سمية جوابرة سجينة بيتها منذ أكثر من 850 يوماً.
الصحافية الفلسطينية في نابلس تعيش إقامة جبرية مفتوحة المدة فرضها الاحتلال الإسرائيلي، حوّلت منزلها إلى سجن يومي يُحظر عليها مغادرته أو الاتصال بالعالم عبر هاتف محمول أو إنترنت.
اعتُقلت جوابرة (33 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 حين كانت حاملاً في شهرها السابع، عقب استدعائها للتحقيق في مركز شرطة الاحتلال في مستوطنة أريئيل، وذلك بعد حملة تحريض واسعة شنّتها قناة تابعة لمستوطنين على تطبيق تليغرام، تُعرف باسم" صائدو النازيين"، واتهمتها بنشر منشورات" تحريضية".
وبعد سبعة أيام، أُفرج عنها بشروط مشددة، وفق ما يفيد به زوجها الصحافي طارق يوسف السركجي" العربي الجديد".
إذ فُرض عليها حبس منزلي مفتوح المدة مقابل كفالة مالية قيمتها عشرة آلاف شيكل، مع حظر التحدث إلى وسائل الإعلام أو استخدام الإنترنت أو امتلاك هاتف محمول، والاكتفاء بخط أرضي لإجراء المكالمات.
كما أُلزم زوجها ووالدتها بمراقبة تنفيذ هذه الشروط، تحت طائلة غرامة قد تصل إلى خمسين ألف شيكل في حال الإخلال بها، على أن يُعاد اعتقالها فوراً إذا خالفت أياً من القيود المفروضة عليها.
ويشير السركجي إلى أن الإفراج عن زوجته لم يكن عودة طبيعية إلى حياتها كما يحدث مع بقية المحرَّرين، بل بداية مرحلة جديدة من القيود الصارمة التي تتحكم في تفاصيل يومها، مؤكداً أن تلك الشروط حرمتها من ممارسة عملها الصحافي، بل وحتى من اللعب بحرية مع أطفالها في باحة المنزل.
ويضيف أن أكثر ما يثقل كاهل سمية جوابرة هو الأثر المباشر لهذه القيود على أطفالها الأربعة الذين يكبرون في واقع استثنائي تُحاصَر فيه والدتهم داخل المنزل، من دون قدرة على العمل أو التواصل بحرية.
فحرمانها من استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي لا يقتصر على تعطيل نشاطها المهني، بل يحدّ أيضاً من تواصلها الاجتماعي والإنساني، ويعمّق عزلتها.
ومن المواقف القاسية التي تعيشها سمية جوابرة بشكل شبه يومي، بحسب زوجها، وقوفها عند باب المنزل لتوديع أطفالها وهم يتوجهون إلى المدرسة، من دون أن تتمكن من مرافقتهم خطوة واحدة إلى الخارج أو الاطمئنان عليهم لحظة صعودهم إلى الحافلة.
ويقول السركجي: " فعلياً لم تغادر زوجتي منزلنا منذ عامين ونيف إلا مرات قليلة معدودة، إحداها للولادة، والبقية لمتابعات طبية في المستشفى.
مرّت أربعة أعياد والخامس على الطريق من دون أن تزور منزل عائلتها، وغابت عن والديها في أثناء مرضهما، ولم تستطع مشاركة شقيقتها فرحتها بزفافها، ولا حضور حفل تخرّج شقيقتها الأخرى من الثانوية العامة.
".
وعن تدبير شؤون المنزل واحتياجات الأطفال وعلاجهم وشراء ملابسهم ومستلزماتهم، يقول السركجي: " إذا مرضت هي أو أحد الأطفال، لا تستطيع فتح الباب أو الذهاب إلى الطبيب.
أما احتياجاتهم المدرسية والمنزلية، فتتولاها أخواتي أو والدتي".
ويوضح السركجي أن ملف زوجته لا يزال مفتوحاً حتى اليوم، في ظل مماطلة الاحتلال في البتّ فيه.
فقد أبقت لائحة الاتهام على الحبس المنزلي لأجل غير مسمّى، من دون تحديد سقف زمني، رغم أن المدة القانونية القصوى لمثل هذا الإجراء لا تتجاوز 18 شهراً.
ويضيف: " سألنا أكثر من جهة قانونية ومحامين، بعضهم قال إن المدة انتهت، لكن من دون ورقة رسمية من المحكمة لا يمكننا المخاطرة بخروجها.
الاحتلال يتعامل بازدواجية، وحتى المحامون أنفسهم غير متأكدين من الوضع القانوني".
من جهته، يشرح المحامي أسامة حديدي أن حالة سمية جوابرة تُعد استثناءً في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي يُحاكم فيها الأسرى الفلسطينيون، إذ نادراً ما يُستخدم فيها إجراء الحبس المنزلي، بخلاف ما يحدث في القدس وداخل الخط الأخضر.
ويوضح: " اتُّخذ القرار لأنها كانت حاملاً وقت الاعتقال، ولم تكن الجهات المختصة تعرف كيف تتعامل مع حالتها، فصدر القرار بموافقة النيابة العامة وسُمّي (حبساً منزلياً)، لكنه في جوهره كان إجراءً شكلياً أكثر من كونه قانونياً".
ويشير حديدي إلى أن هذه ليست الحالة الأولى في الضفة الغربية، رغم أن الاحتلال لا يعتمد عادة الحبس المنزلي في إطار المحاكم العسكرية، بل في القدس والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948.
إلا أن ما بعد الحرب الأخيرة على غزة شهد ظهور حالات مشابهة، خصوصاً بين النساء والأطفال، بديلاً عن الاعتقال الفعلي.
ويؤكد أن خطورة هذا الإجراء لا تقتصر على تقييد الحركة، بل تمتد إلى محاولة تكريس هذه السياسة، وما تخلّفه من آثار نفسية واجتماعية عميقة، موضحاً أن" تحويل البيت إلى سجن هو من أكثر أشكال الاعتقال تعقيداً، لأن الشخص يُعاقَب في بيئته الخاصة ويعيش قيداً نفسياً واجتماعياً دائماً".
من جانبها، تؤكد مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة أن مخاوف عائلة جوابرة من إعادة اعتقالها في أي لحظة مبرَّرة، في ظل غياب أي ضمانات قانونية فعلية تحول دون إعادة اعتقالها.
وتكشف سراحنة، في حديثها لـ" العربي الجديد"، عن وجود عدد من الحالات المشابهة في الضفة الغربية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، معظمها لنساء وأطفال أُفرج عنهم بشروط قيدت حركتهم ومنعتهم من استخدام وسائل الاتصال أو التواصل الاجتماعي.
غير أنه لا تتوفر حتى الآن إحصاءات دقيقة بشأن هذه الحالات، بسبب غياب التوثيق المنتظم وصعوبة المتابعة القانونية في ظل ظروف الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك