برحيل الفنان والموسيقار السوداني عبد الوهاب الصادق اليوم، تفقد الساحة الفنية واحداً من أبرز رموز التجديد في الأغنية الشعبية السودانية، وصاحب تجربة استثنائية نجحت في الموازنة بين أصالة التراث وجرأة التطوير، تاركاً خلفه إرثاً فنياً ظل حاضراً في وجدان أجيال متعاقبة من المستمعين.
وُلد الراحل بمدينة أبو قوتة بولاية الجزيرة، ومنها تشكل وجدانه الفني الذي انعكس في أعماله العاطفية الخالدة، وعلى رأسها أغنية «من بعد ما فات الأوان» التي رسخت اسمه بين كبار الفنانين السودانيين.
في بداياته الفنية، واجه معارضة من بعض أنصار المدرسة التقليدية داخل «دار فلاح لتطوير الغناء الشعبي» بسبب محاولاته إدخال الآلات الحديثة إلى الأغنية الشعبية، لكنه مضى في مشروعه الفني معتمداً على المندلين والبيز جيتار والتوزيع الموسيقي الحديث، ليحصل على لقب «المجدد» ويصبح أحد أبرز من نقلوا الأغنية الشعبية إلى آفاق جديدة دون التفريط في هويتها.
وشكل تعاونه مع الشاعر والملحن عوض جبريل محطة مهمة في مسيرته، كما تغنى بكلمات عدد من كبار الشعراء، من بينهم التجاني حاج موسى صاحب رائعة «من بعد ما فات الأوان»، ومحمود أبو العلا، وعبد الرحمن الريح.
ولم تقتصر مسيرته على الغناء فقط، إذ أسهمت تجربته في سلاح الموسيقى في صقل موهبته وتعميق معرفته بالنوتة والتوزيع الأوركسترالي، واستمر في الخدمة حتى تقاعد برتبة مساعد عام 2007، كما عمل لفترة في الشرطة السودانية قبل أن يتفرغ لمسيرته الفنية والإعلامية.
وترك الراحل مكتبة صوتية ضخمة تجاوزت بالإذاعة السودانية، ما جعله أحد أكثر فناني جيله اهتماماً بحفظ أعماله وتوثيقها للأجيال القادمة.
وعاصر عبد الوهاب الصادق عدداً من عمالقة الفن السوداني، بينهم بادي محمد الطيب، وخلف الله حمد، وكمال ترباس، وعوض الكريم عبد الله، وفيصل الصحافة، والأمين البنا، وأسهم معهم في مرحلة مهمة من مراحل تطور الأغنية الشعبية والوترية في السودان.
وخيم الحزن على الوسط الفني عقب إعلان وفاته، حيث نعاه اتحاد المهن الموسيقية السوداني وزملاؤه ومحبيه، مستذكرين مسيرته الحافلة وإسهاماته الكبيرة في خدمة الأغنية السودانية.
ولخص الراحل فلسفته الفنية في مقولته الشهيرة: «التجديد ما بغير من هوية أغنيتنا الشعبية، الفنان ما بتقودو الآلة، هو البيقودها عشان يخدم النص ويطوع اللحن».
كما ترك وصية فنية للأجيال الجديدة بقوله: «احترام الكلمة الرصينة والنص القوي هو صك الأمان الوحيد عشان يعيش الفنان في وجدان الناس وتتذكرو بيهو الأجيال».
رحل عبد الوهاب الصادق، لكن صوته وأعماله ومشروعه الفني سيبقون شاهداً على تجربة فنية آمنت بأن التجديد الحقيقي يبدأ من احترام الجذور والانطلاق منها نحو المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك