في معاناة تتكرر يومياً، تبدأ آلاف الأسر العراقية في محافظات البصرة وميسان والمثنى وبابل وديالى، إلى جانب مناطق أخرى من البلاد، يومها بانتظار السيارات الحوضية التي تحمل المياه الصالحة للاستخدام، في مشهد يعكس أزمة المياه وعجز البنية التحتية عن تأمين إمدادات مستقرة وآمنة للسكان.
وتعتمد أحياء وقرى عديدة في البلاد على السيارات الحوضية بوصفها المصدر الرئيس للمياه، سواء تلك التي توفرها الحكومات المحلية مجانا أو بأسعار مدعومة، أو الحوضيات الأهلية التي يضطر المواطنون إلى استئجارها على نفقتهم الخاصة لتعويض النقص المستمر في الإمدادات الحكومية.
وبحسب شهادات سكان في مناطق متفرقة من البصرة وميسان، فإن وصول سيارات المياه لا يتم وفق جدول منتظم، بل يخضع لظروف التشغيل وتوفر الآليات، ما يضع العائلات أمام أزمة يومية، خصوصاً خلال أشهر الصيف التي ترتفع فيها درجات الحرارة ويزداد الاستهلاك المنزلي للمياه.
ويقول الحاج علي البزوني (63 عاما)، وهو من أهالي حي الزيتون في البصرة، لـ" العربي الجديد"، إن" الكميات التي توفرها السيارات الحوضية لا تكفي احتياجات الأسرة الواحدة، إذ تقتصر غالباً على الاستخدامات الأساسية، بينما يضطر كثيرون إلى شراء كميات إضافية من سيارات أهلية بأسعار تتفاوت بحسب المنطقة وبُعد مصدر المياه، ما يشكل عبئاً مالياً إضافياً على العائلات، ولا سيما ذات الدخل المحدود".
أما الحاجة أم حسن (55 عاما)، من أهالي أطراف محافظة ميسان، فتؤكد أن" مياه الحوضيات لا تلبي احتياجات المنزل، حتى لو وصلت إلينا يوميا"، مبينة لـ" العربي الجديد" أن" الأسر خاصة في فصل الصيف بحاجة إلى مياه لا تنقطع، ولا يمكن الاعتماد على السيارات الحوضية بتوفير المياه"، وتشير إلى أن" المعاناة شديدة مع المياه في الصيف"، مناشدة الحكومات المحلية" أن تجد حلا وأن تنشئ مشاريع تصفية مياه تسد حاجتنا".
وفي مناطق أخرى، لا تكفي السيارات الحوضية التي ترسلها الحكومات المحلية بصورة دورية لتلبية احتياجات السكان، بحسب الأهالي، بسبب اتساع المناطق السكنية وتزايد الطلب على المياه.
ويجبر هذا الواقع كثيرا من الأسر على اللجوء إلى القطاع الخاص، وتحمل تكاليف إضافية لضمان استمرار وصول المياه إلى منازلها.
وتُعزى أزمة مياه الشرب في عدد من المحافظات العراقية إلى جملة من العوامل المتراكمة، من بينها تقادم شبكات الإسالة، وضعف الطاقة الإنتاجية للمشاريع القائمة، وارتفاع نسب الملوحة في بعض المناطق، إضافة إلى النمو السكاني والتوسع العمراني، فضلاً عن تأثيرات التغير المناخي وتراجع الإيرادات المائية القادمة عبر نهري دجلة والفرات.
وشهدت محافظة البصرة خلال السنوات الماضية أزمات حادة في مياه الشرب، كانت أبرزها أزمة عام 2018 التي تسببت بتسجيل آلاف حالات التسمم نتيجة تلوث المياه وارتفاع ملوحتها، وهو ما أعاد ملف البنى التحتية للمياه إلى واجهة النقاش العام، إلا أن أجزاء واسعة من المحافظة ما زالت تعتمد حتى اليوم على المياه المنقولة بالحوضيات.
كما تواجه مناطق في ميسان والمثنى وبابل تحديات مشابهة، خصوصاً في القرى والأرياف والأحياء الطرفية التي لم تصلها مشاريع إسالة حديثة أو تعاني من ضعف الشبكات القائمة، الأمر الذي يجعل الحصول على المياه مرتبطاً بوصول سيارة حوضية أكثر من ارتباطه بفتح صنبور المنزل.
وينتقد ناشطون مدنيون استمرار هذا الواقع، ويقول حيدر المكي، لـ" العربي الجديد"، إن" الحصول على مياه الشرب الآمنة حق أساسي تكفله المواثيق الدولية، وليس خدمة استثنائية أو موسمية"، ويؤكد أن اعتماد المواطنين على السيارات الحوضية لعشرات السنين" يكشف خللاً هيكلياً في إدارة قطاع المياه، ويستدعي مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق الخدمي، بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة التي تتكرر كل صيف"، ويشير إلى أن" الحكومات المحلية، على اختلاف دوراتها، أعلنت مراراً عن تنفيذ مشاريع لإنشاء أو توسعة محطات المياه ومد شبكات جديدة، إلا أن العديد منها تعرض للتأخير أو التلكؤ أو لم يحقق الطاقة التصميمية المطلوبة، ما أبقى آلاف العائلات رهينة الحلول المؤقتة".
ويؤشر اتساع رقعة عمل السيارات الحوضية إلى تحول الحلول المؤقتة إلى بديل دائم عن المشاريع الاستراتيجية، وهو ما يكشف حجم التحديات التي تواجه قطاع المياه في العراق، سواء من ناحية البنى التحتية أو التمويل أو تنفيذ المشاريع المتلكئة.
وبينما تواصل السيارات الحوضية جولاتها اليومية بين الأحياء والقرى، يؤكد استمرار الاعتماد عليها وجود فجوة واضحة بين الخطط الحكومية وواقع الخدمات، وأن أزمة المياه في العراق" لم تعد تقتصر على شح الموارد المائية، بل أصبحت أيضاً اختباراً لقدرة المؤسسات على تحويل المشاريع المعلنة إلى خدمات مستدامة تضمن للمواطن حقه في الوصول إلى مياه آمنة داخل منزله".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك