مرحلة جديدة في العلاقات بين فرنسا وسورية، يجري وضع أسسها وقواعدها ورسم ملامحها بخطوات متسارعة، تختلف في المضمون والشكل، عن تلك التي تم تأسيسها منذ تسلم حزب البعث للسلطة.
هناك قرار فرنسي على تغيير الاتجاه العام الذي قام على سياسة المد والجزر، والتي اختلفت بين رئيس فرنسي وآخر، وكانت في عهد فرانسوا ميتران (1981- 1995) على غير ما درجت عليه خلال رئاسة جاك شيراك (1995-2007)، الذي اقترب أكثر من منطقة الشرق الأوسط بحكم انتمائه إلى تيار الجنرال شارل ديغول، صاحب النظرة السياسة المتوازنة تجاه هذه المنطقة التي عدها معقدة ومتحركة.
ولعبت صداقة شيراك مع رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، دوراً مهماً في تحديد موقفه من حكم رئيس النظام السابق بشار الأسد، خصوصاً إصدار قرار مجلس الأمن 1559 في سبتمبر/أيلول 2004، الذي شكل قوة ضغط على نظام الأسد لسحب قواته من لبنان، وتصحيح العلاقات بين سورية ولبنان لتخرج من منطق الوصاية إلى الند للند.
حصلت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لدمشق في 5 فبراير/شباط الحالي، وسط تسريبات إعلامية بأن الرئيس السوري أحمد الشرع رفض استقبال مكالمة هاتفية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تتعلق بالوضع في منطقة الجزيرة السورية.
وقد ترافق ذلك مع موجة غضب شعبي على وسائل التواصل ضد دعم فرنسا لـ" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
وزاد ذلك بعد تداول خبر يتحدث عن زيارة مقررة لبارو إلى الحسكة لمقابلة قائد" قسد" مظلوم عبدي، وجرى النظر إلى ذلك على أنه خرق للسيادة السورية.
وكتب بعض المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي ينتقد الخطوة.
وتساءل البعض، إذا أراد الوزير الفرنسي أن يساهم في تهدئة الموقف بين الدولة السورية و" قسد" وتطبيق الاتفاق بينهما، فإما أن يلتقيه بدمشق أو في الخارج، وهذا شأنه وشأن عبدي، لكنه أمر غير مريح لدمشق.
وفي السياق ذاته بقيت الأوساط الرسمية تتساءل عن سبب ذهاب بارو إلى أربيل للقاء عبدي، الذي من المفترض أنه حسب الاتفاق أصبح جزءاً من تركيبة الحكم الرسمية.
وفهمت الأوساط السورية الرسمية أن فرنسا متمسكة بـ" قسد"، كما ورد في تصريح الوزير الفرنسي بقوله إن سورية يجب أن تكون موحدة ومتنوعة.
يعد الدور الفرنسي في سورية محدوداً، وباريس تتحرك لتبقى في المشهد لحماية مصالحها.
تتمثل الحجة الفرنسية في أن بارو قام بجولة في المنطقة، تشمل سورية ولبنان والعراق، وتهمه علاقات الأطراف الثلاثة مع بعضها البعض.
ومن بين أهداف تحركه لعب دور على صعيد تقريب وجهات نظرها من بعض القضايا، مثل ترسيم الحدود بين سورية ولبنان والتعاون الاقتصادي بين سورية والعراق، وكذلك في ما يخص معتقلي تنظيم داعش.
وترى باريس أن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و" قسد" يُعدّ أفضل فرصة متاحة للطرفين، وأن الدبلوماسية الفرنسية تعمل على تقريب وجهات النظر بينهما لإنجاح هذا الاتفاق.
وهي ليست منحازة لطرف، بل قريبة من الطرفين بالقدر نفسه.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه بخطوات تجاه السلطة الجديدة بدمشق لا يمكن لها طي صفحة عشر سنوات من المعارك المشتركة مع" قسد" ضد" داعش".
وقد تحدثت مصادر رسمية فرنسية عن جهود لتطبيق الاتفاق الذي كان ضرورياً من أجل استمرار مكافحة" داعش" وتأمين السجون، وأن فرنسا ستواصل نقل الرسائل بين الطرفين.
أما زيارة أربيل فهي ضمن شراكة مع قيادة إقليم كردستان العراق في ضرورة ابتعاد عبدي عن حزب العمال الكردستاني، وأنه تم نقل هذه الرسالة بوضوح لعبدي في اللقاء معه.
وقد تجاوب مع فرصة التخلص من نفوذ حزب العمال الكردستاني، و" التصرف بوصفه رجل سياسة، وليس فقط جنرالاً"، على حد تعبير مصدر دبلوماسي فرنسي تحدث إلى وسائل الإعلام أخيراً.
نفي وجود توتر بين الشرع وماكرون.
الموظفة في وزارة الخارجية السورية سالي شوبط صححت الصورة في حديث مع قناة" تلفزيون سوريا"، ونفت أن يكون هناك أي توتر بين الشرع وماكرون.
وقالت: بالعكس كان هناك تواصل جيد في الفترة الأخيرة، وماكرون أبدى استعداده للمساعدة في الملفين الرئيسيين في منطقة الجزيرة السورية.
وأكدت أن الوزير الفرنسي بحث خلال زيارة دمشق نقطتين، تطبيق الاتفاق بين الدولة و" قسد"، ووضع معتقلي" داعش"، وعملية الترحيل للعراق، والسجون، والمخيمات الخاصة بأهالي المعتقلين المتهمين، والسجناء الفرنسيين، الذين يقارب عددهم 400.
في كافة الأحوال يعد الدور الفرنسي في سورية محدوداً، وباريس تتحرك لتبقى في المشهد ولحماية مصالحها، وفي صالحها تحقيق الاستقرار في المنطقة، وتعمل الآن على إصلاح علاقتها مع الدولة السورية الجديدة، آخذة في عين الاعتبار أنها خسرت، سابقاً، بسورية، لأنها كانت تعتبر نفسها حليفة وحامية الأقليات، ومن بينهم الأكراد، الذين دعمتهم مادياً وعسكرياً، وفتحت لهم مكاتب تمثيلية في باريس.
وفي الوقت الذي كانت فيه العلاقات سيئة مع نظام بشار الأسد في عهود شيراك وفرانسوا هولاند وماكرون، فإن عهد نيكولا ساركوزي كان الاستثناء الوحيد، وكان هدفه من التقارب مع الأسد تحقيق اختراق في التطبيع بين سورية وإسرائيل.
موقع فرنسا الراهن بسورية ليس بالمثالي لعدة أسباب.
هي ليست على علاقة جيدة مع الطرفين الأساسيين المؤثرين، صاحبي الثقل السياسي والعسكري والأمني، أميركا وروسيا، وسط تصعيد أميركي إيراني واحتمال نشوب حرب واسعة.
وحتى في ما يتعلق باستضافة المحادثات السورية الإسرائيلية، التي وصلت إلى حالة جمود بعد خمس جولات، فإن دورها ليس وسيطاً، بل هي بلد مستضيف ليس له أي تأثير أو فعل في مجرياتها.
علاوة على ذلك، فهي أمام استحقاقات مهمة، إذ إنها على بعد عام تقريباً من انتخابات رئاسية وتشريعية ساخنة جداً، لكنها تبدو مصممة أن يكون لها دور سياسي وحضور اقتصادي في هذا البلد الذي تكونت فيه نخبة فرانكوفونية واسعة.
وأمام هذا المشهد تفاوض فرنسا على مكانة خاصة، وهي تفكر بالمستقبل الواعد لسورية وموقعها في الشرق الأوسط.
وقد تكوّن لدى الدبلوماسيين الفرنسيين انطباع عن حيوية السلطة الجديدة، وهناك من يرى ضرورة أن تراجع باريس نفسها بعد كل هذا الوقت والتسليم بأن سورية لم تعد محكومة من أقلية مدعومة من إيران، وأن انتهاكات" قسد" لا يمكن تغطيتها أو التساهل معها، ومن ذلك قمع أهل المنطقة العرب ونهب عائدات الجزيرة السورية من نفط وحبوب وقمح لمدة عشر سنوات.
وتقوم المراجعة على أرضية أنه لن يكون في وسع فرنسا الاعتماد على منظمة خارج الدولة.
الإعلام الفرنسي يتباكى على تراجع وضع" قسد"، ولكن السلطة تتصرف من منطلق آخر، وهو حساب المصالح في ظل حركة الاستثمارات التي تتجه نحو سورية وخصوصاً من السعودية وقطر.
وقد برزت مسألة مهمة جداً تتعلق بعلاقة الأسد مع اليمين المتطرف، الذي زاره عدة مرات، وكان يروج له في منابره الخاصة، مثل قناة" سي نيوز"، على أنه علماني وحامٍ للأقليات بوجه التطرف السني.
وقد قامت أوساط يمينية متطرفة بدعم مليشيات" الدفاع الشعبي"، كما تورطت بعض الشركات في قضايا تخص الإرهاب، مثل قضية شركة الإسمنت" لافارج" التي وصلت للقضاء الفرنسي، والمتهمة بدفع ملايين اليوروهات لجماعات مصنّفة" إرهابية" لضمان استمرار العمل في مصنعها للإسمنت شمال سورية.
تتصرف السلطة الفرنسية من منطلق حساب المصالح في ظل حركة الاستثمارات التي تتجه نحو سورية.
ماذا على باريس أن تفعل كي تصلح علاقاتها مع سورية؟ سؤال ينتظر الإجابة، ولا سيما أن الدولة السورية منفتحة على ذلك، وهي تثمن أن فرنسا هي أول دولة غربية دعت الشرع لزيارتها، ونظمت لقاء دولياً حول سورية، واستقبلت المفاوضات الأمنية مع إسرائيل، وهناك اهتمام ثقافي كبير، من مدارس ومراكز ثقافية وتاريخ مشترك وجالية سورية فرانكوفونية تعيش بين البلدين، وهي وازنة على المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
كل ذلك يلعب دوراً في تطوير العلاقات وفتح آفاق مستقبلية بين الدولتين.
تدرك سورية أهمية فرنسا على المستوى الدولي.
وترى أوساط سورية مراقبة أنه يتوجب على فرنسا أن تحسم موقفها إلى جانب أحد المشروعين، بناء دولة موحدة ومركزية قوية كما هو حال فرنسا نفسها، قائمة على مؤسسات تعمل بطريقة تشاركية، أو دولة محاصصة طائفية عرقية ضعيفة يكون فيها لرجال الدين والطوائف والأقليات سلطة على القرار.
ولا بد أنها تلاحظ انتشار السلاح خارج الدولة والمجموعات المسلحة غير المنضبطة، والتي يعمل بعضها بتهريب المخدرات والسلاح، وهو ما يفتح المجال أمام التوترات الداخلية والتدخلات الإقليمية.
وبالتالي فإن الدولة هي ضمانة الجميع، والمنطق الطائفي والعرقي لا يؤدي لبناء دولة ولا إلى حماية الأقليات، بل يثير مخاوف الأكثرية ويهز ثقة السوريين بعضهم ببعض.
من المنتظر زيارة قريبة للرئيس الفرنسي إلى دمشق، هي الأولى منذ زيارة ساركوزي عام 2008، والتي كان الهدف منها فك العزلة الدولية على نظام الأسد المتهم باغتيال الحريري.
ومن المتوقع أن يرافق ماكرون وفد كبير، يتشكل من رؤساء الشركات الكبرى المعنية بالاستثمار في سورية، وذلك باعتباره مدخلاً لفتح صفحة جديدة بين البلدين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك