Euronews عــربي - فيديو. احتجاجات في كييف بعد إقالة زيلينسكي وزير الدفاع فيدوروف DW عربية - أبوة سياسي ألماني بارز تثير الجدل حول "الأم البديلة" فرانس 24 - رئيس الوزراء الفرنسي في المغرب لترسيخ صفحة جديدة في العلاقات الثنائية قناه الحدث - عقوبات بريطانية تستهدف ذهب السودان.. وتدعو لحظر الأسلحة بـ"الأبيض" روسيا اليوم - بسبب "حماسه المفرط"!.. تحديث لـChatGPT يحذف ملفات المستخدمين دون إذن سكاي نيوز عربية - تركيا تحذر من امتداد "حرب أوكرانيا" إلى البحر الأسود سكاي نيوز عربية - بين الأرز والمعكرونة.. أيهما يربح معركة الأمعاء؟ وكالة الأناضول - ليفانتي الإسباني يضم الدولي الجزائري عيسى ماندي حتى 2028 العربي الجديد - بيلنغهام ينفي شجاره مع ميسي: من الشرف اللعب ضده القدس العربي - تل أبيب.. الكشف عن محاولة داخل “الليكود” للإطاحة بنتنياهو بعد 7 أكتوبر
عامة

خليل الشيخ يقارب تشكلات قصيدة محمود درويش وتحولاتها

Independent عربية
Independent عربية منذ 48 دقيقة

لئن شاع استخدام مصطلح" السرديات" خارج حدود الرواية وفن السرد عموما، ولا سيما في التاريخ السياسي والجيو- سياسي، فإن خليل الشيخ في كتابه" سردية محمود درويش الشعرية" (منشورات الجامعة الأميريكة – بيروت، س...

لئن شاع استخدام مصطلح" السرديات" خارج حدود الرواية وفن السرد عموما، ولا سيما في التاريخ السياسي والجيو- سياسي، فإن خليل الشيخ في كتابه" سردية محمود درويش الشعرية" (منشورات الجامعة الأميريكة – بيروت، سلسلة الشيخ زايد 2026)، يدرجه في سياق درس الشعرية الدرويشية، متناولاً كيفية نشوئها وتناميها المتصاعد، وما تحمل من بنى وانساق ورؤى وعلاقات تشمل سيرة الشاعر ومسيرته ومساره، في حقل مرآوي تتماهى فيه الذات الشخصية مع الذات الجماعية أو التاريخية.

وفي وسط هذا البحث النقدي المفتوح (510 صفحات)، يلتقي السرد والتأريخ والتحليل والنقد المقارن والنقد البنيوي، في حال من التبادل والتراسل، بغية الوصول، إلى مقاربة تفي المشروع حقه.

وقد وظف الشيخ هذه المناهج النقدية ساعياً إلى ترسيخ حصيلة نقدية يمكن وصفها بـ" الاستخلاصية" (سينتيتيك)، وعبرها تتبدى صورة محمود درويش الشاعر والإنسان، على ضوء علاقته بذاكرته الشخصية والجماعية، وبالمكان والزمان، وبالإقامة والمنفى، وبكل الرموز والعناصر التي تحيط بالشعرية الدرويشية.

كُتب كثير في حقل الدراسات الدرويشية، حتى بات ما كتب من دراسات ومقالات غير قابل للإحصاء السهل، ويمكن القول إن هذا الحقل أضحى في فترة من الفترات مشاعاً، لأهداف غير نقدية أو شعرية صرف.

فالكتابة عن محمود درويش غدت نوعاً من" معمودية النار" كما يقال أو الاختبار الفلسطيني الذي لا بد منه، ترسيخاً للانتماء وتجذيراً للهوية وإسهاماً في دخول حلبة القضية والتزامها.

خليل الشيخ بذل على ما يبدو جهداً كبيراً في مشروعه الدرويشي هذا، وشاءه أن يكون شاملاً، في المعنيين السيري والشعري، على أن تكون السيرة مرآة الشعر وأن يكون الشعر مرآة السيرة، وكأنهما حقل واحد تتحد فيه كافة المعطيات التي تفترضها السيرة ويفترضها النقد بمنهجياته المتعددة والمنصهرة بعضاً ببعض.

ومن يقرأ كتاب الشيخ يخرج بانطباع مفاده أن كل محمود درويش هنا، الشاعر والشخص، أناه الفردية وأناه الجماعية، الشعر والقصائد، اللغة والتجربة.

بل إن الكتاب يتيح للقارئ أن يرافق محمود درويش الشخص والشاعر، لحظة بلحظة، مرحلة بمرحلة، قصيدة بقصيدة، عمقاً وشكلاً وأسلوباً وتعبيراً.

وفي هذا السعي الدؤوب عمد الشيخ إلى إلقاء أضواء جديدة على زوايا من مسار درويش، كاد ينساها النقد، عطفاً على إعادة قراءته قضايا وأموراً كانت تحتاج فعلاً إلى مزيد من المقاربة النقدية.

في دراسته السردية الدرويشية التي ترسم المنحى الدرويشي الشعري (itineraire) ينطلق خليل الشيخ من بدايات محمود درويش، وتحديداً من الديوان الأول" عصافير بلا أجنحة" الصادر عام 1960 والذي حاول محمود تناسيه وحذفه من مساره وأعماله، وهو كان فعلاً بمثابة البذرة الأولى التي انبثقت منها شعريته، وصولاً إلى الديوان الأخير" لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي" الذي صدر بعد عام على وفاته.

والغاية هي الإحاطة الشاملة، بهذه السردية التي بدأت، كما يقول الشيخ، " من أفق بسيط وانتهت إلى أفق شديد التركيب، يبني رموزه ولغته وجمالياته، ويطور مجازاته ودلالاته، ويوسع آفاق التلقي الخاص به".

أما تجاهل درويش وبعض النقاد، الديوان الأول، فكان أشبه بتبرؤ مما يسمى" براءة" البدايات أو ضعفها ونقصانها، على غرار ما فعل شعراء كثر.

بل إن درويش نفسه كان يرفض قراءة قصائد أولى له، في الأمسيات الشعرية بدءاً من التسعينيات، ساعياً إلى التخلص من النبرة والحماسة الثوريتين اللتين طبعتا هذه القصائد، مثلما طبعتا قصائد فلسطينية عدة.

وهذا الموقف شمل حتى قصيدة" سجل أنا عربي" الجماهيرية، التي كان لا يزال يطلبها الجمهور الغفير، وكان يتردد محمود في إلقائها.

ولعل هذه القضية ملحة فعلاً، وتتطلب مقاربة منفردة، فهي تمثل موقفاً يصب في عمق الشعرية الدرويشية التي بلغت في مراحلها اللاحقة مراتب عالية في التجربة والتعبير.

ويقول الشيخ في هذا الصدد إن درويش دأب على الشكوى من بداياته الشعرية، ولم يكن يحب التأمل فيها، ثم خلص إلى أن عليه أن ينظر إلى تاريخ قصيدته، كما يتأمل أي ظاهرة تنمو، وأن عليه أن يسعى إلى بلوغ مرحلة النضج.

لكن الشيخ لم يغض النظر تماماً عن ديوان" عصافير بلا أجنحة"، فيقول إنه وجد فيه" ملامح من حياة شاب ريفي، تفتحت عيناه على واقع شعبه وما يعانيه".

وهذا ما جعل درويش يختار عنواناً وجدانياً يعكس الشعور بالضعف، ويمثل حال أهل فلسطين 1948 المعزولين والمنقطعين عن العالم العربي الذي كاد ينساهم، فصاروا" عصافير بلا أجنحة".

لكن درويش ما لبث أن طور هذا العنوان عام 1969 فصار" العصافير تموت في الجليل".

يرصد الشيخ مجموع الإبداع الدرويشي الذي يبلغ 22 ديواناً شعرياً، و11 عملاً يصب في النثر المتعدد الأساليب والآفاق.

وتراوح نثره بين النصوص الشعرية الجذور والوجدانية المنابت، والمقالات الأدبية والسياسية ذات الغايات البينة.

ولا ينسى الشيخ قصيدته المجهولة" خطب الديكتاتور الموزونة" التي رفض درويش ضمها إلى أعماله الشعرية الكاملة، مبرراً موقفه في كونها قصيدة" خطب موزونة".

وفي بيانه الكرونولوجي يرصد الشيخ تواريخ صدور الدواوين، فيتبين وجود أربعة دواوين تنتمي إلى حقبة الستينيات هي: " أوراق الزيتون"، " عاشق من فلسطين"، " آخر الليل"، " العصافير تموت في الجليل".

وخمسة تنتمي إلى عقد السبعينيات، التي تمثل مرحلة انتقالية مهمة في مسار الشاعر، وهي: " حبيبتي تنهض من نومها"، " أحبك أو لا أحبك"، " محاولة رقم 7"، " تلك صورتها وهذا انتحار العاشق"، " أعراس".

وأربعة تنتمي إلى عقد الثمانينيات، هي: " مديح الظل العالي"، " حصار لمدائح البحر"، " ي أغنية، هي أغنية"، " ورد أقل".

وأربعة صدرت في عقد التسعينيات هي: " أرى ما أريد"، " أحد عشر كوكباً"، " لماذا تركت الحصان وحيداً"، " سرير الغريبة".

وخمسة صدرت في بداية الألفية الثالثة هي: " جدارية"، " حالة حصار"، " لا تعتذر عما فعلت"، " كزهر اللوز أو أبعد"، " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي".

وهذا الإدراج الكرونولوجي يعني أن درويش كان يصدر ديواناً كل عامين.

يتوقف الشيخ عند محطات رئيسة في سيرة درويش ومسيرته، فهو كان في السابعة من عمره عندما وقعت النكبة، وتم تهويد الأرض المحتلة، وأقيمت عليها دولة عبرية، هجّرت الفلسطينيين أبناء البلاد الأصليين، وحاصرت الفلسطينيين الذين رفضوا المغادرة.

نشأ درويش في مثل هذا الجو من الاقتلاع والتحدي.

وسعى مع رفاقه المبدعين إلى أن يصمدوا، محافظين على اللغة العربية ومقاومين محاولات تهويد الوطن، وتغيير لغته وتركيبته الديموغرافية وهويته.

ويلحظ الشيخ أن درويش يكتب عن لحظات الرحيل الأليم (الأول) من فلسطين إلى لبنان، في" يوميات الحزن العادي" و" حيرة العائد"، وفي ديوانه" لماذا تركت الحصان وحيداً"، فيسأل أمه: " هل تتذكرين طريق هجرتنا إلى لبنان؟ "، ويسأل أباه: " لماذا تركت الحصان وحيداً؟ ".

لكن درويش عاد مع أسرته متسللاً إلى مسقط رأسه في" البروة"، كما يضيف الشيخ، فوجدها أطلالاً، فأقام مع أسرته لاجئاً في قرية أخرى.

كتب درويش عن معالم المدينة المندثرة مرتقياً بها شعرياً إلى مرتبة أسطورية، على غرار ما فعل بدر شاكر السياب إزاء مدينة جيكور ونهر بويب.

ولم يتوان درويش عن استعادة" مطر السياب" في كتابه" حضرة الغياب".

يرصد الشيخ مظاهر التحول التي شرعت تطرأ في حيفا على قصيدة درويش، لكن البنية واللغة لم تتغيرا كثيراً، بل تطور المحتوى، تحت تأثير الماركسية التي تعرف اليها حينذاك.

وبدا هذا التأثر في قصيدته الشهيرة" بطاقة هوية" (1963) التي توفق بين البُعدين النضالي والطبقي، والقلق من فقدان الهوية العربية.

ويرى الشيخ أن ديوان" عاشق من فلسطين" (1966) يمثل وعي درويش بفلسطين ونكبتها وحاضرها، ويجسد سعيه إلى بناء رمزية خاصة بها.

في تلك الفترة، دأب درويش على كتابة الشعر بروحٍ غنائية، " تعي طبيعة المتلقي العربي في الداخل الفلسطيني".

علماً أن قرّاءه بالعربية كانوا محدودي العدد، فالصحف والمجلات والمطابع والحركة الثقافية العربية كانت تراجعت جراء النكبة، ولم تصمد سوى بعض الصحف والمجلات الناطقة باسم الأحزاب.

راح درويش يتبنى ما يشبه السردية الأولى التي تجاهر برفض الاحتلال، مستعيدة بل ومستثمرة، الرموز والتاريخ والواقع الفلسطيني، ولم يبتعد درويش عن مدرسة الشعر العربي الملتزم الشعري، ساعياً إلى ترسيخ أدواته وتقنياته الشعرية واللغوية.

ثم كان لا بد من أن يمضي في تطوير رؤيته إلى فلسطين ومأساتها، وتعميقها، وتحريرها من السياسة والأيديولوجيا وردود الفعل المباشرة، وإكسابها أفقاً إنسانياً عاماً.

يبدي الشيخ في سياق كلامه عن قصيدة" عاشق من فلسطين" ملاحظات مهمة جداً، فهو يرى أن هذه القصيدة ترسّخ مسألتين مهمتين على مستوى المعنى.

إنها تضع أولاً حجر الأساس لشخصية" المغني"، وهو الاسم الذي تسمى به درويش، ثم ترسم ثانياً، المعالم الرئيسة لصورة المحبوبة التي ستفارق الغنائية والأبعاد الرومانسية إلى مستويات أسطورية، منفتحة على تاريخ بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ووادي النيل.

ويستنتج الشيخ أنها تؤدي إلى معنى مفاده أن فلسطين قد تُغزى، لكنها لا تُحتل، فهي جزء من نسيج حضاري متماسك موغل في التاريخ.

فدرويش يقول في" حجر كنعاني في البحر الميت": " والْبَحْرُ، هذا الْبَحْرُ، في مُتناوَل الأيْدي سَأمْشي فَوْقَهُ/ وأَسُك فَضتَهُ، وأَطْحَنُ مِلْحَهُ بِيَدَي، هَذا الْبَحْرُ لا/ يَحْتَلهُ أَحَدٌ.

/ أتى كِسْرىَ وَفرْعَوْنُ وقَيْصَرُ والنجاشي والأخَرُونَ، لِيَكْتُبُوا أَسْماءَهم، / بيدي، على ألواحِهِ/ فَكَتَبْتُ: لاِسْمي الأرْضُ، واُسْمُ الأرضِ آلِهةٌ تُشاركُني مَقَامِي".

ويرى الناقد أن ديوان" آخر الليل" الصادر عام 1967 شهد بداية تحول في لغة القصيدة الدرويشية التي اقتربت من الغموض وأوغلت قليلاً فيه، ومالت إلى التوتر.

وقد كتب درويش في" الخروج من ساحل المتوسط" عام 1973" إن الوضوح جريمة"، وقد شرع في إعادة تشكيل الذات والعالم وتوظيف اللغة بعيداً مما هو متداول.

وفي رأيه أن هذا الأمر يتضح بجلاء في" تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" الصادر عام 1975.

غير أن الغموض الذي كان الشاعر بودلير امتدحه وكتب عنه وجعله شرطاً شعرياً، يحتاج لدى محمود درويش إلى مقاربة خاصة به، فهو سمة من سمات شعريته التي نحت منحى تصاعدياً، جمالياً ولغوياً وعمقاً، لا سيما في دواوين المرحلة الأخيرة.

وفي سياق السيرة يروي الشيخ كيف أن اشتراك درويش في" مهرجان الشباب العالمي" عام 1968، في صوفيا (بلغاريا)، وتنقله بين مطارات العالم، ولقاءه بعض الوفود العربية، جعلته يعي إشكال الهوية أو الجنسية التي عبرت قصيدته" جواز السفر" عن طبيعتها.

وكان إميل توما (1919- 1985)، أحد أبرز قياديي الحزب الشيوعي في فلسطين المحتلة، قد نصح إليه بضرورة السفر واكتشاف عواصم العالم ومدنه.

ويرى الشيخ أن سردية الخروج في سيرة درويش ومسيرته الشعرية، بدأت انطلاقاً من سفر الشاعر إلى موسكو عام 1970 بغية الالتحاق، كطالب، بمعهد العلوم الاجتماعية.

لكن" سِفر" خروجه، بدأ كفعل حقيقي بعد وصوله إلى القاهرة في التاسع من فبراير (شباط) عام 1971.

فالإقامة في القاهرة، أسهمت في إحداث تغيير كبير في حياته وشعره وفي توسيع دائرة القراء والاحتكاك بجمهور جديد.

وفي سردية الخروج، بدا البحر والنهر حاضرين في شعر درويش، مهما تعددت مواضيع القصائد.

ومثلما اهتم درويش بالبحر المتوسط ومجازاته، واصفاً نفسه بأنه" ابن الساحل السوري"، شُغِل أيضاً بمجاز النهر الذي يعبّر عن التحول المستمر أو الصيرورة في معناها الهيراقليطي.

لكن درويش، ابن الساحل السوري، الذي لا يعرف الصحراء العربية، كما يقول الشيخ، كان على صلة وثيقة بها، وبقيت مصدراً لإلهامه، كما في قصيدته" قال المسافر للمسافر لن أعود": " وَفِي الصحْرَاءِ قَالَ الغَيْبُ لِي: / أُكْتُبْ.

/ فَقُلْتُ: عَلَى السرَابِ كِتَابَة أُخْرَى.

/ فَقَالَ: أكْتُبْ لِيَخْضَر السرَابُ".

ينتقل الشيخ إلى حقل مفهومي (سيمانتيك) مهم، يتمثل في سردية" الماضي في الحاضر"، فيتوقف عند حضور الشعرية العربية في نصوص درويش، وجدله معها.

وهنا يمكن الكلام عن تقنية التناص ومفهوم القناع اللذين عمل الشيخ عليهما إضمارياً.

فهو يرى أن تشكلات درويش وتطور منظوره الشعري انطلقت من توظيفه امرأَ القيس وجميل بثينة ومجنون ليلى وأبا الطيب المتنبي وأبا فراس الحمداني، وكذلك المعلقات والشعر الطللي والرمزية الأندلسية.

واللافت أن امرأ القيس هو الأكثر حضوراً لكونه يجمع بين الشعري والسياسي، عطفاً على ما تحمل شخصيته من أبعاد وصدامات، من ملهاة ومأساة، ونرجس وفضة.

وقد استعاد درويش في ديوان" أحد عشر كوكباً"، قضية خروج العرب من الأندلس، بوصفه خروجاً مأسوياً، يماثل خروج الفلسطينيين من أرضهم.

وقد زاوج درويش بين لحظتين متشابهتين في الماضي والحاضر قائلاً" إن هذا السلام سيجعلنا حفنة من غبار"، ثم عدل الجملة لتصبح: " إن هذا الرحيل سيجعلنا حفنة من غبار"، فالرحيل بحسب الشاعر، هو صنو الموت والفناء.

تسعى الكتابة بوصفها لحظة حاسمة لدى محمود درويش، إلى بناء الوعي بالماضي والوعي بالحاضر وبالمستقبل.

وهنا تبرز السردية ذات الصلة بفلسطين، سردية الحضارة والتاريخ واللغة الخاصة بأهلها.

ويقول الشيخ إن القصيدة أعلت من دور الكتابة و" جعلتها شرطاً لوراثة أرض الكلام وامتلاك المعنى".

فدرويش قال اكثر من مرة" أن الأرض تورث كاللغة".

وهكذا يقول العربي في" قافية من أجل المعلقات": " أنا لغتي أنا"، ويراها" معجزة توازي تلك التي قدمتها الحضارات الأخرى".

هنا يتطرق الناقد إلى جدل درويش مع الأسطوري، وتوظيفه الأسطورة في شعره بما تنطوي عليه الأسطورة من أبعاد ورموز.

وهذا الجدل يكشف طبيعة الدائرة الحضارية التي تتحرك فيها قصائده، و" وحدة التجربة الإنسانية في الحب والموت والبحث عن الخلود".

ويتوقف عند حضور الأندلس بوصفها قضية بذاتها ومن طريق المماثلة.

ففي كلام درويش عن غرناطة يبدو كأنه يتحدث عن فلسطين: " َلَها أَن تكونَ كَما تَبتغي أن تكون: / الحَنينَ إلى/ أي شَيءٍ مَضى أو سَيَمضي".

يتناول الشيخ ما يسميه" سرود الشخصيات" في شعر درويش، وقد أثمر غيابُهم، حضورَهم في القصائد.

لكن هذه السرود تفارق الأنماط والنماذج التي عرفها شعر درويش، إلى عالم الشخصيات الحية.

ويرى أن درويش بدأ في سرد الشخصيات في" أعراس" الصادر عام 1977، وانتهى في" لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي".

وقد توقف عند شخصيات عشر في دواوينه، وهم: إبراهيم مرزوق، راشد حسين، عز الدين القلق، وائل زعيتر، أمل دنقل، يانسيس ريتسوس، إميل حبيبي، نزار قباني، سليم بركات، إدوارد سعيد.

ويعمد درويش في تقديمه الشخصيات إلى الكشف عن" روحها ومفتاحها وأبرز إشكالاتها".

إنها قصائد ذات بنية مركبة، تقوم على" انتقالات زمنية ومكانية"، ويتجرد وصفها من العاطفة أحياناً، وينفتح على" الومضات الغنائية الجارحة والحركة الطليقة والحوار الحي والجمع بين البراءة والتجربة، والماء والنار".

وتتفرد هذه القصائد في بناء ذاكرة شعرية فردية وجمعية.

فـ" الحكايات الصغرى الخاصة بكل شخصية تصب في الحكاية الكبرى"، لتحتضن ذات الشاعر هذه" الذوات لبناء حكاية تتصل بالسردية الجماعية".

أما سردية الذات وسردية الآخر، فيتناولهما الناقد بكونهما تمثلان" تطور وعي الشاعر بذاته"، وهو كما يضيف: " مفهوم مركزي في حياته".

وهنا يبرز تصوير الشاعر للحظة ميلاده، وتطور تمثّلات الأب والأم، وقد انتقلت من البساطة إلى التركيب، ومن الغنائية إلى استدعاء الأسطورة كما يعبر.

فدرويش اختصر ذاته وأمه وأباه في ثلاثة مجازات: قلبه مثقوب بالعنقاء، وقلب أمه مثقوب بالطاووس، وقلب أبيه مثقوب بالصبار.

في سياق سردية الآخر، تتوقف الدراسة عند شخصية ريتا بحقيقتها ورمزيتها، فهي أطلت أولاً في ديوان" آخر الليل" وأخيراً في" أحد عشر كوكباً".

ويقول الشيخ واصفاً ريتا التي شغلت قراء درويش: " بدت ريتا بسيطة ومركبة، أرضية وصوفية، واقعية ومتعالية، متسامحة ومتعصبة ممكنة ومستحيلة".

ثم ينتقل إلى سردية الرحيل، كما تبدت في القصيدة شبه الملحمية" جدارية" وفي" لاعب النرد"، فيقرأ هاجس الموت، انطلاقاً من موت الشهداء وموت الأصدقاء.

ويوضح كيف بدأ شعر درويش يتبلور بموته، ويأخذ أبعاداً متنوعة منذ أن تمرد قلبه عليه، كما جاء في" أنا العاشق السيء الحظ".

ويتناول" جدارية" من خلال اشتباكها مع الموت الذي يتشكل في النص عبر امتزاج لحظتين، كما يقول.

في الأولى تشتبك الجدارية مع فكرة الموت، وتقيم عبر هذا الاشتباك عالماً يتكئ على ميثولوجيا بلاد ما بين النهرين، ووادي النيل وبلاد الشام، وما تحفل به هذه الميثولوجيا من دلالات وإشارات مستمدة من نصوص دينية، تأتي في إطار الصراع مع فكرة الموت.

فهنا" تشكل الحياة ورموز الخصب في المفهوم الحضاري الشامل، نقيضاً لهذه الفكرة ومقابلاً لها.

أما في اللحظة الثانية، فتبرز مجموعة من المشاهد، " ترسم الصورة الكلية لهذا الاشتباك"، مستخدمة أساليب درامية، مثل الحوار الخارجي، والحوار الداخلي والسرد والتكرار الذي يطور المواقف الفكرية والنفسية، ويصورها من زوايا مختلفة.

أما قصيدة" لاعب النرد" فكتبها درويش قبل إجراء جراحة القلب في مستشفى هيوستن الأميركي، إزاء هاجس الموت، فجاءت القصيدة ضرباً من نعي للذات، يتصدرها شعور بأن أوان الرحيل حان.

فدرويش كان يرى أن نجاته من الموت، على امتداد حياته، كان محض مصادفة لا أكثر.

فمظاهر الموت في سيرته كما يراها في" لاعب النرد"، هي أقوى وأكثر من عناصر الحياة ومقوماتها.

يتحدث الشيخ عن الرغبة التي ساورت درويش منتصف ثمانينيات القرن الماضي، في كتابة سيرة البيوت التي عاش فيها، وقد تطرق اليها في الرسائل التي تبادلها مع سميح القاسم، معرباً، عن حقه في العودة إلى بيته في فلسطين المحتلة عندما يريد، فلا أحد يستطيع أن يمنع طفلاً من الرجوع إلى البيت عندما ينتهي اللعب.

لكن درويش لم يكتب هذه السيرة، وظل البيت متجذراً في قصيدته.

لكنه بحسب الشيخ، ظل يربط بين الشخصيات التي تحدّث عنها والبيت، كما فعل مع أبيه وأمه خصوصاً.

فالبيت كائن حي يموت إذا غاب أهله.

فيعهد إلى من له بيت أن يفكر بمن لا بيت له: " وأنت تعود لبيتك فكر بغيرك".

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)من هنا برزت ثنائية" البيت والطريق" التي تفرد بها درويش فأطلق مقولته الفريدة" إن الطريق إلى البيت، أجمل من البيت" التي استوحاها كثيرون منه.

وكتب تحت عنوان" ثنائية البيت والطريق" أن المسافة" تحول الحجر في المنفى إلى طائر"، وهو ما قاله في" جدارية" متحدثاً عن المسافة التي" تصنع من حديد تافه قمراً".

وعبر عن العودة الجماعية المتخيلة التي تعاني الإشكال ذاته، واختلطت هذه اللحظة بما يشبهها في الأساطير والثقافات والأديان، لا سيما في" مأساة النرجس ملهاة الفضة" التي تشكل العودة ركيزة أساسية فيها.

ولابد من أن يقود موضوع البيوت الناقد الشيخ إلى التركيز على المدن في شعر درويش.

فهو أقام في مدن عدة: حيفا وموسكو والقاهرة وبيروت وباريس ورام الله وعمّان، لعل أطولها كانت إقامته في بيروت وباريس.

ويرى الشيخ أن درويش عرف في هذه المدن تحولات مفصلية كان لها أثر عميق في قصيدته وسيرته.

ويسرد كيف كان درويش منذ وصوله إلى القاهرة يطل من شرفة غرفته، ليتأكد من أنه يرى النيل وأنه يعيش في مدينة عربية.

وكان لا بد من أن يأسره منظر نهر النيل ويحضر في قصائده.

وقد منحه النيل هوية وجودية، فقال: " أنا ابن النيل وهذا الاسم يكفيني".

أما إقامته الطويلة نسبياً في بيروت، فجعلته ينفتح على البحر المتوسط الذي تنكسر أمواجه على شواطئها.

وكان أن افتتح درويش قصيدته بيروت بوصفها" تفاحة للبحر".

وظلت بيروت ترتبط بالبحر، وكان الخروج منها عام 1982، يشبه ملحمة إغريقية.

أما باريس فيرى درويش أن ولادته الشعرية الحقيقية حدثت فيها، ففيها كتب" ورد أقل" و" هي أغنية" و" أحد عشر كوكباً" و" أرى ما أريد" و" لماذا تركت الحصان وحيداً" وجزءاً من" سرير الغريبة" و" كتاب ذاكرة للنسيان".

تصعب فعلا الإحاطة بهذه الدراسة المتفردة التي منحها الشيخ جهداً كبيراً، لا سيما وأنها تتوسع في المعطيات التي تعتمدها وتسوق شواهد كثيرة بغية ترسيخ المقاربة والتحليل.

وقد ابتعدت من القراءة السياسية لشعر درويش التي وقع كُثر فيها، ومن التأويل السياسي للقصائد.

ويبدو واضحاً أن خليل الشيخ لم يسع إلى بناء هالة أسطورية حول درويش، أو نزعها عنه، ف" أسطرة المبدعين هي من صناعة الوعي الجمعي"، كما يعبر.

ويصيب الشيخ عندما يقول، واصفاً صنيعه النقدي بالتنامي، ليرسي تصوره عن شعر درويش، ضمن نقطتي البداية والنهاية، على غرار القصيدة الدرويشية التي تتولد من قصيدة أخرى.

وما يجب أن نشير إليه ختاماً، هو الأسلوب واللغة اللذين تجليا في كتاب الشيخ النقدي، واللذين لم تحل الصرامة النقدية والمتانة المنهجية، دون بروز طلاوتهما وجماليتهما، مما أضفى على الكتاب متعة وسلاسة في القراءة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك