انطلقت الجمعة أعمال الدورة 62 من مؤتمر ميونيخ للأمن، وسط أجواء يسودها قدر كبير من التوتر وعدم الثقة، مع مشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، وعدد مماثل من وزراء الخارجية، إضافة إلى 40 وزير دفاع.
ويستضيف فندقا" بايريشر هوف" و" روزوود ميونيخ" فعاليات المؤتمر على مدى ثلاثة أيام، بمشاركة مئات الخبراء في قضايا الأمن، وسط اهتمام خاص بالحرب في أوكرانيا والتداعيات الأمنية للتطورات التكنولوجية.
يشارك في المؤتمر قادة أبرز القوى الأوروبية، من بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي يفتتح المؤتمر لأول مرة بصفته مستشارا، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كيز ستارمر.
وقد دعا ميرتس في خطابه أمام" البوندستاغ" الأوروبيين إلى تعلم لغة الواقعية السياسية، مؤكدا أهمية الاستثمار في القدرات الدفاعية الأوروبية وبناء شراكات جديدة مع ديمقراطيات ناشئة، مع الحفاظ على علاقة متبادلة النفع مع الولايات المتحدة، التي تبقى" شريكا وحليفا، لا تابعا".
اقرأ أيضاالولايات المتحدة تتخلى عن قيادتين في الناتو لصالح حلفاء أوروبيين وتستعيد القيادة البحرية.
وفيما يخص الولايات المتحدة، لن يتوجه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى ميونيخ، بعدما حضر الأسبوع الماضي مراسم افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في إيطاليا.
وسيحل وزير الخارجية ماركو روبيو مكانه لإلقاء خطاب يوم السبت يرجح أن يعكس الفلسفة نفسها التي طرحها فانس في عام 2025، مع التركيز على السياسة الخارجية الأمريكية دون التطرق إلى قضايا خارج نطاق اختصاصه وفقا لمراقبين.
كما يشمل الوفد الأمريكي معارضين بارزين لترامب، مثل حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، الذي شارك قبل أسابيع قليلة في منتدى دافوس، وحاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر، وعمدة بوسطن ميشيل، وسيناتور أريزونا روبن غاليغو، ضمن الشخصيات الديمقراطية المشاركة، بما يعكس سعي الحزب الديمقراطي لاستعادة التعاون مع أوروبا بعد مرحلة" ترامب الأولى".
يأتي هذا الحضور الأمريكي المتنوع ليشكل رسالة واضحة حول رغبة الولايات المتحدة في المشاركة الفاعلة في الشؤون الأوروبية دون احتكار القيادة للمفاوضات، خصوصا فيما يتعلق بالحرب الروسية-الأوكرانية، التي من المقرر أن تستضيف أوكرانيا جولة جديدة من المفاوضات الروسية-الأوكرانية يومي 17 و18 فبراير /شباط.
بحسب المحلل السياسي محمود الأفندي، فإن جي دي فانس، " قال بوضوح السنة الماضية إن دول الاتحاد الأوروبي باتت غير ديمقراطية، وحثهم أن يعودوا إليها.
وخلال مؤتمر ميونيخ في تلك السنة وجّه أيضا تنبيها واضحا بضرورة العودة إلى ما يسمى الشراكة الأمريكية حتى يتمكن الطرفان من التعاون.
لكن أوروبا، برأيه، لم تنفذ ذلك، ومع عرقلة السلام الأوكراني الروسي يمكن القول إن مهمته انتهت".
وبخصوص دلالات حضور ماركو روبيو، يقول المتحدث إن" وزير الخارجية أقسى كلاما من جي دي فانس، وهو معروف في الإدارة الأمريكية بأنه من الصقور.
لذلك من المتوقع أن يضع النقاط على الحروف، وأن يعلن أنه سيقيم علاقات ليس مع الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة، بل مع الدول الأوروبية التي تتقاسم مع واشنطن قراراتها ونفوذها الجيوسياسي".
وقبل صعوده إلى الطائرة مساء الخميس، أدلى روبيو ببعض الكلمات المطمئنة، واصفا أوروبا بأنها" مهمة للأمريكيين".
وقال للصحافيين: " نحن مرتبطون ارتباطا وثيقا بأوروبا".
وأضاف: " يستطيع معظم الناس في هذا البلد تتبع أصولهم، سواءً الثقافية أو الشخصية، إلى أوروبا.
لذا، علينا أن نتحدث عن هذا الأمر".
لكن روبيو أوضح في المقابل أن الأمور لن تسير كالمعتاد، قائلا: " نعيش في عصر جديد في الجغرافيا السياسية، وسيتطلب ذلك منا جميعا إعادة النظر في شكل هذا العصر".
في ألمانيا، يتوقع كثيرون أن تشهد اللقاءات الخاصة مع المنتخبين الجمهوريين نقاشات متوترة.
كما أن توجه وزير الخارجية الأمريكي بعد المؤتمر إلى المجر وسلوفاكيا، وهما دولتان مقرّبتان من دونالد ترامب، يعطي مؤشرا على طبيعة الزيارة.
وبالنسبة إلى الأكثر تفاؤلا، فإن الهدف الأساسي هو الحوار، بهدف تقريب وجهات النظر بين ضفتي الأطلسي.
فالكلمات العلنية والمنصات ليست سوى الجزء الظاهر من الجبل الجليدي.
وقد ذكّر السفير السابق ورئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشينغر بأن" ما يجري تحت السطح لا يقل أهمية، بل ربما يفوقه".
وفقا لمراقبين، فإن مؤتمر هذا العام يعكس تحديات متعددة على صعيد الثقة والمصداقية.
في هذا السياق، اعتبر تقرير ميونيخ الأمني بعنوان «Under Destruction» (قيد التدمير) أن سياسات بعض القادة، مثل دونالد ترامب، تندرج ضمن ما سماه" رجال الهدم"، عبر تقويض القواعد والمؤسسات القائمة.
تسلط الدورة الحالية الضوء على التغيرات في الديناميكيات العالمية، مع التركيز على استراتيجيات أوروبا لإعادة تموضعها في ظل غياب روسيا واستبعاد إيران، وغياب ممثلي حكومتيهما بسبب النزاعات القائمة والقمع الداخلي في طهران.
وفي المقابل، ستتاح الفرصة لممثلي المعارضة الإيرانية والمجتمع المدني لإسماع أصواتهم.
كما قرر المؤتمر إعادة دعوة حزب" البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف بعد عامين من الاستبعاد، مع السماح لثلاثة من نوابه بالمشاركة دون إلقاء كلمات رسمية.
وفيما يعد ترامب أبرز الغائبين عن المؤتمر، يتوقع حضور نحو 200 ممثل حكومي من 120 دولة، بينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ووزير الخارجية الصيني وانغ يي، ورئيسة الوزراء الدانماركية ميته فريدريكسن، التي سبق أن تصدت لمطالب ترامب بشأن غرينلاند.
ويعكس هذا التنوع سعي المؤتمر للحفاظ على مكانته كمنصة للحوار والنقاش على الرغم من الأجواء المتوترة عبر الأطلسي، مع استمرار تركيز النقاش على النزاعات الإقليمية، التطورات الأمنية والتكنولوجية، وإعادة صياغة الرؤى الأوروبية في النظام العالمي الجديد.
المحلل السياسي محمود الأفندي يرى أن غياب ترامب عن قمة ميونيخ، كان متوقعا، لأن الرئيس الأمريكي" لم يعد يرى في أوروبا أي نوع من أنواع القوة.
وقد قال عدة مرات إن أوروبا ذاهبة إلى الجحيم بسبب سياسات الطاقة الخضراء، وبسبب الهجرة، وبسبب الضعف الاقتصادي.
لذلك، برأيه، لم يعد يرى في أوروبا مكانا مناسبا للتواجد أو لإجراء مباحثات.
".
من ميونيخ، يُتوقع أن يعلن أن العلاقات السياسية الأمريكية المستقبلية لن تشمل كل الدول الأوروبية، بل ستكون هناك دول مستثناة وأخرى ستُمنح أولوية في العلاقات.
والدليل، بحسب الأفندي" أنه بعد زيارة ميونيخ لن يزور أيا من الدول الأوروبية الكبرى، بل سيتوجه إلى المجر وسلوفاكيا، وهما دولتان تدعمان السلام بين روسيا وأوكرانيا.
".
بالتالي، يضيف المتحدث: " هناك ما يمكن تسميته بجبهة ترامب، وهي رسالة واضحة، وإن كان الأوروبيون لم يفهموها بعد، ربما بسبب ما يُوصف بالبيروقراطية.
فبحسب هذا الرأي، أوروبا تحولت من نموذج ديمقراطي إلى بيروقراطية مفرطة، وهو أمر كان سائداً في القرنين السادس عشر والسابع عشر وعاد اليوم بصيغة مختلفة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك