في سؤال الزمن الرمزي: من القداسة إلى التسليع.
رمضان، في الوجدان المغربي، ليس شهرًا زمنياً عادياً، بل هو ما يمكن تسميته استعارةً من التحليل الأنثروبولوجي بـ“الزمن المكثّف دلاليًا”: لحظة يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الفرد والمعنى، بين الجسد والروح، بين اليومي والمطلق.
إنه زمن يتخفف فيه الإنسان من فائض الاستهلاك، لينخرط — ولو جزئيًا — في ممارسة التأمل وإعادة المراجعة.
غير أنّ ما يحدث على مستوى الدراما الرمضانية يكشف عن انقلاب في وظيفة الزمن ذاته: من زمن للتزكية إلى زمن للاستهلاك المكثف؛ من فضاء للتعالي الرمزي إلى سوق مفتوح للفرجة السريعة.
إننا أمام ظاهرة يمكن قراءتها في ضوء مفهوم “مجتمع الاستعراض” عند غي ديبور[1]، حيث لا تعود الصورة وسيطًا للواقع، بل تصبح بديلاً عنه.
فالدراما لا تكتفي بتمثيل المجتمع، بل تعيد إنتاجه وفق منطق السوق، وتفرض صورة نمطية تُختزل فيها الهوية في مشاهد إثارة عاطفية سريعة.
الإعلام العمومي وإشكالية الوظيفة: بين الخدمة العمومية والهيمنة الثقافية.
القنوات العمومية، بحكم تمويلها من المال العام، لا يمكن اختزالها في منطق المقاولة الخاصة.
إنها، نظريًا، جهاز ثقافي-تربوي، يُفترض فيه أن يساهم في بناء الذوق العام وتوجيهه.
غير أن ما نشهده هو انزياح من وظيفة التنوير إلى وظيفة الترفيه التجاري.
هنا يحضر مفهوم الهيمنة الثقافية عند أنطونيو غرامشي[2]: الهيمنة لا تُمارَس بالقمع المباشر، بل بإعادة تشكيل الوعي حتى يقبل النسق القائم بوصفه طبيعيًا.
حين تتكرر الرداءة، تصبح معيارًا؛ وحين يُعاد إنتاج السطحية، تُطبع في الذوق الجماعي.
إنّ هيمنة الكوميديا الصاخبة، والحوار الفارغ من التوتر الفكري، والاعتماد على الإثارة بدل التحليل، ليست مجرد اختيارات فنية، بل مؤشرات على إعادة هندسة الذوق العام وفق اقتصاد الانتباه، لا اقتصاد المعنى.
وفي السياق ذاته، حذّر نيل بوستمان من تحول المجتمعات الحديثة إلى كيانات “تتسلّى حتى الموت”[3]، حيث يصبح الترفيه أداة لإفراغ الوعي لا لإغنائه، ويغدو التفكير العميق عبئًا غير مرغوب فيه داخل منطق الشاشة.
“بنات لالة منانة”: من التراجيديا الوجودية إلى الاختزال الإيديولوجي.
مسلسل بنات لالة منانة، المستلهم من مسرحية بيت برناردا ألبا للوركا، قدّم نفسه بوصفه دراما اجتماعية حول الحرية النسائية والصراع مع البنية التقليدية.
غير أن قراءة متأنية تكشف عن انزياح من التراجيديا الإنسانية إلى ثنائية تبسيطية تُعيد ترتيب القيم في صورة قطبية:
إن هذه البنية الثنائية، في ضوء تحليل محمد عابد الجابري للعقل العربي[4] تمثل نوعًا من “العقل البياني الاختزالي” الذي يميل إلى التضاد الحاد بدل التركيب الجدلي.
المجتمع المغربي تاريخيًا لم يكن أحادي البنية؛ بل تشكّل من تفاعل بين المرجعية الدينية والتجربة المدنية.
إن الإشكال ليس في مساءلة التقليد، بل في تقديم القطيعة معه بوصفها الحل الوحيد الممكن.
هنا تتحول الدراما من مساءلة نقدية إلى إعادة صياغة رمزية قد تحمل نزوعًا أيديولوجيًا غير معلن.
الفن، كما يرى بول ريكور، تأويل للواقع[5]؛ لكنه حين يفقد تعدديته، يصبح خطابًا مغلقًا.
“تيبريا” وأزمة النص: حين يغيب العمق لصالح الحدث.
أما أعمال من قبيل تيبريا (التي رُوِّج لها بوصفها عملاً جادًا)، فقد كشفت عن أزمة مختلفة: هشاشة البناء الدرامي نفسه.
شخصيات بلا تطور نفسي، حوارات بلا صراع فكري، أحداث مبنية على المفاجأة لا على منطق سردي متماسك.
إننا هنا أمام ما يسميه إدغار موران بـ“تبسيط المعقد”[6]؛ إذ يتم اختزال القضايا الاجتماعية في مشاهد آنية بلا عمق تحليلي، وكأن المطلوب هو إنتاج الانفعال لا إنتاج الفهم.
الدراما، في جوهرها، ليست تراكم أحداث، بل بناء معنى.
وإذا انفصل الحدث عن المعنى، تحولت الشاشة إلى سطح أملس يعكس الضوء دون أن ينفذ إلى العمق.
الرداءة كنسق: من العرض إلى البنية.
المشكل إذن ليس في مسلسل بعينه، بل في البنية المنتجة.
حين تصبح الرداءة متكررة، فهي لم تعد صدفة، بل خيارًا بنيويًا.
خيارًا تفرضه حسابات السوق، وسهولة الإنتاج، وضمان نسب مشاهدة سريعة.
غير أن الأمم لا تُقاس بلحظات الضحك العابر، بل بقدرتها على إنتاج خطاب ثقافي يرسّخ المعنى.
إن تسليع رمضان يحوّل الزمن المقدس إلى لحظة استهلاك، ويُفرغ المناسبة من بعدها الرمزي.
في أفق بديل: نحو دراما تركيبية لا صدامية.
لا يدعو هذا النقد إلى وصاية أو رقابة، بل إلى مساءلة عقلانية.
المطلوب ليس دراما وعظية، بل دراما تركيبية، تعالج التعقيد بدل اختزاله، وتطرح الأسئلة بدل تمرير الأجوبة الجاهزة.
كما دعا محمد أركون إلى “نقد العقل الإسلامي”[7] بوصفه ممارسة معرفية لا هدمية، يمكن للإعلام العمومي أن يمارس نقدًا ذاتيًا لبنيته الإنتاجية، وأن يعيد النظر في اختياراته بعيدًا عن منطق الاستسهال.
إنّ ما يُعرض في رمضان ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو جزء من معركة صامتة على الوعي، الصورة ليست بريئة، والضحك ليس محايدًا، والاختزال ليس بلا أثر، الدراما قد تكون أداة ترقية للذوق، وقد تكون أداة تسطيح له، والسكوت عن النسق الرديء — حين يتكرر — هو قبول ضمني بهيمنته.
إنّ الدفاع عن المعنى، في زمن الاستعراض، ليس محافظةً جامدة، بل فعل مقاومة ثقافية، ورمضان، بما يحمله من كثافة رمزية، يستحق خطابًا يرتقي إليه، لا خطابًا يستهلكه.
[1] غي ديبور، مجتمع الاستعراض، 1967.
[2] أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن، مفهوم الهيمنة الثقافية.
[3] Neil Postman, Amusing Ourselves to Death, 1985.
[4] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي.
[5] Paul Ricoeur, Interpretation Theory.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك