اتهمت محكمة الاحتلال، أول أمس الثلاثاء، خبيرة الصحة العامة الدكتورة جميلة يعقوب أبو دحو (66 عاما)، التي تحمل الجنسيتين الأسترالية والفلسطينية، بالعمل في" لجان العمل الصحي"، التي حظرتها الحكومة الإسرائيلية قبل نحو خمس سنوات، فيما أجلت المحاكمة حتى يوم الأحد المقبل.
جميلة التي بدت متماسكة في بث الفيديو من محكمة" عوفر"، لا تزال ترفض منذ اعتقالها في 2 يوليو/ تموز الجاري أخذ أي أدوية من إدارة السجن، وهي تعاني من آثار حادث سير صعب حصل قبل 20 سنة في أستراليا، ويستدعي أن تتناول دواء يومياً.
واكتفت خلال المحاكمة بتأكيد أنها" بخير"، وأنها تريد أن تطمئن على عائلتها وقطها" عتريس".
وتواظب جميلة، رغم عمرها وضعف جسدها، على حضور جلسات المحكمة في معسكر" عوفر" الإسرائيلي المشيّد على أراضي غربي محافظة رام الله والبيرة، وهي معتقلة في سجن" المسكوبية"، وخضعت لتحقيق قاسٍ حول علاقتها بلجان العمل الصحي في رام الله، حيث تخشى عائلتها على صحتها، خصوصاً أنها يجب أن تأخذ أدويتها يومياً.
وقالت شقيقتها ابتسام لـ" العربي الجديد": " بدت جميلة عبر الفيديو متماسكة لكن متعبة، لأن تجربة السجن صعبة على الشباب فكيف الحال بالنسبة إلى سيدة في الـ66 من العمر مريضة، ولم تختبر تجربة السجن سابقاً".
تحمل جميلة ثلاث درجات علمية من ثلاث دول تعتبر الأكثر تطوراً في العالم، فبعدما أغلق الاحتلال جامعة" بيرزيت" في نهاية سبعينيات القرن الماضي، علّمت الرياضيات بضعة أشهر في إحدى مدارس رام الله.
وعندما طال إغلاق الاحتلال للجامعة قدمت منحة لدرجة البكالوريوس في الولايات المتحدة، وحصلت على مقعد في جامعة ميشيغن لدراسة الرياضيات الحديثة، ونشطت هناك في اتحاد الطلاب، ثم عادت لرام الله بعد أربع سنوات وعملت فترة قليلة قبل أن تسافر لإنجاز الماجستير في الصحة العامة من جامعة لندن.
وفي مطلع عام 2000 درست الدكتوراه في تخصص الصحة العامة في جامعة ملبورن بأستراليا، وحين بدأت في كتابة رسالتها تعرضت لحادث سير مروع تطلّب أشهراً طويلة من إعادة التأهيل الجسدي.
وبعدها كتبت رسالة الدكتوراه وروايتين، ولا تزال تتلقى العلاج لمحاولة تخطي آثار حادث السير الذي تعاني منه حتى اليوم.
عام 2014 عادت جميلة إلى رام الله، وعملت في أبحاث واستشارات الصحة العامة، وكان جزء كبير من عملها تطوعاً في مؤسسات فلسطينية.
ورغم أنها عملت مستشارة وباحثة في منظمة الصحة العالمية في دول عدة مثل أفغانستان وسورية ولبنان والعراق ودول في آسيا، وقدمت استشارات وألفت" أدلة للتوعية والتدريب" طوال السنوات العشرين الماضية، لكنها" أبقت نفسها بعيدة عن أجواء التنظير والمشاريع، لذا يصعب إيجاد صورة في وسائل التواصل الاجتماعي أو اجتماعات مؤسسات المجتمع المدني".
وقالت شقيقتها ابتسام: " تُعرف جميلة بأنها ذكية جداً وقارئة نهمة للكتب، وتنفذ أبحاثاً واستشارات على مستوى دولي، وتتقن التطريز الفلسطيني.
إنها إنسانة عملية وجدّية وتفعل ما تحب".
وتعتبر عائلة أبو دحو من عائلات رام الله الأصلية، وتوفي الأب باكراً في بداية عقده الخامس، واضطرت جميلة التي كانت معروفة بنبوغها وذكائها إلى خوض امتحانات الثانوية العامة بعد ذلك بأسبوع في وضع نفسي صعب، وحصلت على معدل 83% في الفرع العلمي، أما والدتها ماري فكانت تخوض معركة أخرى لإعالة الأبناء الستة الذين تركهم الأب يعقوب مع إدارة معصرة زيتون ومطحنة قمح كانت الأولى حينها في رام الله.
واضطرت الأم إلى تحويل هوايتها في التطريز الفلسطيني إلى حرفة لكسب العيش للإنفاق على العائلة الكبيرة وتعليم جميع البنات والأولاد، وكان من الشائع قول نساء رام الله: " لم تطرز أي عروس أو ست أحلى أثوابها إلا عند ماري أم سمعان الدحو"، وكانت بناتها يساعدنها في التطريز، وبعد عقود طويلة وشهادات في كبرى جامعات العالم بقيت الإبرة وخيوط الحرير ترافقهن لتكون هواية وهوية وطريقة للتفريغ النفسي من ضغوط الحياة وتقليداً متوارثاً من الأم ماري للبنات والحفيدات معاً.
على دوار منطقة سريّة رام الله وضعت بلدية رام الله حجرين من معصرة أبو دحو، أول معصرة زيتون في رام الله، والتي عملت على محرك ديزل اشتراه الجد سمعان من ميناء حيفا بعدما وصل المحرك إلى الميناء بطلب من شركة الكهرباء التي تراجعت عن شرائه فسارع الجد إلى دفع ثمنه من أجل تطوير معصرة الزيتون ومطحنة القمح الأولى في رام الله بمطلع القرن الماضي، وهي المطحنة نفسها التي تحوّلت إلى فرن للخبز البلدي في البلدة القديمة لرام الله.
وتقول ابتسام: " نحن بنات رام الله التحتا (القديمة) بنات مدارس الحكومة القسطل سابقاً وعزيز شاهين ورام الله الثانوية.
لم نتعلم في مدارس خاصة، ولم نولد في فمنا ملعقة من ذهب، رغم أننا في عُرف أهل البلد (ملاكين) لكن كان يجب أن نتعب لنحصل على أي شيء، ونتعلم عبر المنافسة على منح في أفضل جامعات العالم".
وعندما اقتحم جنود الاحتلال منزل جميلة وشقيقتها ابتسام في رام الله التحتا، فتّشوه للبحث عن أوراق وأموال، لكنهم لم يجدوا سوى قطع تطريز تعتبر تحفاً فنية في كل مكان على الجدران والأثاث.
وبعد تخريب طويل للمنزل خرجوا فارغي الأيادي رغم التفتيش الوحشي للبحث عن تمويل لصالح لجان محظورة للعمل الصحي.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك