خرج الحديث عن المجلس التشريعي، الذي يعتزم البرهان تشكيله، من التداول الخافت إلى مدى التسريب الصاخب، محمّلاً برواية كاملة لإعادة تركيب السلطة: حلّ مجلس السيادة، تبنّي نظام رئاسي، وبرلمان من ثلاثمائة عضو.
المشهد يُقدَّم كخطوة تنظيمية في مسار الدولة، فيما ملامحه توحي بإعادة توزيع القوة داخل المعسكر الواحد.
الخطوة تمضي ببرودة محسوبة، تخفي في جوفها شحنة انقلابية إضافية، لسلطة جاءت عبر فوهة البندقية وتسعى إلى تثبيت نفسها عبر صندوق فصّلته على مقاسها، متصرّفة كأن الشرعية تُمنح بقرار فوقي، لا بإرادة تنتزع حقها في الشارع.
البرهان يتحرك في مساحة يدرك هشاشتها: انقلاب قطع المسار الانتقالي، ثم حرب استنزفت الدولة وخلطت أوراق الجميع.
الآن تُطرح نسب التمثيل كأنها استحقاق إداري، بينما سؤال التفويض يظل معلقاً في الهواء: من خوّل هذه السلطة رسم ملامح مجلس يفترض أنه تعبير عن الإرادة العامة للشعب؟أي تفويض يبيح توزيع المقاعد بين أطراف اصطفّت خلف الدبابة، بينما الشعب وقواه الحيّة التي صنعت ديسمبر تُدفع إلى الهامش أو تُحاصر بالقيود الأمنية؟داخل التحالفات المساندة للجيش، بدا النقاش أقرب إلى مفاوضات شاقة على كعكة لم تُخبز بعد.
ما إن طُرحت الأرقام حتى ظهرت التشققات.
مقاعد البرلمان تحولت إلى ساحة اشتباك مبكر بين الحلفاء.
25 في المائة لأطراف السلام، 40 للكتل السياسية، 20 للقوات المسلحة، و15 تتوزع على النساء والشباب والأقاليم ورجال الدين وحركات غير موقعة على اتفاق جوبا.
بعد تداول الأرقام؛ أشعلت اعتراضات مكتومة.
كل طرف يقرأ النِسَب باعتبارها اعترافاً بوزنه أو انتقاصاً منه، وكل نسبة تتحول إلى شهادة نفوذ أو إيذان بتهميش.
اللغة تزداد توتراً كلما اقترب النقاش من التفاصيل، والهمس يرتفع في الغرف المغلقة.
التحالف الذي اصطف خلف الجيش يجد نفسه أمام امتحان توزيع النفوذ، لا أمام ورشة تأسيس ديمقراطي.
الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل اختار الانسحاب من المشاورات.
بيان الرفض عكَس شعوراً بأن المسار يُدار باستعجال، وأن بعض موقّعي اتفاق جوبا يسعون إلى رسم شكل السلطة المقبلة وفق حساباتهم.
الانسحاب لم يكن تفصيلاً مُهملاً، وإنما إشارة إلى أن التوافق داخل المعسكر نفسه ليس مضموناً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك