قناة الغد - زيلينسكي يقترح اجتماعا مع بوتين.. وترامب قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار الثانية عشرة صباحا من القاهرة الإخبارية قناة العالم الإيرانية - عراقجي: إيران حققت إنجازات استراتيجية وحوّلت الحرب الى نقطة قوة العربي الجديد - فلسطين أمام مجلس الأمن: إسرائيل تستغل أزمات المنطقة لفرض وقائع جديدة التلفزيون العربي - إسرائيل تستعين بالكلاب لرصد مسيّرات حزب الله فرانس 24 - مباشر: مقتل ما لا يقل عن 8 أشخاص في لبنان وجندي إسرائيلي رغم الهدنة قناة التليفزيون العربي - التضخم الناتج عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يعمق خسائر العملات المشفرة Independent عربية - زيلينسكي يقترح في رسالة مفتوحة لقاء بوتين ووقف إطلاق النار القدس العربي - “الخط الأصفر” يتمدد بغزة.. مخاوف فلسطينية من خنق ما تبقى من حياة الجزيرة نت - ترمب: لا نحتاج لاتفاق مع إيران للحصول على اليورانيوم المخصب
عامة

الفقه الإسلامي في زمن المتغيرات الدولية: قراءة في أزمة الفقيه المعاصر

العمق المغربي
العمق المغربي منذ 3 أشهر
2

في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والتقنية، وتتغير فيه أنماط العيش والعلاقات والمعاملات، تبرز أزمة الفقهاء في حياتنا المعاصرة بوصفها إحدى أعقد الإشكالات التي تواجه الوعي الإسلامي اليوم. ه...

ملخص مرصد
يواجه الفقه الإسلامي المعاصر أزمة عميقة تتمثل في انفصال الفقهاء عن الواقع المتغير، حيث تراجع دور الفقيه المجتهد الذي يجمع بين الفهم العميق للنصوص والإحاطة بالواقع، لصالح نمط من التدين القائم على النقل المجرد دون وعي بالسياقات المعاصرة.
  • تراجع دور الفقيه المجتهد لصالح نمط من التدين القائم على النقل المجرد
  • ضعف التكوين العلمي في المؤسسات الشرعية يركز على الحفظ أكثر من الفهم والتحليل
  • غياب الوعي المقاصدي المتوازن يؤدي إلى جمود حرفي أو تسيب في التعامل مع الأحكام
من: الفقهاء المعاصرون والمؤسسات الشرعية

في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والتقنية، وتتغير فيه أنماط العيش والعلاقات والمعاملات، تبرز أزمة الفقهاء في حياتنا المعاصرة بوصفها إحدى أعقد الإشكالات التي تواجه الوعي الإسلامي اليوم.

هذه الأزمة لا تتجلى فقط في ضعف التأثير أو تراجع المكانة، بل تتجسد أساسًا في اختلال العلاقة بين النص الديني والواقع، وبين المقاصد والتنزيل، وبين روح الشريعة وجمود بعض من ينتسب إلى خدمتها.

ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أنها أفرزت نمطًا من التدين القائم على النقل المجرد، وأضعفت حضور الفقيه المجتهد الذي يجمع بين الفهم العميق للنصوص، والإحاطة الدقيقة بواقع الناس، والقدرة على الربط بين الجزئيات والكليات.

لقد كان الفقيه في تاريخ الأمة شخصية مركبة، تجمع بين العلم الشرعي، والبصيرة الاجتماعية، والحس الحضاري، والقدرة على استشراف المآلات.

لم يكن مجرد حافظ للمسائل أو ناقل للأقوال، بل كان عقلًا ناظمًا، وضميرًا حيًا، وموجهًا للمجتمع في ضوء مقاصد الوحي.

كان الفقيه يدرك أن النصوص لم تنزل لتُحبس في بطون الكتب، وإنما لتُحيا في واقع الناس، وتُترجم إلى عدل ورحمة وحكمة ومصلحة.

ولذلك لم يكن الاجتهاد عنده ترفًا فكريًا، بل ضرورة شرعية وحضارية.

غير أن واقعنا المعاصر يشهد في كثير من السياقات تراجعًا لهذا النموذج، وصعودًا لنمط آخر يكتفي بالحفظ والترديد، ويستعير فتاوى الماضي دون وعي بسياقاتها، ويُسقط أحكامًا وُلدت في بيئات مختلفة على وقائع جديدة دون تمحيص أو نظر في العلل والمقاصد.

فغاب الفقيه الذي يملك مفاتيح الفهم، وحضر راوي الفقه الذي يحمل خزانة المفاتيح دون أن يفتح بها أي باب من أبواب المعرفة والعلم، وهذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج عوامل متشابكة تربوية وثقافية ومؤسسية.

من أبرز أسباب هذه الأزمة طبيعة التكوين العلمي في كثير من المؤسسات الشرعية، حيث يُغلب جانب الحفظ والتلقين على جانب الفهم والتحليل، ويُكرس التقديس غير الواعي للمتون والشروح، على حساب تدريب العقل على النظر والمقارنة والاستنباط.

ينشأ الطالب في بيئة تُكافئ التكرار أكثر مما تُكافئ الإبداع، وتُعلي من شأن الامتحان أكثر مما تُعلي من شأن السؤال، فيتحول العلم إلى رصيد محفوظ، لا إلى ملكة حية.

ومع مرور الزمن، يتخرج جيل يمتلك وفرة من المعلومات، لكنه يفتقر إلى أدوات التعامل مع الواقع المتغير.

ويُضاف إلى ذلك ضعف الارتباط بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، التي أصبحت اليوم مفتاحًا لفهم الإنسان وسلوكه ونُظمه الاقتصادية والسياسية والثقافية.

فالفقيه المعاصر لا يمكنه أن يُحسن تنزيل الأحكام دون إدراك عميق لطبيعة المجتمعات الحديثة، وآليات السوق، وأنظمة الحكم، وتأثير الإعلام، والتحولات الرقمية، وقضايا الهوية والعولمة.

وعندما يُعزل الفقه عن هذه المعارف، يتحول إلى خطاب نظري منفصل عن الحياة، عاجز عن تقديم حلول واقعية، فيفقد ثقة الناس وتأثيره فيهم.

كما ساهمت بعض القراءات الضيقة للتراث في تعميق هذه الأزمة، حين جُعلت اجتهادات الأئمة وكأنها نصوص مقدسة لا تقبل المراجعة، مع أن أصحابها أنفسهم أكدوا نسبيتها وارتباطها بزمانها ومكانها.

فبدل أن يكون التراث معينًا على الفهم والتجديد، أصبح في بعض الأوساط قيدًا يمنع الحركة، وسقفًا لا يُسمح بتجاوزه.

وهذا ما أنتج عقلية تخاف من الاجتهاد، وتتهم كل محاولة للتجديد بالبدعة أو الانحراف، دون تمييز بين التجديد المنضبط والتفلت المنفلت.

ولا يمكن إغفال أثر الواقع السياسي والاجتماعي في تشكيل هذه الأزمة، حيث تعرضت المؤسسة الدينية في كثير من البلدان للتهميش أو التوظيف، فضعفت استقلاليتها، وتراجع دورها النقدي والإصلاحي.

وفي أحيان أخرى، انجرف بعض المنتسبين للفقه إلى صراعات أيديولوجية ضيقة، فصاروا أسرى لمواقف مسبقة، يلوون النصوص لخدمتها، بدل أن تكون النصوص حاكمة عليها.

وهكذا تحولت الفتوى من أداة للهداية والرشد إلى وسيلة للتبرير أو التحشيد.

إن جوهر الأزمة، في عمقها، هو غياب الوعي المقاصدي المتوازن.

فالمقاصد ليست شعارات تُرفع، ولا عناوين تُستعمل للتساهل، بل هي روح الشريعة وميزانها الداخلي.

حين يغيب هذا الوعي، ينحرف الفقه إما نحو الجمود الحرفي الذي يهمل مصالح الناس ومآلات الأفعال، وإما نحو التسيب الذي يفرغ الأحكام من مضمونها باسم المصلحة.

والفقه الحق هو الذي يسير بين هذين الطرفين، فيجمع بين النص والمقصد، وبين الثابت والمتغير، وبين الانضباط والمرونة.

لقد علّمنا تاريخ الفقه الإسلامي أن أعظم فقهائه هم الذين عاشوا هموم عصرهم، وتفاعلوا مع قضاياه، وأبدعوا حلولًا من داخل المنظومة الشرعية، لا من خارجها.

كانوا يدركون أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأن الأحكام وسائل لا غايات، وأن العدل والرحمة والحكمة قيم حاكمة على كل اجتهاد.

ولذلك لم يترددوا في تغيير فتاواهم عندما يتغير الواقع، ولم يروا في ذلك تناقضًا، بل وفاءً لمقاصد الدين.

أما اليوم، فإن كثيرًا من الفتاوى تبدو وكأنها تعيش خارج الزمن، تتجاهل تعقيد الواقع، وتتعامل مع الناس باعتبارهم نماذج مثالية لا بشرًا بضعفهم وحاجاتهم وضغوطهم.

وهذا ما يفتح الباب أمام نفور الشباب من الخطاب الديني، واتجاههم إلى بدائل فكرية أو روحية أخرى، بحثًا عن معنى وحلول أكثر واقعية.

فحين يعجز الفقه عن مخاطبة أسئلة العصر، يفقد وظيفته الحضارية، مهما كثرت نصوصه ومراجعه.

إن تجاوز هذه الأزمة لا يكون بالشعارات، ولا بمجرد الدعوة إلى “التجديد”، بل بإصلاح عميق في مناهج التكوين، وفي تصور وظيفة الفقيه، وفي العلاقة بين العلم والواقع.

نحن بحاجة إلى فقهاء يُربَّون على التفكير المنهجي، والقراءة المقاصدية، والحوار مع العلوم المعاصرة، والانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية.

فقيه يُدرك أن مهمته ليست فقط بيان الحكم، بل فهم السؤال، وتحليل السياق، واستحضار المآلات، ومرافقة الناس في مسار التغيير.

كما نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للأخلاق العلمية، من تواضع، وشجاعة فكرية، وأمانة في البحث، واعتراف بالنسبية البشرية في الفهم.

فالفقيه الذي يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة، يغلق باب التطور، ويحول الفقه إلى أيديولوجيا جامدة.

أما الذي يدرك أن اجتهاده جهد بشري قابل للصواب والخطأ، فإنه يظل منفتحًا على المراجعة والتكميل.

ولا يقل أهمية عن ذلك بناء جسور الثقة بين الفقهاء والمجتمع، عبر خطاب قريب من الناس، يفهم لغتهم، ويحترم عقولهم، ويتفاعل مع أسئلتهم بصدق وعمق.

فالفقيه ليس واعظًا من برج عاجي، بل شاهدًا على عصره، مشاركًا في آلامه وآماله، حاضرًا في فضاءاته الواقعية والرقمية.

وكلما اقترب من الناس، اقتربوا منه، وكلما صدق في تمثيل قيم الدين، صدقوا في الإصغاء إليه.

إن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست نهاية الطريق، بل فرصة لإعادة البناء.

فالأمة التي أنجبت عبر تاريخها مدارس فقهية عظيمة، وعقولًا اجتهادية مبدعة، قادرة على استعادة هذا الدور متى توفرت الإرادة والوعي والرؤية.

والمطلوب ليس استنساخ الماضي، بل استلهام روحه: روح الفهم العميق، والجرأة المسؤولة، والالتزام بالمقاصد، والوفاء للإنسان.

وفي ضوء ذلك، يصبح الفرق بين الفقيه وراوي الفقه فرقًا بين حياة وجمود، وبين نور وظل، وبين رسالة ورسوم.

فالفقيه الحق هو الذي يملك مفاتيح الفهم، وجرأة الاستعمال، وحكمة التوظيف، فيفتح بها أبواب الواقع المغلقة، ويُدخل إليها نور الشريعة برفق وعدل وبصيرة.

أما الاكتفاء بحمل المفاتيح دون استعمالها، فلن يزيد الأمة إلا تيهًا، ولن يورثها إلا مزيدًا من الفجوة بين الدين والحياة.

وإذا أردنا تجاوز هذه الأزمة، فعلينا أن نعيد الاعتبار للفقيه بوصفه عقلًا حيًا، لا ذاكرة جامدة، ورسول معنى، لا مجرد ناقل نصوص.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك