على مسافة غير بعيدة من الاستحقاقات التشريعية المقبلة، أطمح إلى المساهمة في خلق نقاش اجتماعي وسياسي هادئ داخل الساحة الوطنية، وفتح حوار مسؤول مع مختلف الفاعلين السياسيين، كل من موقعه، وتكون البداية، عن قصد وقناعة، مع الأصدقاء داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خاصة وأن لي في هذا الحزب صديقات وأصدقاء كُثر، من القيادات كما من القواعد، تجمعني بهم علاقات نضالية وإنسانية تمتد أحيانا لأكثر من أربعة عقود.
وأنا ألج اليوم عتبة العقد السادس من عمري، بعد مسارات وتجارب متعددة، حزبية وغير حزبية، ما زلت أؤمن بأن لهذه العلاقات معنى، وبأنها يمكن أن تتحول إلى رصيد رمزي وفكري يُستثمر في خدمة النقاش العمومي.
لقد واصلت، ولا أزال، مسارات أخرى لا تنتمي بالضرورة إلى التنظيم الحزبي، لكنها تؤسس رؤيتها انطلاقا من فكر متنور، متحرر من القيود، ومن قوالب التنظيم الجامدة، ومن إكراهات النسب والانتماء الشكلي.
اليوم، أرغب في توظيف مجمل هذه التجارب والمسارات للمساهمة في فتح نقاش صحي ومسؤول حول مستقبل الاتحاد الاشتراكي؛ هذا الحزب الذي تربّت في أحضانه أجيال متعاقبة، ولا تزال استمراريته حاضرة بتراثه النضالي الغني، وبرموزه التي لم تمت، وبأطره التي علمتنا قواعد اللغة والنحو في الإعدادي، وقيم الوطنية والمواطنة في الثانوي، ودروس الاقتصاد والسوسيولوجيا في الجامعة، كما علمتنا قواعد العمل النقابي والمدني والحقوقي في فضاءات متعددة.
ما يهمّنا اليوم، ليس اجترار الانتقادات ولا تصفية الحسابات مع هذا الزعيم أو ذاك، لأن ذلك لم يعد مجديا، فالهدم سهل أما البناء فصعب وشاق، ما يعنينا هو: كيف يمكن أن نفيد، برأينا وتجربتنا، حتى يظل الاتحاد قوة اقتراحية حقيقية، نافعة لبلدنا ووطننا وشعبنا ولمؤسساتنا؟بلادنا اليوم في حاجة ماسّة إلى أحزاب قوية، وزعامات محترمة، ومؤسسات حزبية ديمقراطية، تنتج برامجها وتصوراتها من صلب هويتها، وتملك القدرة على إقناع أعضائها أولًا، حتى يمتد الأثر إلى عموم المواطنات والمواطنين.
تجربة “قادمون وقادرون”، رغم بساطتها، منحتني دروسا عميقة لم أستطع بعدُ صياغتها وتنزيلها بالكامل، ورغم ما لحقها من سبّ وشتم ونعوت مجانية، كان آخرها ما كتبه أحد الكُتاب المغاربة في كتابه (…)، حيث نُعِتَت بالشعبوية، وبمحاولة استنساخ تجربة بوديموس الإسبانية، وبالفشل بدعوى أنها مدفوعة من أحد الأحزاب.
وهي اتهامات تعكس الوهم والأساطير، وتزرع الحقد باسم الشهرة و”الأستاذية”.
فما كان أجدر بالنقاش، هو أرضية هذه الحركة، حركة “مغرب المستقبل”، باعتبارها مشتلا للأحزاب، وللنقابات، ولجمعيات المجتمع المدني: أدبياتها، وبلاغاتها، وبياناتها العديدة، لا الأشخاص ولا النوايا المفترضة؛ فمثل هذا الأسلوب الشخصاني لا يسيء فقط إلى هذه المبادرات، بل يضر كذلك بالفعل الاجتماعي والسياسي، وبمناضلاته ومناضليه.
ونحن نقترب من تنظيم زيارات ميدانية ولقاءات مباشرة مع عدد من قيادات الأحزاب السياسية في الأيام المقبلة، من أجل حوار صريح وهادئ، فإن غيرتنا الصادقة وانشغالنا العميق بمغرب الحاضر وأسئلة المستقبل، هما ما دفعنا، شخصيا وجماعيا، إلى التفكير في هذه الانطلاقة الجديدة، بمعية بعض الصديقات والأصدقاء.
انطلاقة نؤمن من خلالها بواجب الإسهام، المتواضع لكن الصادق، في دعم المسيرة الديمقراطية لبلادنا، تلك المسيرة التي ضحّى من أجلها المئات، ولا نزال جميعا نعيش على إرثها وتضحياتها.
لم يعد مقبولا اليوم أن نتراجع إلى الخلف، أو أن نكتفي بدور المتفرج من أعلى المنصات، كما لم يعد مسموحا لنا، أخلاقيا وسياسيا، أن نستسهل النقد الفجّ والمسموم، أو أن نغذي الحقد الدفين والضغينة وتصفية الحسابات.
لقد آن الأوان لنتعلم من أبنائنا، أولئك الذين لم يكونوا بالضرورة منخرطين في الأحزاب أو النقابات، لكنهم امتلكوا رؤى متقدمة للواقع، لأنها لم تكن مشبعة بالعداء والكراهية، بل مؤسسة على براغماتية هادئة وقيم إنسانية نبيلة.
إن تجربتنا داخل حركة “مغرب المستقبل”، المنبثقة عن مبادرة “قادمون وقادرون”، والتي جابت أزيد من خمسين منطقة عبر ربوع الوطن، انطلقت، ولا تزال، من قضية مركزية واحدة: قضية التفاوت الاجتماعي، وأقول ذلك بفخر واعتزاز: مناضلاتنا ومناضلونا، وأطر هذه المبادرة، ناضلوا حول هذه التيمة لأكثر من عشر سنوات؛ هذا مسار معروف، ولا يحتاج إلى كثير من الأدلة أو البراهين.
فقضية التفاوت الاجتماعي ليست مجرد عنوان سياسي أو شعار ظرفي، بل هي القضية التي تولّد جل الأمراض المجتمعية؛ إنها بمثابة السرطان الذي يتسلل إلى مختلف أنسجة المجتمع: في التعليم، والصحة، والشغل، والسكن، والثقافة، والكرامة الإنسانية.
من هنا، فإن أي مشروع سياسي جاد لا يمكنه القفز على هذه المعضلة أو تهميشها، ومن هذا المنطلق، نتمنى تصحيح هذا المسار، حتى يكون الحوار مع الاتحاد الاشتراكي مثلا، أو مع غيره، حوار احترام وتقدير، لتاريخه، ولشهدائه، ولأطره، ولقواعده؛ فالاتحاد اليوم، ومعه أحزاب أخرى سنعود إليها لاحقا، أمام فرصة تاريخية حقيقية للنهوض بتجربته، وتجديد أدواره، واستعادة موقعه في قلب المجتمع.
فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بأطره الغنية، وبنخبه الفكرية والسياسية، قادر اليوم – وأقول ذلك عن قناعة – على أن يخلق نقاشا وطنيا موحّدا، تلتقي حوله مختلف شرائح المجتمع، بل إن الاتحاد، وقيادته الحالية، مدعوان إلى رفع شعار واضح ومركزي: مناهضة التفاوت الاجتماعي، ليس كشعار انتخابي عابر، بل كأفق نضالي شامل، حقوقيا، اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا، ثقافيا، وبيئيا كذلك.
من هنا نرى أن الرهان الحقيقي ليس في استعادة الماضي، ولا في جلد الذات، بل في تحويل هذا الإرث النضالي إلى قوة اقتراح جديدة، قادرة على ملامسة هموم الناس، وإعادة الثقة في العمل الحزبي، وإحياء الأمل في السياسة بوصفها أداة للتغيير لا مجالا للصراع العقيم.
في النهاية، لا يمكن مقاربة الاتحاد الاشتراكي فقط باعتباره تنظيما سياسيا يعيش دورات صعود وضعف وتراجع، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية تشكّلت داخل تحولات المجتمع المغربي، وتأثرت بها كما أثّرت فيها؛ من هذا المنظور، فإن الاستمرارية لا تعني الجمود أو إعادة إنتاج الأشكال نفسها، كما أن التجديد لا يعني القطيعة أو نفي الذاكرة، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل الإرث النضالي إلى طاقة مستقبلية، والذاكرة الجماعية إلى مشروع سياسي متجدد.
إن الاتحاد الاشتراكي مدعوّ اليوم إلى إعادة بناء ذاته انطلاقا من أسئلته الكبرى، لا من ردود الفعل الظرفية؛ من هموم المجتمع الحقيقية لا من صراعات النخب؛ من منطق البناء التراكمي لا من منطق التبرير أو جلد الذات، فالتجديد، في عمقه، هو فعل استيعاب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وترجمتها إلى خطاب وبرامج وأشكال تنظيمية قادرة على استعادة الثقة والمعنى.
وإذا كان تاريخ حزب الاتحاد الاشتراكي قد كُتب بتضحيات جسام وبنضالات راسخة، فإن مستقبله لن يُبنى إلا بجرأة فكرية، وبانفتاح ديمقراطي، وبقدرة على جعل مناهضة التفاوت الاجتماعي أفقا جامعا، لا شعارا عابرا.
عندها فقط يمكن للاتحاد الاشتراكي أن يحقق معادلة الاستمرارية والتجديد: حزب وفي لتاريخه، ومُنخرط بصدق في صناعة مستقبل هذا الوطن.
ماذا ننتظر من حزب التقدم والاشتراكية؟في النقاش الهادئ والرصين، نفتح اليوم حوارا جادا ومسؤولا مع حزب التقدم والاشتراكية، إسهاما في النهوض بالنقاش العمومي السياسي والاجتماعي والثقافي، في ضوء التحولات العميقة التي يشهدها المغرب، والعالم عموما، كما نسعى من خلال هذا الحوار إلى مدّ جسور التواصل والتعاون، وتشجيع التعاطي الإيجابي مع الفاعلين السياسيين، انطلاقا من الغيرة الصادقة على الوطن، والوفاء لكل من ضحّى ولا يزال يضحي من أجله.
إننا نراهن على نقاش يُؤسَّس على الاحترام المتبادل، بعيدا عن لغة الحقد والضغينة والتخوين والكراهية، وهي لغة عانينا منها كثيرا، كما عانى ولا يزال يعاني منها عدد كبير من المناضلات والمناضلين الصادقين مع أنفسهم، فمهما كانت نواقصنا أو إكراهاتنا أو أعطابنا، فلا أحد له الحق في ممارسة ساديته على الناس.
لا أحد متزوّج بأحد، ولا أحد يتصدّق على أحد، حتى الزواج الشرعي نفسه تحكمه قوانين وأعراف تنظّم الخلاف وتحفظ الاستمرار، باعتباره أحد أركان الحياة الإنسانية، بغضّ النظر عن اللون أو الدين أو الثقافة.
تعرّفت على حزب التقدم والاشتراكية خلال سنتي الجامعية الأولى، في الساحة الطلابية، سنة 1983، ولا أزال أحتفظ بذكريات جميلة عن مناضلاته ومناضليه، حين كنا ننعته بـ”الحزب الإصلاحي”؛ فعلى قلّتهم، كانوا أكثر انضباطا، يتحلّون بخصال حميدة، ومبادئ نبيلة، وأخلاق عالية، ورغم أنني كنت آنذاك في بداياتي وفي عنفوان الشباب، فقد كنت أكنّ لهم احتراما خاصا، وأقدّر نضجهم، ومستواهم التكويني العالي، خصوصا في مجالي السياسة والاقتصاد.
مضت السنوات، وأنا أودع ما مضى من تجربتي المتواضعة داخل الحركة، ومن وراء القضبان، نسجت علاقة إنسانية وسياسية راقية مع نبيل بنعبد الله، الذي كان آنذاك زعيم شبيبة حزب التقدم والاشتراكية، تبادلنا بعض الرسائل، وفتح لي من خلال جريدة الحزب نافذة للنشر، حيث كنت أُسهم من حين إلى آخر بكتابات ومقالات مترجمة.
هكذا بدأت معرفتي بنبيل بنعبد الله من خلف القضبان، وتعمّقت أكثر لاحقا حين سافرنا جميعا خارج أرض الوطن صحبة الراحل العربي المساري، وزير الاتصال السابق في حكومة عبد الرحمان اليوسفي، إذ كان بنعبد الله مديرا لجريدة “البيان”، وكان ذلك في الفترة التي كنت فيها مديرا لجريدة “الزيتونة” الجهوية، قبل أن تتعزز هذه العلاقة أكثر بعد عودتي من منفاي الاختياري بفرنسا، من خلال دعمه لتجربة “المنتدى الوطني للمدينة” (FNV).
نعم، حزب التقدم والاشتراكية، كما يعلم الجميع، يجرّ وراءه عقودا من التاريخ، منذ أربعينيات القرن الماضي، ولا زال حيا يرزق رغم مروره بمحطات تاريخية طبيعية، شبيهة بتلك التي عرفتها أكبر وأقدم الأحزاب في العالم، ومن هذا التراث والتاريخ تحديدا، ننتظر من الحزب اليوم أن يساهم معنا في هذا النقاش العمومي، إسهامَ إنارةٍ وتنوير، وتوعية وإشعاعٍ سياسي وحقوقي وثقافي، خاصة ونحن على أعتاب محطة تشريعية مقبلة.
وننتظر منه كذلك أن يتّسع صدره لتقبل آراء ومساهمات مواطِنة، لا تشكّك في شرعيته، ولا تهاجم مواقفه، ولا تتدخل في تنظيماته الداخلية، فلديّ شخصيا العديد من الصديقات والأصدقاء داخل الحزب، في مستويات عليا، وفي أجهزته الوطنية، وفي قواعده المناضلة، وكل ما أريده هو أن نُضفي على هذه العلاقات معنى ومغزى، في زمن التافهين، وزمن التفاهة والدوس على الفاعلين الحقيقيين والحاضرين في ساحة النضال.
ومن هذا المنطلق، أتمنى صادقا أن يبادر الحزب إلى تنظيم لقاءات وأبواب مفتوحة للجميع، لتلقّي الانتقادات الهادفة، والآراء الناضجة، والاقتراحات العملية، وللإنصات إلى نبض المواطنات والمواطنين، من أجل استرجاع هيبة العمل السياسي، ومقاومة التيئيس والتبخيس، والتحريض الممنهج على العزوف عن المشاركة.
نريد قوة حزبية ذات مصداقية، مؤهَّلة لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بنجاح، بما يعزّز الصرح الديمقراطي، ويفتح آفاق مغرب المستقبل أمام جيل جديد من المشاريع، والقوانين، والنخب النسائية والشبابية.
وانطلاقا من تجاربنا النضالية المتواضعة، نعتبر أن الوقت قد حان لفتح نقاش وطني جاد حول قضية التفاوت الاجتماعي؛ تلك التيمة التي نناضل من أجلها منذ أزيد من عشر سنوات، داخل حركات وتجارب متعددة، باعتبارها السرطان الذي ينخر جسم الوطن، ويقسمه إلى مغرب الحاشية السفلى، ومغرب الحداثة والتقدم.
وانطلاقا من هذه التجربة المتواضعة، ومن هذا الرصيد الإنساني والسياسي المشترك، أرى أن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من منطق المجاملة الرمزية إلى منطق الفعل العملي، وذلك عبر فتح قنوات مؤسساتية ودورية للحوار مع الفاعلين المدنيين والمثقفين والباحثين، وتنظيم منتديات جهوية مفتوحة للنقاش حول قضايا التفاوت الاجتماعي، والعدالة المجالية، والمدينة وحقوق ساكنيها، كما يظل من الضروري دعم المبادرات المستقلة الجادة، وتشجيع مساهمة الشباب والنساء في بلورة التصورات والبرامج، وإرساء آليات إنصات حقيقية لنبض المجتمع، بما يعيد الثقة في العمل السياسي ويمنحه بعده التشاركي والاقتراحي، بعيدا عن منطق التوظيف الظرفي أو الاستقطاب الانتخابي الضيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك