعار الأراضي في الدلتا لأن المساحات هناك ضيقة والبدائل منعدمة لحماية الرقعة الزراعية، لكن هنا في البحر الأحمر يجب فتح الظهير الصحراوي وتوفير الأراضي بأسعار مناسبة للشباب لإنشاء مجتمعات عمرانية متكاملة تخفف الضغط عن المدينة القديمة".
وعن الجدل الذي أثاره أحد نواب المحافظة في البرلمان حول تحذيره من ترييف الغردقة والمدن السياحية جراء الهجرة الداخلية، كشف عن رؤيته القانونية والواقعية قائلا: " لا يمكننا دستوريًا وقانونيًا أن نمنع أي مواطن مصري من الانتقال والعيش والعمل في الغردقة، لكن الحل يكمن في الدراسة الاستباقية للتدفقات البشرية، طالما أن الغردقة مدينة جاذبة وتوفر فرص عمل، فمن البديهي أن يأتيها الناس، الدولة والجهات التنفيذية يجب أن تكون سابقة بخطوة، فتوفر السكن والمدارس والمرافق لهؤلاء الوافدين قبل وصولهم لكي لا يتحولوا إلى عشوائيات".
واستطرد: " ما حذر منه سيادة النائب هو واقع ناتج عن العشوائيات؛ فالطبقات البسيطة غير المؤهلة تأتي بعاداتها وتقاليدها الريفية وتستقر في بيئة تفتقر للتنظيم، مما أفرز ظواهر سلبية مثل التسول، وتدني مستوى النظافة، والضغط على الخدمات والمرافق الشحيحة بالمدينة، وفي المقابل، نجد أن الخواجه السائح لا يرى هذا الجانب لأنه يعيش داخل كومباوند أو منتجع سياحي فخم يتمتع بأعلى معايير الخدمة والجمال، لكن المواطن الذي يخدم السياحة يعيش في ظروف صعبة تفتقر لأبسط الخدمات، وهذا تناقض يجب حله فورًا".
وحول التحدي الأبرز والأكثر خطورة الذي يواجه المواطنين والقطاع السياحي بالبحر الأحمر على حد سواء، وهو أزمة المياه، أكد الدكتور رضا النجار: " تاريخيًا، كنا نعتمد على خط مياه الكريمات القادم من الجيزة عبر مسافات طويلة، لكن مع الطفرة العمرانية في العين السخنة ومدينة الجلالة وراس غارب، تراجعت حصة الغردقة من مياه هذا الخط بنسبة تتراوح بين 60% إلى 70%، والاعتماد الحالي منصب على محطة (اليسر) لتحلية مياه البحر، وهي عملية مكلفة جدًا، ورغم حجمها إلا أنها تعجز عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، لا سيما في فصل الصيف مع وصول أعداد السائحين والمواطنين في المنتجعات إلى قرابة 350 ألف شخص يوميًا يحتاجون لمعدلات استهلاك مائي مرتفعة جدًا، وبسبب هذا العجز الشديد، يقفز سعر طن المياه في الصيف لأرقام مرعبة تتجاوز الـ 300 جنيه للاستخدام المنزلي".
وعن دور القطاع الخاص في الحل، قال: " محافظ البحر الأحمر وجه مؤخرًا بضرورة دخول القطاع الخاص في حل هذه الأزمة من خلال إنشاء محطات تحلية ذاتية للمنتجعات والفنادق لتخفيف الضغط عن الشبكة الحكومية، وبادرتُ بالفعل كأحد المستثمرين بتنفيذ محطة تحلية خاصة بمشروعاتنا للاكتفاء الذاتي المائي، وهو التوجه الذي بدأ يستجيب له العديد من المستثمرين حالياً لمواجهة الأزمة بمسؤولية وطنية مشتركة".
ووجه الدكتور رضا النجار رسالة حاسمة إلى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وإلى القيادات التنفيذية في المحافظة قائلا: " نحن نتحدث مع المسؤولين في كل الأوقات ونعرض هذه الملفات المتشابكة، لكننا نحتاج إلى برلمان ومحليات يتحركون بنفس السرعة والريتم الذي يتحرك به الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا يجب أن ينتظر المسؤول ورقة رسمية أو قرارًا جمهوريًا لبدء العمل؛ عندما يتحدث الرئيس بلهجة مشدودة حول ملف معين، فهذا في حد ذاته توجيه رئاسي يجب التقاطه وصياغته فورًا والتحرك الميداني لتنفيذه مع اتخاذ الموافقات القانونية اللازمة لتأمين العمل".
واختتم قائلا: " ملفات التعليم وصحة المواطنين بالبحر الأحمر يجب أن تُطرح بقوة داخل لجان الإسكان والتعليم والصحة بالبرلمان، وليس مقبولًا أن تصل كثافة الفصول في الغردقة إلى 60 طالبًا في الفصل، نحتاج للإسراع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، وإنشاء كلية طب تابعة لمستشفى جامعي بالمحافظة لرفع جودة الخدمات الطبية، البحر الأحمر ليست مجرد شواطئ، بل هي قاطرة تنمية قادرة بمواردها من بترول، وتعدين، ومثلث ذهبي، وسياحة، وثروة سمكية، أن تكون المنقذ الحقيقي للاقتصاد المصري في الفترات القادمة إذا أُحسن استغلالها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك