لعلّ من أهمّ وأنفع ما ينبغي لكلّ عبد مسلم حريص على لين قلبه وطمأنينة روحه في الدّنيا، وعلى نجاته وفوزه في الآخرة، أن يحسن استغلال رمضان في عقد مصالحات ضرورية لا غنى له عنها؛ أوّلها وأعظمها وأهمّها وأنفعها: مصالحته مع خالقه ومولاه الذي يدعوه في كلّ ليلة ليفرّ إليه ويتصالح معه ويستغفره ويسترحمه.
والمولى –سبحانه- رحيم بعبده الذي يطلب الصلح معه –جلّ في علاه-، يقبل منه التوبة ويعفو عنه ويفرح به ويبدّل سيّئاته حسنات: ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُون))، ويبدّل حاله من ضيق وقلق وهمّ وغمّ، إلى انشراح وفرح.
ويحقّق لهم ما يؤمّل ويعطيه ما يرغب؛ ففي الحديث القدسيّ: “وعزتي وجلالي، لا يكون عبد من عبيدي على ما أكره، فينتقل عنه إلى ما أحبّ، إلا انتقلت له ممّا يكره إلى ما يحبّ”.
يُروى أنّ العبد الصّالح معروفَ الكرخي، سئل: كيف اصطلحت مع ربك؟ فقال: بقبولي موعظة ابن السماك -رحمه الله-.
قيل: وكيف؟ قال: “كنت مارًا بالكوفة، فدخلت مسجدًا أبتغي صلاة العصر، وبعد الصلاة وجدت رجلاً يعظ الناس، فقلت في نفسي: لأَجلسْ وأستمع، وكانت عليه علامات الهيبة والوقار، فكان مما قال: “من كان مع الله تارة وتارة، كان الله معه تارة وتارة، ومن أعرض عن الله، أعرض الله عنه، ومن أقبل على الله بكُليته، أقبل الله –سبحانه- بكامل رحمته عليه”، فأدهشني كلامه ووقع في قلبي، وقلت: إنْ مكنني ربي لأفوزن بأعلاها؛ فأقبلت على ربي بكُليتي، فأقبل ربي علي بواسع رحمته وعطائه.
ومَن نقَلَه الله مِن ذلِّ المعاصي إلى عزِّ التّقوى، فقد أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس”.
إنّ أعزّ لحظة وأهنأها وأسعدها للعبد، هي تلك اللحظة التي يتصالح فيها مع ربّه ومولاه الكريم.
لحظةٌ أهمّ وأسعد من لحظة ميلاده ولحظة نجاحه ولحظة زواجه وكلّ لحظات حياته.
تستحقّ أن يحفرها العبد في ذاكرته ويدوّنها في مذكّراته ويحتفي بذكراها.
تلك اللحظة التي يقول فيها العبد بقلبه وروحه ولسانه: ((يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِين))، وهو يستحضر أمامه ذنوبه العظيمة ويستذكر غفلته وتقصيره.
هذه العبارة إن لم يقلها العبد في هذه الدّنيا، سيقولها يوم القيامة بعد فوات الأوان: ((وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِين)).
ولعلّ من أفضل وأنفع الأوقات التي يتحسّر فيها العبد على تفريطه في جنب مولاه، شهر رمضان: شهر التوبة والإنابة والغفران، الذي تفتّح فيه أبواب الجنان وتغلّق أبواب النيران، وينادي مناد من قِبل الله: “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك