قُبيل فجر 16 يوليو/ تموز 1945، كان علماء وضباط أميركيون يترقبون وسط صحراء نيو مكسيكو نتيجة مشروع استنزف سنوات من البحث وموارد صناعية وعسكرية هائلة.
عند نحو الساعة 5: 30 صباحًا، أنهى وميض شديد لحظات الانتظار، معلنًا نجاح" ترينيتي"، أول اختبار لسلاح نووي في التاريخ.
وبحسب وزارة الطاقة الأميركية، بلغت القوة التفجيرية للاختبار نحو 21 كيلوطنًا، بعدما فجّر العلماء جهازًا يعتمد على البلوتونيوم فوق برج في ميدان ألاموغوردو، على بعد أكثر من 300 كيلومتر جنوب لوس ألاموس.
لم تمر سوى 21 يومًا حتى انتقلت القنبلة من موقع الاختبار إلى ساحة الحرب.
ففي 6 أغسطس/ آب من ذلك العام، أسقطت الولايات المتحدة قنبلة" الولد الصغير" على هيروشيما اليابانية، في أول استخدام لسلاح ذري في حرب، ثم ضربت قنبلة ثانية ناغازاكي بعد ثلاثة أيام.
وبين صحراء نيو مكسيكو والمدينتين اليابانيتين، دخل العالم عصرًا أصبحت فيه الأسلحة النووية جزءًا من معادلات الحرب والسياسة الدولية.
بدأت القصة قبل الحرب العالمية الثانية، حين اكتشف علماء في ألمانيا الانشطار النووي أواخر 1938، وأدرك الفيزيائي المجري ليو زيلارد أن التفاعل النووي المتسلسل قد يفتح الباب أمام صنع سلاح بالغ القوة، وفق خدمة المتنزهات الوطنية الأميركية.
وفي أغسطس 1939، كتب زيلارد رسالة وقعها ألبرت أينشتاين ووجهت إلى الرئيس فرانكلين روزفلت، محذرة من إمكان تطوير قنبلة شديدة القوة ومن احتمال أن تعمل ألمانيا النازية على برنامج للأسلحة الذرية.
تطور الاهتمام الأميركي تدريجيًا إلى برنامج ضخم عرف باسم" مشروع مانهاتن"، وتركزت أبرز منشآته في ثلاثة مواقع سرية رئيسية هي" أوك ريدج" في تينيسي، و" هانفورد" في واشنطن، و" لوس ألاموس" في نيو مكسيكو، بحسب خدمة المتنزهات الوطنية.
أنتجت منشآت" أوك ريدج" اليورانيوم المخصب الذي استخدم لاحقًا في قنبلة هيروشيما، بينما ارتبط" هانفورد" بإنتاج البلوتونيوم، وتولى مختبر" لوس ألاموس" تطوير وتصميم الأسلحة.
كان العلماء يعملون على مسارين مختلفين: قنبلة تعتمد على اليورانيوم 235 بتصميم يعرف باسم" المدفع"، وأخرى تستخدم البلوتونيوم وتتطلب آلية أكثر تعقيدًا تقوم على ضغط القلب النووي بواسطة متفجرات تقليدية موزعة حوله بدقة شديدة.
وبسبب تعقيد تصميم البلوتونيوم، كان لا بد من التأكد من قدرته على العمل، وهنا جاءت تجربة" ترينيتي".
اختير موقع" جورنادا ديل مويرتو" في ميدان ألاموغوردو لتنفيذ الاختبار، وثُبت الجهاز، الذي أطلق عليه اسم" الأداة"، فوق برج يبلغ ارتفاعه 100 قدم، أي نحو 30 مترًا.
ويشير السجل التاريخي لمشروع مانهاتن إلى أن القائمين على الاختبار كانوا يدركون خطر انتشار المواد المشعة، وأن الجيش كان مستعدًا لإجلاء السكان في المناطق المحيطة إذا اقتضت الظروف ذلك.
وأثبت التفجير أن تصميم الانفجار الداخلي باستخدام البلوتونيوم يعمل بالفعل، لكنه لم يكن اختبارًا مباشرًا للقنبلة التي ستضرب هيروشيما.
فقد اعتمد جهاز" ترينيتي" على البلوتونيوم، وهو المبدأ المستخدم لاحقًا في قنبلة" الرجل البدين" التي ألقيت على ناغازاكي.
وفي الجهة الأخرى، اعتمدت قنبلة" الولد الصغير" في هيروشيما على اليورانيوم.
حين نجحت" ترينيتي"، كان الدافع الأول الذي ساهم في إطلاق السباق الأميركي نحو القنبلة قد زال؛ إذ استسلمت ألمانيا في 8 مايو/ أيار 1945.
لكن الحرب ضد اليابان كانت لا تزال مستمرة، بينما كانت واشنطن تبحث كيفية إنهائها.
وتكشف وثائق السجل التاريخي لمشروع مانهاتن أن المناقشات بشأن استخدام السلاح الجديد سبقت اختبار" ترينيتي".
ففي مايو 1945، شُكلت" اللجنة المؤقتة" لتقديم توصيات بشأن استخدام القنبلة ومستقبل السياسة النووية الأميركية، وأوصت لاحقًا باستخدامها ضد اليابان في أقرب فرصة ومن دون تحذير خاص يكشف طبيعتها.
لكن هذا التوجه لم يحظ بإجماع داخل الأوساط العلمية.
فقد قدم علماء في مختبر المعادن بجامعة شيكاغو، بقيادة جيمس فرانك، تقريرًا حذر من أن الاستخدام المفاجئ للسلاح ضد اليابان قد يقوض فرص التوصل إلى رقابة دولية على الأسلحة النووية ويفتح الباب أمام سباق تسلح.
وبحسب السجل التاريخي لمشروع مانهاتن، ناقش العلماء إمكان إجراء عرض للقنبلة أمام ممثلين دوليين بدل استخدامها مباشرة ضد مدينة، لكن اللجنة العلمية التي درست المسألة خلصت إلى أنها لا ترى عرضًا تقنيًا يمكن أن ينهي الحرب بفعالية الاستخدام العسكري المباشر.
وهكذا، لم يبدأ التفكير في استخدام القنبلة مع نجاح" ترينيتي".
وتظهر وثائق الأرشيف الوطني الأميركي أن الاستعدادات العسكرية كانت جارية بالفعل، وأن الرئيس هاري ترومان كان قد قرر بحلول 25 يوليو/ تموز استخدام السلاح إذا لم تستسلم اليابان عقب الإنذار الذي وجهه الحلفاء في اليوم التالي.
في 26 يوليو، أصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا والصين" إعلان بوتسدام"، مطالبة اليابان بالاستسلام ومحذرة من" دمار سريع وكامل"، من دون الكشف صراحة عن وجود القنبلة الذرية.
وبعد 11 يومًا، حملت القاذفة الأميركية" إينولا غاي" قنبلة اليورانيوم" الولد الصغير" إلى هيروشيما، حيث انفجرت صباح 6 أغسطس.
أحدثت القنبلة دمارًا واسعًا بفعل الانفجار والحرارة والحرائق والإشعاع.
كما لا يزال العدد الدقيق للضحايا غير معروف.
لكن مدينة هيروشيما تقدر أن نحو 140 ألف شخص توفوا بحلول نهاية ديسمبر/ كانون الأول 1945، بعدما قضى بعضهم لحظة الانفجار وتوفي آخرون لاحقًا متأثرين بالإصابات والحروق والآثار الحادة للإشعاع.
وبعد ثلاثة أيام، ألقت الولايات المتحدة قنبلة البلوتونيوم" الرجل البدين" على ناغازاكي.
ويشير الأرشيف الوطني الأميركي إلى أن القصف جاء بعد عدم استجابة اليابان لشروط" إعلان بوتسدام"، قبل أن تقبل طوكيو الاستسلام في أغسطس.
فإلى جانب قصف هيروشيما وناغازاكي، دخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان في أغسطس، بعد سنوات من الحرب والحصار وتدمير مدن يابانية بالقصف التقليدي.
ولهذا، ظل المؤرخون يناقشون الوزن الذي حمله كل عامل في قرار الاستسلام، ومدى ضرورة استخدام القنبلتين، والبدائل التي كانت متاحة أمام صناع القرار الأميركيين.
وهي أسئلة لا تقدم لها الوثائق التاريخية إجابة واحدة تحظى بإجماع كامل.
لكن الأيام الـ21 بين" ترينيتي" وهيروشيما رسمت خطًا فاصلًا في التاريخ.
ففي صحراء نيو مكسيكو، أثبت الاختبار أن السلاح النووي أصبح حقيقة قابلة للاستخدام، وفي هيروشيما ظهرت للمرة الأولى آثاره فوق مدينة مأهولة.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد القنبلة مشروعًا سريًا أميركيًا، بل أصبحت عاملًا سيعيد تشكيل النظام الدولي ويغذي سباق التسلح خلال الحرب الباردة ويضع العالم أمام معادلة لا تزال قائمة حتى اليوم:


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك