في مسيرته السينمائية الممتدة، لطالما انشغل المخرج النرويجي يواكيم ترير بتفكيك أزمات الوجود والوحدة والبحث المستمر عن الهوية، وهو ما تجلى بوضوح في ثلاثية أوسلو التي اختتمها بفيلمه الشهير أسوأ شخص في العالم.
لكنه في فيلمه الأحدث" قيمة عاطفية" (Sentimental Value) المرشح لجوائز الأوسكار الشهر القادم، يخطو خطوة أبعد نحو نضج فني استثنائي، مغادرا مساحات التخبط الشبابي ليدلف إلى منطقة أكثر وعورة وتعقيدا؛ منطقة العائلة، والميراث النفسي، والخط الرفيع جدا الذي يفصل بين الفن كأداة للتعافي والفن كفعل استغلالي لصوصي.
يقدم ترير في هذا العمل دراما نفسية مكثفة لا تكتفي بسرد حكاية عائلية، بل تطرح تساؤلات فلسفية حارقة حول أخلاقيات الإبداع وطبيعة الذاكرة البشرية.
تبدأ الحكاية من نقطة تبدو مألوفة في الدراما العائلية؛ أب غائب يعود إلى حياة أبنائه.
في العاصمة النرويجية أوسلو، التي طالما كانت المسرح الأثير لقصص ترير، تعيش الشقيقتان نورا وأجنيس حياة مثقلة بظلال ماض عائلي مشوه.
نورا ممثلة مسرحية موهوبة تحاول شق طريقها متجاوزة صدماتها، بينما تكافح أجنيس للحفاظ على ما تبقى من روابط أسرية هشة.
تتعقد الأمور بشكل درامي مع عودة والدهما جوستاف، المخرج السينمائي الذي خبا نجمه وغاب عن بناته لسنوات طويلة.
لا يعود جوستاف طالبا للغفران فحسب، بل يعود حاملا نصا سينمائيا يعتبره طوق نجاته الأخير وتحفته الفنية المنتظرة.
الصدمة هنا تكمن في أن هذا النص ليس سوى تفريغ حرفي ومؤلم لتاريخ العائلة المأساوي، وتحديدا قصة انتحار والدته، أي جدة الفتيات.
تصل الحبكة إلى ذروة تأزمها عندما يعرض جوستاف على ابنته نورا لعب دور البطولة في هذا الفيلم.
ترفض نورا هذا العرض القاسي، معتبرة إياه استباحة لآلامهم الخاصة وتحويلها إلى سلعة جماهيرية.
أمام هذا الرفض، يتخذ الأب قرارا يجمع بين الرعونة والعبقرية المشوهة؛ إذ يستعين بممثلة هوليودية شابة ومشهورة لتجسيد الدور، ويقرر أن يتم التصوير داخل منزل العائلة القديم.
من هذه النقطة، يتحول الفيلم من مجرد دراما عائلية إلى مواجهة نفسية طاحنة، بل وميتا-سينما (سينما داخل السينما) تضع الشخصيات والمشاهدين أمام مرايا عاكسة ومربكة.
أحد أعمق الجوانب التي يمكن التوقف عندها نقديا في هذا الفيلم هو المفهوم الذي يحمله العنوان قيمة عاطفية.
عادة ما نطلق هذا المصطلح على الأشياء المادية القديمة التي لا تحمل قيمة مالية تذكر، ولكنها تعني لنا الكثير لارتباطها بذكرى أو شخص عزيز.
لكن ترير يقلب هذا المفهوم رأسا على عقب، ليجعله تساؤلا عن قيمة الألم الإنساني نفسه.
هل يمكن للفن أن يضفي قيمة حقيقية وجمالية على المعاناة، أم أنه يسرق هذه القيمة ويسطحها بمجرد تحويلها إلى منتج استهلاكي يخضع لمعايير السوق وشباك التذاكر؟ الفيلم يضعنا أمام هذه المعضلة الأخلاقية دون أن يمنحنا إجابات جاهزة، تاركا المتلقي يتأرجح بين التعاطف والإدانة.
شخصية الأب جوستاف تمثل محورا أساسيا في هذا التشريح النقدي.
هو ليس مجرد تجسيد لنموذج الأب المهمل أو الغائب، بل هو تجسيد حي لمفهوم الفنان الأناني الذي تبتلعه نرجسيته الإبداعية إلى الحد الذي يجعله مستعدا للتضحية بأقرب الناس إليه على مذبح الفن.
ترير يبني هذه الشخصية ببراعة شديدة، فهو يجعلك تتفهم رغبة المخرج العجوز في استعادة أمجاده وتحقيق خلوده الفني قبل فوات الأوان، وفي الوقت ذاته تشعر بالحنق والاشمئزاز من استغلاله البشع لتاريخ ابنته وجدتها.
هذه المنطقة الرمادية هي التي تمنح الفيلم ثقله الدرامي وتجعل من الصراع فيه صراعا غير تقليدي.
على التوازي، يقدم الفيلم صراعا آخر لا يقل أهمية بين الأصالة والزيف.
تجبر نورا على مشاهدة نسخة سينمائية مزيفة من مأساة عائلتها تتجسد أمام عينيها.
الممثلة الأمريكية التي تحاول تقمص الدور بأساليب التمثيل المنهجي المصقولة، تقف على النقيض تماما من الحياة الحقيقية الخام والموجعة التي عاشتها نورا.
هذا التناقض يطرح سؤالا حول قدرة السينما على نقل الحقيقة، وهل يمكن للأداء مهما بلغ إتقانه أن يعادل ثقل التجربة الإنسانية المعاشة؟ نورا تجد نفسها في موقف سريالي حيث تراقب آلامها يعاد إنتاجها بكاميرات وإضاءة وحركة مخرج، مما يجبرها في النهاية على مواجهة الحقيقة العارية التي كانت تفر منها، بعيدا عن كل الأقنعة الفنية التي يحاول والدها فرضها على الواقع.
لا يمكن الحديث عن فيلم قيمة عاطفية دون التوقف عند المكان، وتحديدا منزل العائلة القديم.
المخرج يواكيم ترير يتعامل مع هذا المنزل ليس كمجرد موقع تصوير أو خلفية للأحداث، بل كشخصية رابعة وفاعلة في القصة.
الزوايا التي يختارها، وطريقة تسلل الضوء من النوافذ، والظلال التي تكسو الأثاث القديم، كلها تفاصيل بصرية تنجح في خلق شعور بكثافة الزمن وثقل الذكريات.
المكان هنا مشبع بالماضي، وكل غرفة تحمل صدى صرخة أو همسة قديمة.
هذا الاستخدام الذكي للذاكرة المكانية يبرز فكرة الميراث النفسي وكيف أن الصدمات تتسرب في الجدران كما تتسرب في الجينات عبر الأجيال المتتابعة.
على مستوى الأداء، يرتكز الفيلم على مباراة تمثيلية وصفت في العديد من الكتابات النقدية بأنها مبارزة عاطفية من الطراز الرفيع بين رينات رينسف في دور نورا، وستيلان سكارسجارد في دور الأب.
المثير للإعجاب أن أقوى اللحظات بينهما لم تكن تلك التي تعلو فيها الأصوات بالصراخ أو العتاب، بل كانت في مساحات الصمت الطويلة.
النظرات المتبادلة التي تحمل طبقات متراكمة من الخذلان، والغضب، والحنين المختنق، والتوق إلى مغفرة تبدو مستحيلة.
الصدق الشعوري في هذه المشاهد يؤكد على قدرة ترير على إدارة ممثليه ببراعة ودفعهم للتعبير عن أعقد الحالات النفسية بأقل قدر من الحوار المباشر.
فيلم قيمة عاطفية يمثل تتويجا لمسار يواكيم ترير السينمائي، وهو عمل يفكك مفهوم العائلة والمغفرة ويطرح أسئلة صعبة حول دور الفن في حياتنا.
هل يشترط لكي نتجاوز آلامنا أن ننساها، أم أن تحويلها إلى عمل فني هو السبيل الوحيد للتصالح معها؟ الفيلم يتركنا مثقلين بهذه الأسئلة، مؤكدا بأسلوبه الذي يمزج بين الواقعية الاسكندنافية القاسية وروح الموجة الفرنسية الجديدة، أن القيمة الحقيقية للأشياء وللأشخاص لا تكمن في كمالهم، بل في شروخهم وهشاشتهم، وأن السينما عندما تتخلى عن زيفها التجاري وتغوص في عمق الروح البشرية، تصبح قادرة على إحداث أثر لا يمحى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك