لا يحتاج الإنسان أن يدخل في تفاصيل تاريخ العرب الحديث، ليظهر مقدار وأنواع المواقف العدائية الأمريكية، بشتى الأشكال والمستويات والتبريرات، تجاه أمة العرب.
يكفي أن نذكر موقفين بالغي العدائية تجاه موضوعي الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، والعدائية التاريخية المتعاظمة لاي نوع من أنواع وحدة هذه الأمة، سواء المعنوية أو المادية.
فمنذ بداية المشروع الصهيوني وحتى يومنا هذا، وجد هذا المشروع دعماً أمريكياً مؤازراً، بكل الأشكال السياسية والثقافية والدينية والعسكرية، لتقوية وترسيخ الاحتلال الاستعماري الصهيوني لفلسطين العربية، وللتآمر على حقوق الشعب الفلسطيني.
واليوم ينتقل هذا الدعم، بكل الحجج الكاذبة إلى دعم الخطوات الصهيونية لتحقيق حلمهم الديني التاريخي بإنشاء دولة «إسرائيل الكبرى» على حساب الأردن ومصر وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية في مراحله الأولى.
وطيلة القرن الماضي، وبالأخص أثناء فترة المدّ الناصري القومي العروبي الوحدوي، وقفت أمريكا، بكل ثقلها، ومع الكثيرين من مساعديها من الدول الاستعمارية والكيان الصهيوني، ضد شعارات المشروع القومي العربي، وبالأخص شعار الوحدة العربية، وقد ساهمت في إيقاف ذلك المدّ، إلى أبعد الحدود وأوصلت الحركات القومية كلها إلى مراحل العجز، وذاكرة الأمة الوحدوية إلى الاقتراب من النسيان والضياع.
مؤخراً انتقلت المؤامرة العدائية الأمريكية من الاكتفاء بمعاداة كل مشاريع الوحدة العربية إلى مرحلة، محاولة تفتيت العديد من الأقطار العربية إلى دويلات وكيانات قائمة على أسس طائفية، أو عرقية، أو لغوية معادية، بصور سافرة أو غير سافرة، لهوية العروبة وللوحدة العربية بأي شكل كان.
انتقلت المؤامرة الأمريكية من الاكتفاء بمعاداة كل مشاريع الوحدة العربية إلى مرحلة، محاولة تفتيت العديد من الأقطار العربية إلى دويلات وكيانات قائمة على أسس طائفية، أو عرقية.
لا حاجة لذكر أمثلة عدائية كثيرة أخرى، لإثبات أننا أمام دولة تتصرف تجاه العرب كدولة مليئة بالعداء والرغبة في التهميش والتمزيق، والإصرار على أن تنتهي الأرض العربية لتصبح أرضاً وشعباً يخضعان للهيمنة الصهيونية الاستعمارية الاستئصالية.
ما أريد قوله هو، أنه لا يوجد، عبر قرن كامل من تاريخ العلاقات العربية ـ الأمريكية في كل الميادين، ما يبرر، أو يفسر تمسك البعض باعتبار أمريكا دولة صديقة، أو حليفة، أو مأمونة الجانب، أو صادقة في القول والفعل.
إنها كانت ولا تزال تتصرف كدولة عدوة لأمة لم تحاول قط أن تؤذيها أو تمس مصالحها بسوء.
تملؤني تلك المشاعر والأفكار كلما استمعت إلى متحدثين في اجتماعات شللية سياسية/ثقافية لمحللين ومثقفين ومفكرين يصرفون الوقت والجهد لتحليل، أو نقد الوضع الأمريكي، سواء في الداخل أو الخارج، ما فائدة تحليل وتشخيص الوضع الأمريكي، والتركيز على ما تواجهه أمريكا من مشاكل مع نفسها ومع العالم، إذا كنا لا نمسّ النقطة الأساسية ونعالج تبعاتها وهي، النقطة المتعلقة بوجود عداء أمريكي تاريخي متأصل تجاه كل أحلام وأهداف وحقوق العرب؟السؤال: ما هي الاستراتيجية العربية، التي يجب أن نتبناها تجاه كل علاقاتنا بهذه الدولة المعادية؟ ومن سيضعها ويطرحها على الأمة العربية؟ أقول إنها الاستراتيجية، التي تكون مبنية على أسس فكرية ومبادئ قيمية وجوانب واقعية ومعالجات تتعلم من الماضي والحاضر وتنطلق نحو المستقبل، أي معالجة استراتيجية شاملة تشعر الأمريكيين بأنهم إن أرادوا الاستمرار في نهجهم العدائي التآمري الحالي، فانهم سيواجهون مواجهة عربية متناسقة متعاونة رافضة لأية هيمنة أمريكية على أي جزء عربي، ومحاربة لأية مؤامرة أمريكية على أي شعب من شعوب هذه الأمة.
لا نحتاج إلى عبقرية لندرك أن وضع استراتيجية مثل هذه وتفعيلها في الواقع لن يكون، مع الأسف، من قبل مؤسسات أنظمة الحكم العربية المشتركة المليئة بالصراعات والخلافات والتباينات الفكرية السياسية.
هناك فقط ـ بعض مؤسسات واتحادات المجتمع العربي المدنية الفكرية والسياسية والمهنية والثقافية، مع بعض من أفرادها المثقفين المفكرين العضويين، التي تحتاج أن تقوم بإنشاء هيئة شعبية تنسيقية تضامنية نضالية سلمية مستقلة تاريخية من أجل أن تضع مثل تلك الاستراتيجية، وتنشرها بين جموع الشعب ليعيها وتحاول إقناع بعض أنظمة الحكم بتبنيها، وتتخذ شتى الخطوات لتنفيذها في الواقع على المستوى الشعبي القطري والمستوى القومي المشترك.
التعامل مع أمريكا يحتاج أن يكون شاملاً، وشعبياً في بدايته، وجزءاً من نضال شعبي ديمقراطي سلمي متعاظم مع مرور الوقت.
في هذه الفترة من تاريخنا يجب أن لا يهمنا ما يجري في أمريكا، أو لأمريكا، فهذا شأن الشعب الأمريكي في الأساس، وإنما التركيز في الدرجة الأولى على طرق باب إنهاء العداوة الأمريكية التاريخية لنا ولقضايانا، وسنجد في المجتمع الأمريكي الكثير من التعاطف مع ذلك المسعى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك