في غضون ساعات، صنعت منشورات وفيديوهات تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي رواية عن" اقتحام جرمانا" و" عملية أمنية" و" عمليات تمشيط"، تحولت إلى حالة من القلق داخل المدينة وخارجها، رغم أن ما كان يحدث فعلاً على الأرض لم يعكس تلك الروايات.
يتتبع هذا التقرير كيف تحولت شائعة إلى حالة من القلق والاستقطاب، ولماذا لا يتوقف خطر الأخبار الكاذبة عند التضليل، بل يمتد إلى تهديد السلم الأهلي وتهيئة المجتمع للعنف.
بدأت القصة بعد وقفة عزاء نظمها عدد من مشايخ وأهالي جرمانا، الإثنين 13 من تموز، في الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء، في" صالة الوقف" الواقع في شارع الخضر.
بعد انتهاء الوقفة، تظاهر عدد من الشبان ورددوا هتافات طائفية ومناهضة للحكومة السورية، وانتشرت مقاطع مصورة للتظاهرة تحولت إلى حملة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي شاركت فيها حسابات وشخصيات مختلفة.
وفي أول ردود الفعل على تظاهرات شبان جرمانا، رفض بيان صادر عن مشايخ وأهالي المدينة ما حصل، مؤكداً أن ذلك" لا يمثل موقف المدينة أو قيم سكانها".
وقال البيان إن الفعالية" أُقيمت بالتنسيق مع مؤسسات الدولة وبعد الحصول على التراخيص اللازمة"، وإن المشايخ ووجهاء المدينة" سعوا إلى احتواء الموقف".
وشدد المشايخ والأهالي الموقعون على البيان على وحدة سوريا والسلم الأهلي وسيادة القانون ورفض الخطابات التي تؤجج الانقسام والفتنة، مؤكدين تمسكهم بوحدة سوريا وتماسكها بكل أطيافها، وأن مدينة جرمانا" جزء أصيل من غوطة دمشق، ووجهتها دمشق، وأبناؤها شركاء في بناء الوطن السوري الواحد الموحد".
كيف صُنعت رواية لا وجود لها؟بعد الوقفة ومع تصاعد حملة التحريض حتى فجر الثلاثاء، بدأت تنتشر منشورات ومقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي زعمت وصول أرتال أمنية إلى جرمانا وبدء عمليات اقتحام وتمشيط، قبل أن تتحول الرواية خلال ساعات إلى الحديث عن ملاحقة تجار مخدرات، من دون صدور أي إعلان رسمي يؤكد ذلك.
وحتى لحظة نشر هذا التقرير، لم تشهد مدينة جرمانا أي انتشار أمني استثنائي، فيما اقتصر الوجود الأمني على الدوريات الاعتيادية، وفق ما أكده مراسلو" تلفزيون سوريا" وشهود عيان في المنطقة ومحيطها.
وصفت الصحفية وعد نصر ما حدث بأنه نموذج للتضليل الإعلامي، موضحة أن بعض الصفحات" تروج الكذبة ثم تتعامل معها وكأنها حقيقة"، معتبرة أن الهدف لم يكن نقل الوقائع، بل محاولة لإثارة الفتنة وخلق توتر أمني.
وقالت نصر لم يستهدف التحريض مكوناً واحداً، بل هدد جميع سكان المدينة، لما قد يسببه من خوف وتعطيل للحياة اليومية، مشيرة إلى أن" جرمانا تضم مختلف المكونات، وهذه المنشورات تثير الفتنة بين الجميع، وتزعزع شعور الناس بالأمان، وقد تدفع البعض إلى إغلاق محالهم أو تعطيل أعمالهم خوفاً مما يُتداول".
واعتبرت الصحفية السورية أن التغطية المتداولة اختزلت جرمانا في مجموعة محددة، متجاهلة طبيعة المدينة وتنوعها، مشددة على أن جرمانا" مدينة تعايش وسلم أهلي ومساحة مشتركة للعيش".
من جانبه، يرى عضو المكتب التنفيذي في بلدية جرمانا، المحامي دحام ظافر، أن ما جرى أسهم في خلق حالة من التوتر والخوف بين السكان، وكان محاولة متعمدة لإثارة الفتنة، مؤكداً أن ما تم تداوله لم يكن موجوداً على الأرض، وهو غير صحيح نهائياً.
وعن مصادر التحريض، قال ظافر إن هذه الدعوات صدرت عن" أشخاص غير مسؤولين ومن أصحاب السوابق"، مؤكداً أنهم" لا يمثلون مجتمع جرمانا ولا يعبرون عن أهالي المدينة".
وشدد عضو بلدية جرمانا أن مجتمع المدينة" محب ومسالم ومتعايش بأفضل صورة".
في الوقت الذي كانت فيه منشورات وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن تحضيرات اقتحام المدينة والأرتال المحاصرة لها، كانت الحياة اليومية في جرمانا تسير بصورة مختلفة تماماً.
يقول سامر، وهو صاحب متجر في المدينة، إنه لم يسمع خلال وجوده في عمله بأي أحداث غير اعتيادية، ولم يعلم بما يُتداول من هذه الأخبار إلا بعد عودته إلى منزله وفتحه لتطبيق" فيس بوك".
أما ماهر، فكان نائماً طوال الليل، ولم يعرف شيئاً عن الروايات المنتشرة إلا صباح اليوم التالي عندما سأله زملاؤه في العمل عما حدث أمس في جرمانا، مشيراً إلى أنه عرف حينها بالأخبار والمنشورات خلال الليل.
نور من جهتها تؤكد أنها لم تسمع بأي تحركات استثنائية داخل المدينة، بينما تشير ريم إلى أنها بقيت حتى ساعات متأخرة تتابع المنشورات التي تتحدث عن اقتحام وعمليات تمشيط، من دون أن تسمع أو تشاهد ما يؤيد تلك الروايات على أرض الواقع.
ووفق الصحفية وعد نصر، فإن الأوضاع الميدانية كانت مختلفة تماماً عما صُوّر على الإنترنت، إذ إن عددا كبيرا من السكان لم يكن على علم بما كان يُتداول أصلاً، لانشغالهم بحياتهم اليومية، مضيفة أن المحال والمعامل وورشات الخياطة واصلت عملها بشكل طبيعي، والطلاب ذهبوا إلى المعاهد، النوادي الصيفية.
الخوف الحقيقي على الشاشاتورغم غياب أي تطورات ميدانية استثنائية، تركت المنشورات أثراً نفسياً لدى كثيرين.
تقول لينا إنها أمضت ساعات الليل في حالة من التوتر والخوف، رغم أنها لم تسمع أي أصوات أو تحركات في الشارع، موضحة أنه" لم يكن هناك شيء واضح على الأرض، ولم يتمكن أحد من تأكيد ما يجري، لكن المنشورات المتلاحقة على فيسبوك جعلتني شديدة التوتر".
وامتد هذا القلق إلى خارج سوريا أيضاً، إذ تقول لونا، المقيمة في الإمارات، إنها سارعت إلى الاتصال بعائلتها في جرمانا بعدما شاهدت الأخبار، لتفاجأ بأنهم لم يكونوا على علم بما يُنشر، مضيفة أن غياب المعلومات الموثوقة جعلها تشعر بعدم الاطمئنان حتى بعد انتهاء الحملة.
وذكرت الصحفية وعد نصر أن أن كثيراً من أبناء جرمانا المقيمين خارجها، لا سيما المغتربين، اتصلوا بذويهم للاطمئنان بعدما شاهدوا المنشورات، في حين لم يكن السكان في الداخل يلاحظون ما يتناسب مع حجم الأخبار المتداولة.
وتروي نصر أن إحدى قريباتها اتصلت بها وهي خائفة من الخروج لشراء حاجياتها، فأجابتها: " قلت لها اخرجي واشتري الخضراوات وشاهدي الشارع بنفسك، حتى لا تبقي متلقية سلبية لما يُنشر"، مشددة على أنه" من المهم أن يتحقق الناس مما يجري حولهم، وأن ينقلوا صورة حقيقية وإيجابية في مواجهة خطاب التحريض".
ولا يقتصر خطر مثل هذه الحملات على نشر معلومات غير دقيقة، بل يمتد إلى تحويل الخلاف السياسي إلى تحريض جماعي يستهدف مدناً ومكونات اجتماعية بأكملها، وهو ما يحذر مختصون من أنه يهدد السلم الأهلي ويعمق الانقسام المجتمعي.
وفي حالة جرمانا، لم تتوقف الحملة عند انتقاد الهتافات الطائفية أو المشاركين فيها، بل تحولت إلى إساءات جماعية ودعوات للانتقام، رافقتها عبارات شماتة واستعراض للقوة، في وقت لم تشهد فيه المدينة أحداثاً تتناسب مع حجم التصعيد على الإنترنت.
تقول الصحفية وعد نصر إن التنوع داخل الأبنية والأحياء يعكس طبيعة جرمانا، التي تصفها بأنها" سوريا مصغرة"، مضيفةً أنه" قد يتأثر بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، ولا سيما من لا يخرجون من منازلهم ويعتمدون بالكامل على ما يُنشر على فيسبوك، فيصبحون أكثر قابلية لتصديق الأخبار المضللة.
لكن الحياة اليومية بين السكان من مختلف المكونات بقيت طبيعية".
ووفق نصر، تعامل بعض السكان مع المنشورات بسخرية، في حين بات لدى كثيرين اعتقاد بأن التحريض يأتي غالباً من أشخاص لا يعيشون داخل جرمانا أو حتى داخل سوريا، مؤكدة أن" النسبة الأكبر تريد فقط أن تعيش وأن يبقى السلم الأهلي قائماً، وتوقف التحريض من بعيد".
من استهداف الأفراد إلى تهديد المجتمعلا تتوقف خطورة حملات التحريض عند الإساءة إلى أشخاص أو مجموعات محددة، بل تبدأ عندما تتحول الحوادث الفردية إلى اتهامات جماعية تطال مدناً أو طوائف أو مكونات اجتماعية بأكملها.
ويحذر ناشطون وصحفيون من أن هذا النوع من الخطاب يرسخ الانقسام ويغذي الخوف، حتى في غياب أي تصعيد ميداني.
ويرى الصحفي سعيد اليوسف أن أخطر ما في خطاب الكراهية هو تحويل الخلاف أو الخطأ الفردي إلى اتهام جماعي، لأن ذلك يفتح الباب أمام التحريض والانتقام، ويزرع الخوف والعداء بين مكونات المجتمع، كما يدفع الجماعات إلى الاحتماء بهوياتها الضيقة والشعور بأنها مستهدفة.
وتتفق الصحفية جلنار العلي مع هذا التوصيف، مشيرة إلى أن التحريض في سوريا لم يعد يستهدف أفراداً، بل أصبح يوجه ضد طوائف ومكونات كاملة.
وترى أن هذا الخطاب يدفع الناس إلى الانغلاق داخل دوائرهم الضيقة، ويقوّض فرص العدالة عندما تتحول محاسبة شخص إلى ما يشبه محاسبة جماعة بأكملها.
أيضاً يوافق صانع المحتوى مظهر جحجاح مع توصيف الصحفي اليوسف، معتبراً أن أخطر ما في حملات التحريض هو انتقالها من تحميل المسؤولية لأفراد أو مجموعات محددة إلى اتهام مدينة أو طائفة بأكملها، مؤكداً أن هذا النوع من الخطاب يدفع المكونات المستهدفة إلى الاصطفاف دفاعاً عن نفسها، فتتراجع الأصوات المعتدلة، وتتعمق حالة الاستقطاب والوصم المجتمعي.
أما الصحفي باسل المحمد، فيحذر من الوقوع في فخ التعميم، مؤكداً أن تحميل مدينة أو مكون اجتماعي مسؤولية مواقف أفراد أو جماعات محددة يعمق الانقسام ويزيد الاحتقان، ولا يخدم إلا الجهات الساعية إلى توسيع الشرخ بين السوريين.
الإعلام والمعلومات الدقيقة.
خط الدفاع الأول عن السلم الأهلييرى الصحفيون والباحثون الذين تحدثنا معهم أن مواجهة الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية لا تقتصر على نفي الشائعات، بل تتطلب إعلاماً مسؤولاً، ومعلومات دقيقة تصل بسرعة إلى الجمهور، إلى جانب محاسبة المحرضين، لأن الفراغ المعلوماتي يفسح المجال للروايات المضللة لتتحول إلى حقائق في نظر كثيرين.
ويقول باسل المحمد إن الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية يهيئان المجتمع نفسياً لتقبل العنف، إذ يؤدي التكرار المستمر لخطاب التخويف والتحريض إلى خلق حالة من الاستنفار، تجعل أي حادثة محدودة قابلة للتحول إلى فتنة أوسع، حتى لو لم تتطور الأحداث على الأرض.
وتؤكد جلنار العلي أن غياب المعلومات الدقيقة والسريعة يوفر بيئة مثالية لانتشار الأخبار المضللة، مشددة على أن الحد من خطاب الكراهية يتطلب محاسبة المحرضين، واعتماد وسائل الإعلام خطاباً حساساً للنزاعات، والابتعاد عن التعميم، واختيار الكلمات والعناوين والضيوف بعناية، بما يحول دون تحميل جماعة كاملة مسؤولية تصرفات أفراد.
ويضيف سعيد اليوسف أن الخطر لا يكمن في المنشورات المضللة وحدها، بل في قدرتها على تحويل الشعور بالتهديد إلى ردود فعل جماعية قد يصعب احتواؤها لاحقاً، ما يجعل التعامل المسؤول مع المعلومات خلال الأزمات ضرورة لحماية السلم الأهلي ومنع انتقال الانقسام من الفضاء الرقمي إلى الواقع.
وعن صناعة الأخبار الكاذبة في بيئة قابلة للتوتر، يقول صانع المحتوى مظهر جحجاح أن تأثير الأخبار الكاذبة يبدأ في العقول قبل أن يظهر في الشارع، إذ يعيد تشكيل صورة" الآخر" بوصفه تهديداً أو عدواً، ويهيئ المجتمع لتقبل العنف، موضحاً أن تكرار الروايات المضللة يسهم في ترسيخها، بينما لا تصل التصحيحات في كثير من الأحيان إلى الجمهور نفسه الذي تلقى المعلومات الخاطئة.
كيف تنتشر الأخبار الكاذبة؟ وكيف يمكن الحد منها؟تظهر حادثة جرمانا أن انتشار الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية لا يرتبطان فقط بصحة المعلومات، بل أيضاً بطريقة عمل منصات التواصل الاجتماعي، التي تدفع المحتوى الأكثر إثارة إلى الانتشار بسرعة.
يشدد صانع المحتوى مظهر جحجاح على أن الحد من انتشار خطاب الكراهية يبدأ بوقف الاتهام عند حدود الفاعل، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، وتجنب إعادة تداول المحتوى التحريضي حتى بقصد فضحه.
كما يحمل وسائل الإعلام مسؤولية خاصة في تجنب التعميم، والتمييز بين الخبر المؤكد والادعاء، واعتماد صحافة حساسة للنزاعات.
من جانبه، يقدم المتخصص في الأمن الرقمي وتحليل منصات التواصل الاجتماعي، مؤتمن ميرا، مجموعة من التوصيات للحد من التضليل وحماية السلم الأهلي، منها:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك