العربي الجديد - ترامب سيحضر نهائي كأس العالم 2026.. هل تتجهّز له الجماهير؟ وكالة الأناضول - كيف أبدت اقتصادات الخليج صلابة رغم حرب إيران؟ إيلاف - مقتل 11 شخصاً وإصابة 19 في حريق بدار للأيتام في الجزائر وكالة الأناضول - حكومة نتنياهو تخصص 334 مليون دولار لإنشاء طرق استيطانية بالضفة العربية نت - سرقة العقول الاصطناعية.. تفاصيل حرب خفية لاختطاف ذكاء النماذج الكبرى BBC عربي - ليونيل ميسي: "لهذا السبب هو الملك" قناة الشرق للأخبار - حرب التصريحات تشتعل بين أميركا وإيران.. من يفرض شروطه بعد بدء الحصار؟ وكالة الأناضول - فلسطين تدرج 12 موقعا تراثيا بقائمة اليونسكو التمهيدية الجزيرة نت - هل حسم ميسي الجدل حول لقب الأفضل عبر العصور؟ رويترز العربية - مقتل 11 وإصابة 19 في حريق بدار للأيتام في الجزائر
عامة

من يطلب احترام الدولة عليه أن يسأل أولًا، لماذا فقد المواطن شعوره بها؟

العربية نت
العربية نت منذ 45 دقيقة

دائما ما يقول السياسي والمسؤول العراقي في الخطابات الرسمية والجلسات الخاصة إن نموذج الدولة الجديدة في العراق، من فيدرالية وديمقراطية، مختلف عن دول المنطقة التي تسودها أنظمة ملكية، وخاصة النموذج الخليج...

دائما ما يقول السياسي والمسؤول العراقي في الخطابات الرسمية والجلسات الخاصة إن نموذج الدولة الجديدة في العراق، من فيدرالية وديمقراطية، مختلف عن دول المنطقة التي تسودها أنظمة ملكية، وخاصة النموذج الخليجي.

إذن هو اعترف صراحة بوجود الديمقراطية في العراق، وبالتالي، وبناء على هذا الخطاب، فإن العراق الجديد ديمقراطيا يشبه إلى حد كبير الديمقراطيات الأوروبية.

منذ أن عشت في أوروبا، وأتنقل بين فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، بدأت ألاحظ شيئا لم أكن أراه بالطريقة نفسها في العراق.

اكتشفت أن احترام الدولة لا يبدأ من الخوف منها، ولا من تكرار العبارات الرسمية عن هيبتها، وإنما من تفاصيل صغيرة جدا يعيشها الإنسان كل يوم.

وفي الجامعة، وفي المستشفى، وفي الشارع، وفي الدائرة الحكومية، يشعر المواطن أن هناك علاقة غير مكتوبة بينه وبين المؤسسات تقول له، أنت جزء من هذه الدولة، وهذه الدولة موجودة من أجلك.

ربما لهذا السبب، عندما يقول مواطن عراقي إن" الدولة غير محترمة"، فإن السؤال الأول الذي يأتي إلى الأذهان هو، لماذا قال هذه العبارة؟ ما الذي جعله يشعر بهذه الطريقة؟ أين تقع المشكلة بالضبط؟ هل هي في الكلمة نفسها؟ أم في التجربة التي أنتجت هذه الكلمة؟ لأن الكلمات لا تولد دائما من الفراغ.

أحيانا تكون اللغة الغاضبة نتيجة سنوات طويلة من التجارب التي لم تجد طريقا آخر للتعبير عن نفسها.

مع ذلك، للتوضيح، فإن الدولة لا تعني صورة معلقة على الجدران، ولا تمثل شعارا يوضع في المكاتب الرسمية، وهي أيضا لا تعني أنها مجموعة مؤسسات تحمل أسماء كبيرة.

إن الدولة، في معناها الحقيقي، هي علاقة يومية بين الإنسان والقانون، وبين المواطن والعدالة، وبين الفرد وشعوره بأن كرامته محفوظة.

وفي المجتمعات التي يشعر فيها الإنسان أن القانون يحميه، وأن صوته مسموع، وأن المسؤول يخضع للمحاسبة، لا يحتاج أحد إلى أن يطلب منه احترام الدولة، فإن الاحترام يصبح نتيجة طبيعية لتجربة يعيشها الإنسان، وليس أمرا يفرض عليه.

ولهذا فإن مشكلة الدولة لا تبدأ عندما يغضب المواطن، وإنما تبدأ عندما تصل الأمور إلى مرحلة يصبح فيها الغضب هو اللغة الوحيدة التي يشعر المواطن أنها تسمعه.

ربما تكمن إحدى مشكلاتنا الأساسية في أننا خلطنا طويلًا بين الدولة والسلطة.

فالدولة لا تعني الشخص الذي يجلس في المنصب، ولا تنحصر في الحكومة التي تتغير، ولا تمثل المسؤول الذي يحمل صلاحيات مؤقتة.

الدولة فكرة أكبر من الأشخاص، وهي المؤسسة التي يجب أن تبقى عندما يرحل المسؤولون.

ولهذا فإن نقد مسؤول أو حكومة لا يعني بالضرورة معاداة الدولة.

تارة يكون نقد السلطة دفاعا عن الدولة نفسها، لأن المواطن عندما يطالب بالإصلاح لا يهاجم فكرة الدولة، وفي الحقيقة يطالب بأن تعود الدولة إلى معناها الحقيقي، أي بمعنى قانون يحمي الجميع، ومؤسسات تعمل لصالح المجتمع، ومسؤول يعرف أن منصبه مسؤولية وليس امتيازا.

كما أن هيبة الدولة لا تأتي من قدرتها على إسكات الأصوات الغاضبة، وإنما تأتي من قدرتها على بناء الثقة.

وإن الدولة التي يخاف منها المواطن قد تحصل على الصمت، لكنها لا تحصل دائما على الاحترام.

أما الدولة التي يشعر المواطن بأنها تحميه وتصون كرامته وتطبق القانون بعدل، فإن احترامها يؤول في النهاية إلى شعور طبيعي.

بالطبع، لا يمكن بناء مجتمع صحي على خطاب الكراهية أو الشتائم أو التحريض.

الكلمات الجارحة لا تعد قيمة بحد ذاتها، والمجتمع يحتاج إلى لغة مسؤولة.

ولكن هناك تساؤلًا آخر لا يقل أهمية، هل نطلب دائما من المواطن أن يراجع كلماته، بينما لا تطلب السلطة من نفسها أن تراجع أفعالها؟وفي الدول التي نضجت فيها فكرة المسؤولية العامة، لا يعد الاعتذار السياسي علامة ضعف.

المسؤول الذي يخرج أمام الناس ويقول، أخطأنا أو قصرنا، لا يفقد هيبته وعلى العكس يثبت أن المنصب العام مرتبط بالمسؤولية الأخلاقية.

وهناك فهم بأن السلطة لا تعني أبدا امتيازا، وهي في الحقيقة مسؤولية تاريخية يحملها الإنسان أمام المجتمع.

أما في العراق، فإن المواطن عاش سنوات طويلة مع أسئلة صعبة تتبادر إلى أذهانه، أين العدالة؟ أين حماية الحقوق؟ أين محاسبة الفاسدين؟ أين المواطنة الحقيقية؟ أين المسؤول الذي يقف أمام المواطن عندما يحدث الفشل؟ أين محاسبة الفاسدين الذين يعترفون علنا بجرائمهم؟هذه الأسئلة لم تصنعها وسائل التواصل الاجتماعي أو الذكاء الاصطناعي، ولم تولد من رغبة في الإساءة إلى الدولة.

هي أسئلة خرجت من تجارب يومية عاشها العراقيون، من فقدان الخدمات، ومن الخوف، ومن ضعف المؤسسات، ومن شعور كثيرين بأن القانون لا يقف على المسافة نفسها من الجميع.

والمواطن الذي لا يجد ماء صالحا للشرب، أو مستشفى يحفظ كرامته، أو مدرسة تمنح أبناءه مستقبلًا، أو وظيفة تمنحه شعورا بالأمان، أو شارعا يمشي فيه محترما، أو حدائق محترمة داخل الأحياء، لا ينظر إلى الدولة باعتبارها فكرة مجردة.

وان الدولة بالنسبة له لا تعني مادة دستورية.

الدولة بالنسبة له هي الطبيب عندما يمرض، والشرطة عندما يحتاج إلى الحماية، والجامعة عندما يبحث عن المعرفة، والدائرة الحكومية عندما يريد إنجاز معاملة، وسوق العمل عندما يبحث عن فرصة، والأمان عندما يتعرض إلى الابتزاز أو الدكة العشائرية، والنقل العام عندما يجد نفسه يوميا في سيارات الكيات الخاصة غير المحترمة للنقل، وعندما يتعرض إلى الاعتداء من قبل جاره العشائري أو الميليشياوي، يجد الحماية من الدولة، وعندما يكون الشرطي غير فاسد ولا معتد، وغيرها.

ولهذا فإن سؤال احترام الدولة لا يمكن فصله عن سؤال آخر مرتبط به، هل احترمت الدولة مواطنيها؟ هل احترمت دماء الذين خرجوا يطالبون بحقوقهم؟ هل احترمت عائلات فقدت أبناءها؟ هل احترمت العامل الذي يعمل في ظروف صعبة دون عقد عمل محترم؟ هل احترمت المواطن البسيط عندما وقف أمام مؤسسة حكومية يبحث عن حق من حقوقه؟ هل احترمت المرأة المسنة التي تضطر إلى البحث عن قوتها في ظروف صعبة؟ هل احترمت الطفل الذي يبحث عن تسلية في العطلة الصيفية؟ هل احترمت المتقاعدين الذين يقفون في طوابير عندما تتأخر رواتبهم؟ وهل… وهل…؟المشكلة لا تتمثل في وجود مواطن غاضب، الامر الذي يتوجب علينا أن ننظر إلى المشكلة في ارتباطها بوجود مسافة طويلة بين الدولة كمفهوم جميل وسيادي تروج له الفاشينيستات والبلوغرز في ترندات ممولة من قبل العديد من رجال السلطة المتورطة في الفاسدة، وبين الدولة كما يعيشها الناس في حياتهم اليومية من معاناة يومية كافرة، حسب تعبير العراقيين.

وبالتالي، هناك فرق كبير بين إهانة الدولة وبين نقد أداء الدولة.

إهانة الدولة هي تحويل المجتمع إلى خطاب كراهية ضد الوطن ومؤسساته.

أما النقد فهو جزء من حياة الدول الطبيعية، لأن الدولة التي لا تسمح بالنقد تتحول مع الوقت إلى مؤسسة تخاف من المجتمع بدل أن تخدمه.

وفي الأنظمة الديمقراطية، المسؤول لا يعني شخصية مقدسة.

هو موظف عام يستمد شرعيته من خدمة الناس.

ولا توجد سلطة فوق السؤال، ولا يوجد منصب يمنح صاحبه حصانة أخلاقية أمام أخطائه.

لكن ما يحدث في كثير من الاحيان في العراق هو أن الاعتذار يسير في اتجاه واحد فقط.

المواطن مطالب بأن يعتذر عن كلماته، بينما لا نرى دائما مسؤولين يعتذرون عن القرارات التي أضرت بالمواطن، أو عن الفساد الذي استنزف الدولة، أو عن التجاوزات والإخفاقات التي تركت آثارا عميقة في المجتمع.

وهنا يطرح سؤال آخر للنقاش، من يعتذر لمن؟ هل الاعتذار دائما واجب على المواطن تجاه الدولة؟ أم أن هناك لحظات يجب أن تعتذر فيها الدولة لمواطنيها؟والدولة القوية لا تكون الدولة التي تمنع الناس من الغضب، وإنما الدولة التي تقلل أسباب الغضب.

فهي لا تستحق معنى الدولة لأنها تخاف من الكلمات، وإنما الدولة هي التي تعمل حتى لا تصبح الكلمات الغاضبة انعكاسًا دائما لواقع مؤلم.

لقد عرف العراق في تاريخه الحديث مرحلة كانت السلطة فيها تعتبر كل صوت معارض تهديدا للدولة.

لكن التجربة أثبتت أن إسكات الأصوات لا يصنع احتراما حقيقيا، إذ يصنع صمتا مؤقتا يخفي الأزمات تحت السطح.

وإن الصوت الناقد لا يمثل دائما عدوا للدولة.

في الحقيقة يكون هذا الصوت دليلًا على أن هناك مواطنين ما زالوا يريدون دولة أفضل، ويرفضون أن تتحول الدولة إلى شعار منفصل عن الواقع.

ولهذا فإن المواطن الذي ينتقد الدولة لا يعني ذلك بالضرورة مواطنا يرفضها.

في الحقيقة يكون الصوت الناقد هو التعبير الأكثر وضوحا عن الرغبة في وجود دولة أفضل.

فالخطر الحقيقي لا يتمثل في المواطن الذي يسأل، وإنما في المواطن الذي فقد الرغبة في السؤال.

لأن المجتمعات لا تنهار فقط عندما ترتفع الأصوات الغاضبة، وإنما تنهار عندما يصل المواطنون إلى مرحلة لا يعودون فيها يؤمنون بإمكانية التغيير.

وإن الدولة المحترمة لا تحتاج إلى مواطنين يكررون كلمات الاحترام كل صباح.

الدولة تحتاج إلى مواطنين يشعرون بأن الاحترام موجود في حياتهم.

والاحترام الحقيقي لا يأتي من الخوف من العقوبة، ولا من البيانات الرسمية، ولا من مراقبة الكلمات.

الاحترام يأتي عندما يشعر الإنسان أن كرامته محفوظة، وأن القانون يحميه، وأن المسؤول يمكن أن يسأل، وأن صوته لا يضيع.

فالمواطن لا يريد دولة تطلب منه أن يحبها بالكلمات.

المواطن يريد دولة تجعله يشعر بها في تفاصيل حياته.

ولهذا، قبل أن نسأل المواطن لماذا قال إن الدولة غير محترمة، ربما علينا أن نسأل سؤالًا الى جانبه، ماذا فعلت الدولة حتى يشعر المواطن بأنها تستحق الاحترام؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك