تحت عنوان: “تونس في حالة ركود”، قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إنه في تونس، حيث يسيطر الرئيس قيس سعيد على معظم السلطات، يبدو أن لا شيء يحدث: تعديل وزاري أُعلن عنه ولم يُنفذ، ومشاريع كبرى متوقفة، وغياب واضح للاستجابة لتغير المناخ.
وتضيف المجلة أن فراج، وهو مدير تنفيذي متقاعد في مجال التأمين، يواجه انتكاسة.
فقد خطط للقاء أصدقائه لتناول القهوة ومناقشة الأحداث الجارية، لكن كما هو الحال منذ أسابيع، وجد الجميع عذرا للتغيب.
ويقول: “لم تعد هناك متعة في النقاش، لا شيء يُعلق عليه، لا شيء يُقال؛ وإلا قد نتهم بالتحريض”.
قد يحاول فراج أن يكون ساخرا، لكنه يشعر بالفزع من حالة الجمود التي تُغرق تونس تدريجيا في النسيان.
وفي ظل أجواء من الإحباط، يشير إلى أحدث المؤشرات الاقتصادية ويعرب عن دهشته قائلا: “نمو بنسبة 2.
5% في عام 2025، مع معدل بطالة يبلغ 16%: هذه الأرقام التي قدمها المعهد الوطني للإحصاء تبدو غريبة، إذ حتى النمو لا يخلق فرص عمل.
هذا يفقد المرء فهمه لأبسط مبادئ الاقتصاد”.
وبينما يتوصل أصدقاؤه إلى النتيجة نفسها، يحاول بعضهم إيجاد بصيص أمل بالقول: “لا شيء يتغير، وهذا يعني على الأقل أننا نحافظ على وضعنا”.
لكن الاكتفاء بعكس العبارة الشهيرة للكاتب الإيطالي لامبيدوزا “إذا أردنا أن يبقى كل شيء كما هو، فلا بد أن يتغير كل شيء”، لا يكفي ـ بحسب المجلة ـ لتفسير حالة الترقب والانتظار التي انزلقت إليها تونس.
وتتابع المجلة بسرد استعارة متداولة: انتظرنا المطر طويلا، وبعد أن عانت البلاد من الفيضانات، صرنا ننتظر انحسار المياه.
ويقول أحد علماء المناخ إن سنوات الجفاف الطويلة لم تشهد اتخاذ إجراءات لاستيعاب المياه الزائدة وتخزينها تحسبا لفترات الشح التي قد تعود عاجلا أم آجلا، في محاولة لتفسير تقاعس الدولة بأسباب هيكلية.
السياسات التي فرضها الرئيس قيس سعيد عندما وسّع صلاحياته بشكل كبير في يوليو/تموز 2021 غيّرت موازين القوى.
وفي الواقع، تشير “جون أفريك” إلى أن السياسات التي فرضها الرئيس قيس سعيد عندما وسّع صلاحياته بشكل كبير في يوليو/تموز 2021 غيّرت موازين القوى.
فقد تقلصت مساحة المناورة المتاحة للمعارضة والهيئات الوسيطة، كما تراجعت وظائف الحكومة، ما أدى إلى معاناة فئات اجتماعية مختلفة في ظل محدودية الحريات ونطاق العمل.
ويقول صحافي سابق: “لكنهم اعتادوا على ذلك”، معتبرا أن هذا الخمول المتأصل يعزز النظام.
ويرى بعض المراقبين أن ما يُوصف بـ”الانهيار” هو نتيجة مؤسفة وغير متوقعة للأزمة العالمية الراهنة، بينما يندد آخرون باختلال موازين القوى السياسية، باعتباره إرثا من الماضي يعيق التقدم.
ويعلق مؤرخ مطلع على أعمال مؤسسة تميمي، وهي مؤسسة بحثية خاصة مرموقة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قائلا: “يكفي أن تقرأ هياكل السلطة كما لو كانت خريطة، وستدرك بنظرة خاطفة أنه لا شيء مقدرا له أن يتغير، وأن كل فئة توازن الأخرى في الاتجاه المعاكس”.
وتقول المجلة إن هذا التعريف ليس دقيقا تماما، لكنه يحمل قدرا من الحقيقة.
وتضيف أن الدولة التونسية تستند إلى قوى متعددة: الجيش، ووزارة الداخلية (التي تضم ضباطا بزيهم الرسمي وآخرين بزي مدني، فضلا عن الحرس الوطني التابع لها)، والحرس الرئاسي الذي يعمل باستقلالية ويخضع للسلطة المباشرة لرئاسة الجمهورية.
الرئيس سعيد، صاحب السلطات الواسعة، يبدو أنه يُحبط تطلعات التونسيين الذين كانوا يتوقعون تعديلا وزاريا شاملا بعد إقرار قانون المالية، وذلك من خلال إدارته المباشرة لمختلف جوانب الحياة العامة.
ويقول عقيد متقاعد: “شهدنا عام 2011، إبان تغيير النظام، أن بعض الجماعات سعت إلى السيطرة على غيرها، مخاطرة بنشوب حرب أهلية، لكن في نهاية المطاف عاد الجميع إلى مواقعهم بسلام”.
ويؤكد أن المنطق السليم غالبا ما يسود في تونس، مضيفا: “من الأفضل التريث والانتظار، حتى وإن بدا ذلك حذرا مفرطا أو مزعجا، بدلا من زعزعة استقرار البلاد”.
ويقر الضابط بأنه لم يعد أحد يحاول التعدي على صلاحيات الآخر.
ويتابع الضابط السابق قائلا: “في الماضي، ما كان أحد ليقبل رئيس وزراء من صفوف الجيش.
ومع ذلك، فهذه إحدى الشائعات المتداولة حاليا، رغم أن التعديل الوزاري الذي ينتظره التونسيون ليس شرطا لإدارة شؤون البلاد”.
وتشير المجلة إلى أن الرئيس سعيد، صاحب السلطات الواسعة، يبدو أنه يُحبط تطلعات التونسيين الذين كانوا يتوقعون تعديلا وزاريا شاملا بعد إقرار قانون المالية، وذلك من خلال إدارته المباشرة لمختلف جوانب الحياة العامة.
ووفقا للرئيس التونسي، فقد اختارت تونس مسارا فريدا يختلف عن مسار جارتها الجزائر أو شقيقتها الكبرى مصر.
فبينما لا يضطلع الجيش التونسي بدور اقتصادي مباشر، فإنه يُستخدم أداة لتنفيذ أو الإشراف على المشاريع الكبرى.
وبعد صدمة عام 2011، حرصت مؤسسات الدولة على الحفاظ على مهاراتها وضمان قدر من الاستمرارية، كما يحلل قاض سابق، مؤكدا أن عدم القدرة على التكيف أو إظهار روح الابتكار يسهم في ترسيخ فكرة أن النظام لم يتغير، وأنه لم يستوعب الثورة ولم يستفد منها.
ويزيد غياب الارتياح من الارتباك الناجم عن أزمة اقتصادية واجتماعية مستعصية.
وتخلص المجلة إلى أن “العاطلين عن العمل يرغبون في وظائف في الخدمة المدنية، والخريجين يتطلعون إلى مغادرة البلاد”.
ويلخص فراج الوضع قائلا: “ما زلنا عالقين في هذا الوضع”، معربا عن استيائه من غياب القدرات الإبداعية وتصاعد العنف في المدن، والذي يعكس، بحسب رأيه، تراكم الإحباطات وشعورا بخيبة الأمل.
ويضيف: “نتفهم أن الأجيال الأكبر سنا لا تملك الحلول، لكن على الشباب أن يتولوا زمام الأمور، وأن يتخلصوا من لامبالاتهم، وأن يجرؤوا على العمل”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك