يتصاعد التوتر العسكري على الحدود الأفغانية–الباكستانية بوتيرة تنذر بانفجار أمني أوسع، في ظل تبادل للغارات الجوية والاتهامات بين الجانبين، ودعوات إقليمية ودولية عاجلة لضبط النفس ووقف إطلاق النار.
أكدت باكستان تنفيذ غارات على مدن كابول وقندهار وولاية باكتيكا فجر الجمعة، في ما وصفته بأنه رد على هجمات عبر الحدود أسفرت عن مقتل جنديين باكستانيين، وتتهم إسلام آباد عناصر من حركة طالبان الأفغانية بتنفيذ عمليات انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.
الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري أشاد بما وصفه بـ" الرد الشامل والحاسم"، مؤكداً أن بلاده لن تتهاون مع أي تهديد أمني، كما شدد رئيس الوزراء شهباز شريف على أن القوات المسلحة" قادرة على سحق أي طموحات عدوانية"، وبحسب المتحدث باسم الحكومة الباكستانية، قُتل أكثر من 130 عنصراً من طالبان وأصيب العشرات، مع تدمير مواقع عسكرية وآليات ثقيلة، في المقابل، نفى المتحدث باسم حركة طالبان ذبيح الله مجاهد وقوع خسائر بشرية، مؤكداً أن الغارات لم تسفر عن إصابات.
من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع التابعة لحركة طالبان سيطرتها على مواقع عسكرية باكستانية وقتل عشرات الجنود، وهي أرقام يصعب التحقق منها بشكل مستقل في ظل القيود الإعلامية المفروضة على جانبي الحدود.
يرى محللون أن التصعيد الأخير ليس معزولاً عن سياق أوسع من الخلافات التاريخية حول" خط دوراند" الحدودي، الذي لم تعترف به الحكومات الأفغانية المتعاقبة رسمياً، كما تتهم باكستان كابول بغض الطرف عن نشاط" حركة طالبان باكستان" المناهضة لإسلام آباد، بينما تنفي طالبان الأفغانية السماح باستخدام أراضيها ضد أي دولة.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، شهدت الحدود المشتركة حوادث متكررة، شملت اشتباكات مسلحة وإغلاق معابر تجارية، ما أثر على حركة البضائع واللاجئين في واحدة من أكثر المناطق هشاشة اقتصادياً وأمنياً في آسيا.
في خضم التصعيد، برزت تحركات دبلوماسية متسارعة، فقد أعربت الصين عن" قلقها البالغ" إزاء التطورات، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصينية" شينخوا" عن المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينج، التي شددت على ضرورة احتواء الخلاف عبر الحوار.
كما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده للوساطة، داعياً إلى" تيسير الحوار" بين الطرفين وحل الخلافات بروح حسن الجوار، ودولياً، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى الالتزام بالقانون الدولي، مع التركيز على حماية المدنيين، بينما حث المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك على الحوار وخفض التصعيد، كما طالب المقرر الأممي الخاص بأفغانستان ريتشارد بينيت بالهدوء واحترام القانون الدولي الإنساني.
يحذر خبراء أمنيون من أن استمرار المواجهات قد يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة، ويهدد مشاريع إقليمية للطاقة والتجارة، فضلاً عن إمكانية استغلال جماعات مسلحة أخرى لحالة الفوضى.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تعاني فيه أفغانستان من أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة، بينما تواجه باكستان تحديات أمنية داخلية وضغوطاً اقتصادية متزايدة، ما يجعل أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة مكلفاً للطرفين.
تتراوح التوقعات بين احتواء سريع عبر وساطة إقليمية تقود إلى تهدئة مؤقتة، أو استمرار الضربات المتبادلة ضمن نمط" الردع المحدود".
غير أن غياب قنوات اتصال عسكرية مباشرة وارتفاع الخطاب السياسي الحاد يزيدان من مخاطر سوء التقدير.
في المحصلة، تقف المنطقة أمام مفترق طرق، إما تثبيت معادلة ردع جديدة عبر التفاوض، أو الانزلاق نحو دورة عنف قد تتجاوز حدود البلدين، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك