الرباط ـ «القدس العربي»: مع بداية شهر رمضان، عادت الحياة إلى طبيعتها تقريبًا في المدن والقرى المغربية التي تضررت من الفيضانات الأخيرة.
وبثت القنوات التلفزيونية عبر مبعوثيها في عين المكان، تقارير مصورة تبرز خروج مواطني مناطق الغرب لاقتناء بضائعهم، استعدادًا للشهر الكريم، علاوة على وجود نشاط حثيث لحركة المواصلات العامة، بعد عودة السكان إلى منازلهم.
وخصصت السلطات المحلية مساعدات عينية للمتضررين في المناطق المنكوبة، كما شرعت في إعداد قوائم إحصائية، من أجل تقديم دعم مالي لهم، يُعينهم على إصلاح الأضرار التي لحقت بمنازلهم ومواجهة أعباء الحياة.
في سياق متصل، أعلنت محافظة إقليم العرائش أنه أصبح بإمكان كافة سكان مدينة القصر الكبير العودة إلى منازلهم ابتداء من الخميس، وذلك على إثر استكمال التدخلات الميدانية التي باشرتها السلطات العمومية والإدارات التقنية المختصة في مختلف الأحياء والتجمعات السكنية بالمدينة، وبعد التحقق من تحسن الأوضاع وملاءمتها لشروط السلامة.
وأثنى بيان في الموضوع على «مستوى الوعي الذي أبان عنه سكان مدينة القصر الكبير خلال تنفيذ مختلف مراحل عملية العودة»، مؤكدًا على مواصلة التعبئة والتتبع الميداني لضمان استعادة السير العادي لمختلف مظاهر الحياة في المدينة ونواحيها.
نموذج مغربي في الجاهزية الاستباقية.
إلى ذلك، كشف «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»، مؤسسة رسمية في المغرب، عن استنتاجات أولية بخصوص تدبير كارثة الفيضانات التي شهدتها بعض أقاليم غرب البلاد، مؤكدًا أن تدخل السلطات العمومية اتسم باعتماد معايير دولية ومقاربة قائمة على حقوق الإنسان، سواء على مستوى الاستجابة الاستعجالية أو فيما يتعلق ببرامج الدعم وإعادة التأهيل.
واعتبر في تقرير أصدره حديثًا، أن ما تحقق ميدانيًا يشكل أرضية لتطوير نموذج مغربي في الجاهزية الاستباقية لتدبير الكوارث الطبيعية، مع ما يستلزمه ذلك من تقوية آليات الإنذار والتخطيط الترابي واحترام القوانين ذات الصلة.
وأبانت المعطيات أن السلطات المحلية سارعت إلى استباق المخاطر المحتملة للفيضانات عبر رصد وسائل وأجهزة الإنقاذ ووضعها رهن إشارة السكان، مع تدخل القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والدفاع المدني والقوات المساعدة والمسؤولين المحليين، لإجلاء المتضررات والمتضررين وتأمين ممتلكاتهم في المناطق الأكثر تضررًا، خصوصًا في مدينة القصر الكبير خلال بداية شهر شباط/ فبراير، حيث مكنت هذه التعبئة المبكرة من الحد من الخسائر البشرية والمادية، وعكست تنسيقًا ميدانيًا بين مختلف المتدخلين.
وسجّل المجلس الوطني أن عملية الإجلاء شملت ما يفوق 180 ألف مواطن ومواطنة بعدة أقاليم، خاصة العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، في أكبر تدخل استباقي ينفّذه المغرب خلال تدبير كارثة طبيعية.
وأسهمت هذه العملية في حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية لسكان المناطق المهددة، إذ لم تسجل سوى حالات وفيات فردية بسبب سوء تقدير الخطر من طرف بعض المواطنين.
وأبانت المعطيات أن المواطنات والمواطنين تفاعلوا إيجابًا مع دعوات الإجلاء، والتزموا بتوجيهات السلطات المحلية خلال عملية نقلهم إلى مناطق آمنة، في ظروف اتسمت بتنظيم كبير ساهم في دعم جهود الحماية والاستجابة.
واعتبر المجلس هذا السلوك ممارسة فضلى جديرة بالتوثيق، لما يعكسه من وعي جماعي بأهمية التعاون في لحظات الأزمات.
وسجّل «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»، عبر تقرير اطلعت عليه «القدس العربي»، اعتماد تدابير لتأمين نقل مجاني للسكان، وإحداث مجمعات ومراكز صحية مفتوحة في وجه عموم المواطنين، مع إيلاء عناية خاصة للنساء الحوامل والمسنّين والأشخاص في وضعية إعاقة.
كما جرى توفير مساكن آمنة عبر الإجلاء الفوري من المناطق المهددة وإحداث مراكز إيواء مؤقتة في عدة أقاليم، خاصة في المناطق القريبة من القصر الكبير.
ورغم ذلك، سُجّلت بعض الحالات المحدودة للإيواء في فضاءات لا تستجيب بالكامل لمعايير السكن اللائق من حيث الخصوصية والولوج إلى الماء والتطهير والحماية من المخاطر، وهو ما يستدعي تحسين شروط الإيواء مستقبلاً.
وأبانت المعطيات المتعلقة بالحق في التعليم اتخاذ تدابير استعجالية لتعليق الدراسة في الأقاليم المشمولة بالنشرات الإنذارية حفاظاً على سلامة التلاميذ والكوادر التربوية، مع اللجوء إلى التعليم عن بعد، والعمل على استئناف الدراسة تدريجياً بالمؤسسات غير المتضررة.
كما تم اعتماد حلول مؤقتة ومبتكرة في بعض الحالات لضمان استمرارية التعليم، مع تدارك الصعوبات التي حالت أحياناً دون اعتماد آلية للتعليم في حالات الطوارئ، وتجاوز إشكالية التفاوت في سرعة استعادة السير العادي للدراسة، خاصة في بعض المناطق القروية.
وسجل المجلس الوطني، فيما يتعلق بحماية الحق في الصحة، إطلاق السلطات العمومية بشراكة مع جمعيات مختصة عدة عمليات نوعية، شملت إجلاء وتجميع النساء الحوامل في مراكز تخضع للمراقبة الصحية وتوفير الرعاية لهن، وإيلاء عناية خاصة للمسنّين والأشخاص في وضعية إعاقة عبر التتبع اليومي لأوضاعهم الصحية، إلى جانب توفير العلاجات للفئات التي تعاني من أمراض مزمنة.
كما جرى إيلاء اهتمام خاص للمرضى الذين يحتاجون إلى تصفية الدم وللخاضعين لعلاج السرطان، وتنظيم حملات طبية متنقلة متعددة الاختصاصات عززت التغطية الصحية لفائدة السكان المتضررين، وشملت الطب العام وطب النساء والتوليد وأمراض الغدد والسكري والضغط الدموي وأمراض القلب والشرايين والروماتيزم وطب الأمراض النفسية، فضلاً عن فحوصات بالصدر واستشارات وتقديم أدوية مجانية.
وسجل التقرير استنفار السلطات العمومية لضمان التوزيع العاجل للمواد الغذائية والمياه الصالحة للشرب لفائدة الأسر المتضررة، مع انخراط فاعلين مؤسساتيين ومدنيين في جهود التضامن.
كما ثمّن التعامل مع شكاوى بعض المواطنين في مناطق لم تتوصل بالدعم الغذائي الكافي خلال المراحل الأولى من حصار السيول، بما يعكس تفاعلاً مع الملاحظات الميدانية وسعياً لتدارك الاختلالات.
وأبانت المعطيات أيضاً جهود تواصل متعددة الأطراف، بانخراط مكونات المجتمع المدني المحلي والوطني في عمليات التوعية وتقديم الدعم والمساعدات، إلى جانب نشر وتقاسم النشرات الإنذارية والنداءات الرسمية عبر المنابر الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، ما دعّم عمليات الإجلاء بسرعة قياسية.
وسجل المجلس بارتياح تصدّي بعض الفاعلين للأخبار المضللة والفيديوهات المفبركة المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي سعت إلى تهويل الوقائع أو تضخيمها.
وفي السياق ذاته، رصد المجلس تداول محتويات رقمية مضللة تضمنت مقاطع قديمة أو مقتطعة من سياقات أخرى لا صلة لها بالفيضانات المعنية، بعضها يعود إلى بلدان أخرى، فضلاً عن رسائل إنذارية مفبركة وفيديوهات توثق لانهيارات مزعومة واتهامات بسوء التدبير صادرة أساساً عن حسابات من خارج المغرب، ما يبرز أهمية تعزيز اليقظة الرقمية خلال الأزمات.
وسجل المجلس وضع برنامج واسع النطاق للمساعدة والدعم لفائدة الأسر والسكان المتضررين، مثمّنًا تعليمات العاهل المغربي الموجهة للحكومة، وإعلان الأقاليم الأربعة الأكثر تضرراً «مناطق منكوبة»، وإقرار برنامج لإعادة الإسكان والتعويض عن فقدان الدخل، وإعادة تأهيل المساكن والمحلات التجارية الصغيرة وإعادة بناء المنازل المنهارة، إلى جانب مساعدات عينية لتعزيز التدخلات الاستعجالية، ودعم المزارعين ومربي المواشي، وتخصيص استثمارات لإعادة تأهيل البنيات الطرقية وتدبير المياه الزراعية، من سدود وشبكات صرف وخزانات وأحواض مائية، وإعادة تأهيل الشبكات الأساسية.
كما أخذ المجلس علماً بالتقدم في إعداد مشروع «الاستراتيجية الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث في أفق 2030»، والتي تتضمن إجراءات لتعزيز التنبؤ والإنذار المبكر، وتقوية التنسيق الإداري المحلي والجهوي، ومراجعة النصوص القانونية، وإحداث منصات لوجستية ونظام للتعويض المالي للمتضررين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك