رجل اتسعت له الدوحة.
حتى اتسع له العالم.
العزاء الذي كشف مقدار «فقيد قطر الكبير»في أيام العزاء، لم تكن الدوحة تستقبل وفودا جاءت لأداء واجب رسمي عابر؛ كانت تستقبل شهادات حيّة على مكانة رجل امتد أثره من وطنه الصغير في الجغرافيا إلى دوائر واسعة من العالم.
تعاقب الملوك والرؤساء وأولياء العهود وكبار المبعوثين على قصر لوسيل، وجاء الذين عرفوا الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مجالس الحكم، وجالسوه في القمم، واختبروا حكمته في ساعات الأزمات، ورأوا بأعينهم كيف استطاع أن يمنح قطر وزنا يفوق مساحتها وعدد سكانها.
وفي تلك الأيام، خُيّل للمتابع أن خريطة واسعة من العلاقات السياسية والإنسانية قد انتقلت إلى الدوحة.
حضر قادة من الخليج والعالم العربي، وجاء رؤساء ووفود رفيعة من إفريقيا وآسيا، وقدم ممثلون عن دول كبرى واجب العزاء، فيما أعلن عدد من الدول الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام.
وفي مقر الأمم المتحدة، وقّع الأمين العام أنطونيو غوتيريش سجل التعازي، ووصف الأمير الوالد بالقائد صاحب الرؤية الذي أحدث تحولا عميقا في وطنه.
كان ذلك المشهد كاشفا في دلالته.
فمكانة الرجال تُقرأ أحيانا في الوجوه التي تحضر لتوديعهم، وفي الكلمات التي تصدر عن خصومهم قبل أصدقائهم، وفي مقدار الحزن الذي يتجاوز حدود الوطن.
وحين جاء هذا الجمع إلى قطر، حمل معه اعترافا بأن الراحل كان واحدا من رجال الدولة الذين صنعوا لأنفسهم حضورا يتجاوز أعمارهم، وصنعوا لأوطانهم موقعا يصعب أن يتراجع بعدهم.
لم يكن العالم يعزي قطر في حاكم سابق وحسب؛ كان يودع رجلا شارك في تشكيل مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة.
لقد عرفه كثير من القادة يوم كانت الدوحة تتحول إلى بيت للوساطات، ومركز للطاقة، ومنبر للإعلام، ومقصد للتعليم والحوار.
وعرفوه حين صارت قطر شريكا يحسب له حساب في الملفات الكبرى، وحين غدت كلمتها مسموعة في العواصم التي تصنع القرار.
أما القطريون، فقد قرؤوا المشهد بعين أخرى.
رأوا العالم يأتي إلى وطنهم وفاء لحاكمهم وأميرهم الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني طيب الله ثراه، وشعروا أن كل يد امتدت بالتعزية تحمل شيئا من الاعتراف بما صنعه لقطر.
امتزج الحزن بالفخر؛ فالرجل الذي يودعه الملوك والرؤساء هو ذاته الذي حمل بلادهم من الهامش إلى قلب المشهد، ومن حضور محدود إلى مكانة راسخة.
من وطن صغير إلى دولة كبيرة في معناها حين تولى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم عام 1995، كانت قطر تقف أمام فرصة تاريخية.
امتلكت البلاد موارد واعدة، وامتلك هو رؤية تعرف كيف تحول المورد إلى قوة، وكيف تجعل الثروة في خدمة مشروع أوسع من الرفاه المباشر.
أدرك منذ البدايات أن قوة الدولة تبدأ من الداخل، وأن حضورها في العالم يحتاج إلى اقتصاد متين، ومؤسسات حية، وإنسان واثق من نفسه ومن وطنه.
لهذا لم يكن مشروعه مجرد توسع عمراني أو نمو اقتصادي.
كان مشروعا لإعادة تعريف قطر في وعي أبنائها وفي نظر العالم.
أراد لها أن تكون دولة تعرف وجهتها، وتملك قرارها، وتبني مستقبلها بعقل مفتوح وإرادة مستقلة.
وفي سنوات حكمه الثماني عشرة، شهدت البلاد تحولات واسعة في قطاعات الطاقة والتعليم والإعلام والثقافة والبنية الأساسية، حتى وصفه الديوان الأميري بأنه باني نهضة قطر الحديثة.
حكمة الوسيط وهمّ الإنسان كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني طيب الله ثراه ينظر إلى السياسة الخارجية بوصفها امتدادا لقيمة الدولة، وفرصة لحماية مصالحها وخدمة محيطها في آن واحد.
فهم مبكرا أن قطر تستطيع أن تبني نفوذها من خلال الثقة، وأن موقع الوسيط يمنحها مساحة للحركة بين الأطراف المتخاصمة، ويجعل الدوحة بابا مفتوحا حين تغلق العواصم أبوابها.
في عهده، أصبحت قطر ساحة يلتقي فيها المختلفون، ويجلس فيها الخصوم إلى طاولة واحدة.
من لبنان إلى دارفور، ومن الملفات الفلسطينية إلى أزمات إقليمية متشابكة، ارتبط اسم الدوحة بمحاولات الصلح والتقريب.
وكان وراء هذا الدور قائد يدرك أن الوساطة تحتاج إلى الصبر، وحفظ الصلات، والقدرة على مخاطبة كل طرف بلغته من دون فقدان البوصلة.
لهذا جاء قادة من لبنان والسودان وغيرهما لتقديم العزاء.
حمل كل واحد منهم ذاكرة مرحلة عرف فيها الشيخ حمد، أو عرف أثرا من أثره في بلاده.
لم تجمعهم لحظة الوفاة وحدها؛ جمعتهم سنوات من العلاقات والمواقف والاتصالات، وجمعتهم صورة رجل كان يعرف كيف يصغي، وكيف يبقي الخيط موصولا حتى في أحلك الأوقات.
وكانت فلسطين في قلب هذه الرؤية.
حمل قضيتها بوصفها جرحا عربيا وإنسانيا، وظهر ذلك في مواقفه وخطاباته ومبادراته.
وفي عام 2009، خاطب الأمة خلال العدوان على غزة بكلمات تعكس شعوره بثقل المأساة، ثم دخل القطاع عام 2012 في زيارة حملت دلالة سياسية وإنسانية عميقة.
ذهب إلى الناس في محنتهم، ورأى بأم عينه ما خلفه الحصار والعدوان، وأعلن مشروعات أعادت بناء طرق ومساكن ومرافق صحية.
في غزة، تجاوز اسمه القاعات السياسية.
حمله مستشفى للتأهيل والأطراف الصناعية، حملته مشاريع بنية أساسية رآها الناس في تفاصيل حياتهم.
وحين يصبح اسم القائد مرتبطا بقدم تعود إلى المشي، وبمصاب يستعيد قدرته على الحياة، وبأسرة تجد سقفا يؤويها، تأخذ السياسة معناها الأعمق.
كان يعرف أن مكانة الدول تقاس أيضا بما تمنحه للإنسان وقت المحنة.
لهذا امتدت يد قطر إلى المنكوبين، وأسهمت في الإعمار، وحضرت في ساحات الألم.
جمع في سياسته بين حساب الدولة ووجدان الأمة، وبين الواقعية السياسية والإحساس بمعاناة الشعوب.
ومن هذا التوازن نشأت مكانة قطر الإقليمية: دولة تتحدث مع القوى الكبرى، وتحفظ في الوقت نفسه صلتها بالناس وآمالهم.
صوت قطر يصل إلى العالم إلى جانب الاقتصاد والدبلوماسية، أدرك الشيخ حمد بن خليفة أن الحضور العالمي يحتاج إلى صوت.
وفي عام 1996، انطلقت قناة الجزيرة، فدخلت قطر مرحلة جديدة من التأثير.
كان القرار جريئا في سياقه، وكانت نتائجه أبعد من تأسيس مؤسسة إعلامية؛ فقد تغيّرت معه صورة الدوحة، وتغيّرت علاقة العرب بالأخبار والنقاش العام.
صارت الجزيرة نافذة تحمل قضايا المنطقة إلى العالم، ومنبرا تظهر عليه أصوات كانت تعيش في الهامش، وشاشة تفتح ملفات أغلقتها مؤسسات إعلامية كثيرة.
وبمرور السنوات، صار اسم قطر حاضرا في البيوت العربية.
ثم جاءت الرياضة لتكمل صورة الحضور.
عندما فازت قطر بحق استضافة كأس العالم 2022، لم يكن الأمر مجرد انتصار لملف رياضي.
كان تتويجا لمسار طويل آمن بأن الدولة تستطيع أن تستقبل العالم، وأن تقدم صورة عربية حديثة، وأن تحول البطولة إلى مناسبة ثقافية وحضارية.
وحين جاء المونديال، ورأى العالم الملاعب والطرق والمدن والتنظيم، كانت هناك صلة خفية بين المشهد والحلم الذي بدأ قبل أعوام.
لقد أراد الأمير الوالد رحمه الله لقطر أن تكون مكانا يجتمع فيه الناس، وأن يعرفها العالم من خلال الإنجاز، والثقافة، والضيافة، والقدرة على تقديم نموذج مختلف.
هكذا بنى مكانة بلاده: مجالا بعد مجال، وطبقة فوق طبقة.
الطاقة منحتها قوة اقتصادية، والتعليم منحها مستقبلا، والإعلام منحها صوتا، والوساطة منحتها ثقة، والرياضة منحتها قدرة على جمع العالم.
لم تكن هذه المسارات منفصلة؛ كانت أجزاء من رؤية واحدة أرادت لقطر أن تكون حاضرة حيث يصنع المستقبل.
رجل عرف متى يمضي… وكيف يبقى في عام 2013، قدم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحدا من أكثر مشاهد حياته دلالة.
اختار أن يسلم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ليصبح أميرا للبلاد، وأن يمنح جيلا جديدا مسؤولية مواصلة المسيرة.
كانت لحظة كشفت عن فهم عميق لمعنى الدولة: الأشخاص يؤدون أدوارهم، والأوطان تستمر، والقيادة الحكيمة تهيئ انتقال الأمانة في الوقت المناسب.
وفي خطابه الأخير أميرًا، ترك كلماته التي تعود اليوم محملة بواقع الرحيل: «وأوصيكم بالثبات على الحق والاستقامة على الطريق مهما تبدلت الأيام والأحوال».
لم تكن العبارة زينة خطابية.
كانت خلاصة تجربة رجل عرف صعوبة السياسة، وتقلب المصالح، وتبدل التحالفات، ثم رأى أن الحق هو البوصلة، وأن الاستقامة هي الطريق الذي يحفظ للأوطان كرامتها.
وحين سلم الحكم، سلّم معه وصية أخلاقية ظلت حاضرة في وجدان شعبه.
عاش بعد ذلك الأمير الوالد، يتابع الدولة التي شارك في بنائها وهي تمضي إلى مرحلة جديدة.
رأى قطر تواجه الأزمات وتخرج منها أكثر صلابة، ورأى المونديال يتحول من حلم إلى حقيقة، ورأى ابنه يكمل المسيرة ويوسع حضور البلاد.
وربما كانت تلك أعظم سكينة ينالها قائد هي: أن يرى الغرس وقد اشتد عوده، وأن يطمئن إلى أن الأمانة في يد تعرف قدرها.
وحين جاء يوم الرحيل، عاد العالم إلى الدوحة.
عاد الذين عرفوه أميرا، والذين عرفوه وسيطا، والذين عرفوه صديقًا، والذين عرفوا قطر من خلال ما صنع.
جاؤوا ليقولوا إن المكانة التي بناها الرجل بقيت بعد خروجه من الحكم، وإن أثره ظل حاضرا في حسابات الدول وذاكرة القادة.
انفضت مجالس العزاء، وعادت الوفود إلى عواصمها، وبقي المعنى.
رجال العالم جاؤوا إلى الدوحة لأن رجلا من قطر ترك أثرا في عالمهم.
وهذا هو الفرق بين من يشغل الحكم والمنصب ومن يصنع المكانة؛ المنصب ينتهي، أما المكانة فتبقى في ذاكرة الناس والدول.
رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
رحم الله رجلا حمل قطر في قلبه، ثم حمل اسمها إلى العالم.
منح وطنه الثقة، وصنع له صوتا، وفتح أمامه أبوابا واسعة، وجعل منه دولة يلتفت إليها الكبار، ويقصدها المختلفون، ويعرفها الناس في الشرق والغرب.
لقد رحل الرجل، وبقيت قطر في المكان الذي أراده لها: عزيزة في وطنها، مؤثرة في محيطها، محترمة وفارضة لاحترامها على مستوى العالم.
وبقيت وصيته على الطريق: الثبات على الحق، والاستقامة مهما تبدلت الأيام والأحوال.
@FalehalhajeriQa.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك