يبدو ملف إيران، داخل الإدارة الأمريكية الحالية، كأنه ساحة تُدار بصوتين متوازيين؛ أحدهما يفضّل التفاوض والحفاظ على مخرج دبلوماسي، وآخر يرى الضربات والقوة العسكرية أداة ضغط يومية كفيلة بإنهاء الأمر.
وهذا التباين لا يقتصر على اختلاف في اللغة، لكنه ينعكس أيضًا على الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى حدود القوة، وحدود التفاهم، وحدود الوقت المتاح قبل أن يعود التصعيد إلى الواجهة.
جي دي فانس نائب الرئيس قدّم نفسه، في أكثر من محطة خلال الأشهر الأخيرة، باعتباره صاحب المفاوضات الصعبة لا رجل القطيعة النهائية؛ فتارة يقول إن واشنطن تريد حلًا دبلوماسيًا مع إيران" أو خيارًا آخر"، ثم يعود ليؤكد أن انعدام الثقة بين الجانبين لا يمكن حسمه بين ليلة وضحاها، قبل أن يعود ليوضح أن الولايات المتحدة لن تعود إلى الحرب مع إيران ما لم تقتضِ الضرورة ذلك، مع إصراره على أن الرئيس دونالد ترامب يطلب من فريقه الوصول إلى اتفاق إذا كان ممكنًا.
كما أن فانس، في مواقف أخرى، تحدث عن" فتح صفحة جديدة" مع طهران، وعن انتقال المفاوضات إلى مرحلة فنية.
وهو خطاب يعكس محاولة لإبقاء باب التسوية مفتوحًا حتى عندما تكون الأرض السياسية شديدة الاضطراب.
في الجهة المقابلة، تحافظ تصريحات ترامب على نبرة أكثر خشونة، والتهديد باستئناف الحرب، ملوّحًا بضربات جديدة، ثم أعلن في 8 يوليو الجاري أن مذكرة التفاهم مع إيران" انتهت" وأنه لا يريد التعامل مع طهران.
وتكشف قراءة مواقفه المتباينة بين الوعد باتفاق قريب والوعيد بنيران وشيكة، أن ترامب يتعامل مع إيران بوصفها ساحة اختبار متحركة يرفع فيها مستوى الضغط كلما شعر أن طهران تماطل أو تحاول توسيع هامش المناورة.
ولهذا، فإن بحثه في توسيع العمليات العسكرية، من الضربات الجوية إلى خيارات أكثر جرأة قرب مضيق هرمز، كما كشفت صحيفة" وول ستريت جورنال" أمس، يبدو امتدادًا طبيعيًا لمنطق الردع الذي يفضله على التسوية البطيئة، خصوصًا حين يرى أن أدوات التفاوض وحدها لا تكفي لفرض الإيقاع الذي يريده.
وهنا، يتضح الفارق بين الرجلين، وهو ليس بين منطق" تفاوض وسياسة" تهديد وحرب"، بل بين تصورين لكيفية الوصول إلى النتيجة نفسها: فانس يراهن على ضغط مدروس يفضي إلى اتفاق، وترامب يميل إلى استخدام الصدمة العسكرية لفرض شروط أكثر قسوة.
اقرأ أيضًا: " تاكو" ترامب.
كلمة السر في انسحاب" الرئيس المغامر" من فخ إيرانكيف تُقرأ السياسة الأمريكية تجاه إيران؟المراكز البحثية الأمريكية تلتقط هذا التوتر بوصفه مؤشرًا على اختبار حدود القوة، وليس فقط على نزوة سياسية عابرة.
ووفق قراءة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية؛ فإن الحرب مع إيران لم تعد تُدار بمنطق الضبط الهادئ، بل بمنطق التصعيد الأفقي والرأسي، ما يوضح أن العمل العسكري وحده لا يكفي، وأن تثبيت أي اتفاق يتطلب دبلوماسية فعالة وبنية إقليمية أوسع قادرة على امتصاص الصدمة ومنع جولة جديدة من الانفجار.
ولهذا، فإن ترامب يريد الخروج من حرب إيران، كما تقول التحليلات الغربية، لكن الخروج السهل غير متاح، لأن أي تصعيد إضافي قد يعيد واشنطن إلى مواجهة واسعة لا تملك لها مخرجًا واضحًا.
وقد نقلت صحيفة بوليتيكو الأمريكية، في 11 يوليو الجاري، أن فريق فانس مقتنع بأنه يدير الملف" بالطريقة الصحيحة"، وهو ما يوحي بأن البيت الأبيض يحاول تسويق فانس كوجه عقلاني قادر على امتصاص الانتقادات من دون القطيعة مع نهج ترامب الأصلي.
داخليًا، يقدّم هذا التباين فائدة سياسية لكل طرف داخل القاعدة الجمهورية؛ ففانس يخاطب الجناح الذي يخشى التورط الطويل في الشرق الأوسط، ويحتاج إلى رواية تقول إن القوة ليست غاية بحد ذاتها، وإن التفاوض ما يزال ممكنًا إذا حُددت أهدافه بدقة.
أما ترامب فيخاطب القاعدة التي ترى أن الحزم هو اللغة الوحيدة المفهومة مع طهران، وأن أي مرونة زائدة قد تُقرأ ضعفًا، ولذلك يستمر في استخدام التهديد العسكري حتى وهو يترك الباب مواربًا أمام التسوية.
هذا المشهد يمنح الإدارة مرونة تكتيكية، لكنه يخلق أيضًا خطر الرسائل المتضاربة، خصوصًا حين يسمع الداخل الأمريكي أن نائب الرئيس يتحدث عن التفاوض، بينما يصر الرئيس على أن الاتفاق انتهى أو أن الضربات قد تعود.
أما خارجيًا، فينعكس هذا التباين على حلفاء واشنطن وخصومها معًا، لأن كل طرف يقرأ الولايات المتحدة من نافذتين: نافذة دبلوماسية تمثلها تصريحات فانس، ونافذة ردعية يمثلها ترامب.
وفي سياق مثل هذا تظهر أهمية الوسطاء مثل قطر وباكستان، وكذلك تقاطعات التغطية الإيرانية؛ إذ أن المفاوضات حول مضيق هرمز والبرنامج النووي والعقوبات لا تجري في فراغ، وإنما داخل بيئة شديدة الحساسية لأي إشارة أمريكية متناقضة.
في تقرير نُشر يوم 12 يوليو الجاري، لفت المعهد الأمريكي لدراسة الحرب إلى أن طهران ما تزال ترفض أي تسوية تنتقص من قدرتها على التحكم في هرمز، وهو ما يعني أن أي تفاوض جديد سيبقى هشًا ما دام ملف الممر البحري والعقوبات والردع العسكري مفتوحًا معًا.
اقرأ أيضًا: القنبلة القذرة والكأس المفقودة.
لماذا يحذر الخبراء من توغل بري في إيران؟الأرجح أن الخلاف بين ترامب وفانس ليس شرخًا مكتملًا بقدر ما هو توزيع أدوار داخل إدارة تحاول الجمع بين الضغط والتسوية في وقت واحد.
لكن هذا التوزيع نفسه قد ينقلب إلى مصدر ضعف إذا قرأت إيران، أو الحلفاء، أو الكونجرس، أن واشنطن لا تملك خطًا واحدًا ثابتًا، لأن التفاوض حينها سيبدو مجرد تمديد للأزمة لا حلًا لها.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس من يملك النبرة الأعلى، بل من يملك القدرة على تحويل النبرة إلى سياسة قابلة للبقاء من دون أن تنفجر عند أول اختبار ميداني جديد.
إدارة ترامب للملف الإيراني تكشف أن البيت الأبيض يمشي على حبل رفيع بين الردع والتفاوض، وأن فانس يمثّل الوجه الذي يحاول إبقاء باب الصفقة مفتوحًا بينما يواصل الرئيس الإمساك بالعصا العسكرية.
ومع أن هذا الأسلوب قد يمنح واشنطن هامش مناورة سريعًا، فإنه يترك أثرًا طويلًا على المصداقية، وعلى حسابات إيران، وعلى مزاج الحلفاء، وعلى صورة الولايات المتحدة نفسها بوصفها قوة تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك