لا أنحاز إلى الرأى الذى يحمّل الفن مسئولية مباشرة تجاه المجتمع، أو يطالبه بلعب دور تربوى أو توجيهى.
فإقحام هذا الدور فى العمل الإبداعى غالباً ما يقيّده، ويحوّله إلى خطاب أكثر منه حالة إبداعية.
أتعامل مع الفن باعتباره حالة إبداعية ورؤية، قد تكتفى بالترفيه وصناعة الدهشة، وقد تحمل فى تجارب أخرى طرحاً فكرياً يطرح أسئلة وليس شرطاً أن يقدّم إجابات.
مع ذلك، لا يمكن أن أنكر أن الفن جزء أساسى من تشكّل علاقتى بمعنى وحب الوطن.
هو الجسر الذى عشت من خلاله أحداثاً وتفاصيل لم أعاصرها زمنياً: نكبة فلسطين 1948، ثورة يوليو 1952، ألم النكسة، وفرحة الانتصار.
أحداث عرفناها وعِشنا أثرها عبر الشاشة، من خلال السينما والأعمال الدرامية.
تعلّمت منذ الطفولة أن الكيان الصهيونى عدو، حين شاهدت مجزرة مدرسة بحر البقر فى أفلام مثل «العمر لحظة» و«حكايات الغريب».
وشعرت بالخذلان ووجع الهزيمة ومرارتها فى أعمال مثل «الرصاصة لا تزال فى جيبى» و«العصفور».
والفخر بالانتصار من أفلام وثقت تلك اللحظة الفيصلية والمهمة فى تاريخ الوطن.
لم أزامنها، لكننى أفتخر بها.
«صحاب الأرض»: الغزاوية ليسوا مجرد أرقام.
كل ما سبق هو تأكيد على أن الفن، وإن كان فى جوهره مساحة للترفيه والإبداع وصناعة الدهشة، إلا أنه يظل جزءاً أصيلاً من تشكيل مشاعرنا، وإحدى أدوات توثيق اللحظات الفارقة، وكشف الحقائق، وفضح الزيف.
وهو المنهج الذى ينتهجه الاحتلال الصهيونى الذى يحاول نيل التعاطف عبر ترويج روايات كاذبة، ومحاولة الظهور فى موقع الضحية.
وفى السنوات الأخيرة، شاركت عشرات الأفلام التى تناولت حرب الإبادة التى يتعرّض لها الشعب الفلسطينى فى مهرجانات سينمائية مختلفة، حاملة رسالة واحدة واضحة أن أهل غزة ليسوا مجرد أرقام فى نشرات الأخبار، ولا مجرد حصيلة يومية للشهداء، بل بشر لهم حياتهم، وأحلامهم، وتفاصيلهم الإنسانية.
غير أن هذه الأفلام، رغم أهميتها، تظل محصورة فى نطاق المهرجانات وجمهورها المحدود.
من هنا تبرز الدراما التليفزيونية بوصفها الوسيط الأكثر انتشاراً وتأثيراً، سواء عبر شاشة التليفزيون أو المنصات الرقمية، والأقدر على الوصول إلى قطاعات أوسع من الجمهور.
وإذا كان المحتل يلجأ إلى تزييف الوقائع، ولعب دور الضحية، والتغطية على ما يرتكبه من مجازر، فإن مسئولية الفن هنا تتجاوز الترفيه، لمسئولية توثيق الحدث، وتثبيت الحقيقة، مهما تعدّدت محاولات الطمس والتزييف.
وخلال السنوات الماضية، وضعت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على عاتقها مهمة إنتاج أعمال ذات طابع وطنى، تنوعت بين توثيق الجهود التى تبذلها مؤسسات الدولة، وعلى رأسها رجال الأمن، فى مواجهة مخططات التنظيمات الإرهابية التى استهدفت زعزعة استقرار الوطن.
كما اتجهت مؤخراً هذه الأعمال إلى توثيق جريمة الإبادة الجماعية التى يرتكبها الاحتلال الصهيونى بحق الشعب الفلسطينى فى غزة، منذ طوفان الأقصى فى أكتوبر 2023 وحتى الآن، سواء عبر مسلسل «مليحة» الذى عُرض قبل عامين فى الموسم الرمضانى، أو من خلال مسلسل «صحاب الأرض» المشارك فى الموسم الرمضانى الحالى.
يأتى وجود بيتر ميمى كمخرج، بعد تجربته فى مسلسل «الاختيار» بأجزائه الثلاثة، كعنصر يضيف ثقلاً وخبرة فى التعامل مع الدراما ذات الطابع الوطنى، خاصة فى إدارة المشاهد التى تتطلب بناء إيقاع قائم على التوتر والصدام، من دون السقوط فى فخ المباشرة أو الخطابة.
ويتكامل ذلك مع تجربة عمار صبرى كمؤلف، ومحمد هشام عبية المسئول عن تطوير السيناريو، حيث يعتمد السرد على الموازنة بين الحدث السياسى والمصير الإنسانى للشخصيات.
وعلى مستوى التمثيل، يأتى اختيار منة شلبى لتجسيد شخصية طبيبة مصرية كرهان على أداء يقوم على نقل المشاعر الإنسانية بصدق ومن دون افتعال.
الأمر نفسه على حضور إياد نصار، فيما تزداد مصداقية العمل بمشاركة أسماء فلسطينية مثل كامل الباشا وآدم بكرى.
وعلى مستوى الصورة، تعتمد مشاهد المستشفيات والإصابات والتفجيرات على خلق حالة بصرية تضع المشاهد داخل الحدث، كجزء من التجربة نفسها، وهو ما يُعزّز الإحساس بالخوف والارتباك.
نجح «صحاب الأرض» فى الوصول إلى شريحة واسعة من المشاهدين داخل مصر وخارجها، مستنداً إلى طرح إنسانى يرصد جانباً من واقع الحياة فى غزة تحت القصف، من خلال مشاهد تعكس حجم الانتهاكات التى يتعرّض لها المدنيون، من قتل للأبرياء وتدمير للمستشفيات.
هذا الطرح لم يمر دون ردود فعل غاضبة من الجانب الإسرائيلى، إذ واجه المسلسل هجوماً حاداً قبل عرض حلقاته الأولى، سواء على مستوى الإعلام أو الخطاب السياسى، فى محاولة للتشكيك فى محتواه، ومهاجمته، وهو ما يؤكد أن الفن، إلى جانب كونه مساحة للترفيه، يمكن أن يتحول إلى ردٍ مباشر فى مواجهة أدوات الدمار والإبادة.
«رأس الأفعى: رجال الظل».
مواجهة التطرف معركة مستمرة.
تواصل الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ترسيخ حضورها فى مساحة الدراما ذات الطابع الوطنى، عبر إنتاج أعمال تسعى إلى تفكيك آليات الجماعات المتطرّفة، وكشف البنى الخفية التى تعمل على زعزعة الأمن والاستقرار داخل الدولة، وهو ما شاهدناه فى أعمال سابقة، مثل «الاختيار» بأجزائه المختلفة، و«هجمة مرتدة»، و«العائدون».
وفى الموسم الرمضانى الحالى، يأتى مسلسل «رأس الأفعى: رجال الظل» مستنداً إلى وقائع حقيقية، ومحاولاً تقديم قراءة درامية جديدة للعناصر الإرهابية، مع التركيز على الشبكات والأفكار التى تُغذى العنف والإرهاب، وكيف يتصدى رجال الأمن لهذه المخططات فى مواجهة التنظيمات المتطرفة.
مع التركيز على القيادات التى تدير المشهد من الخلف، تتحكم فى التمويل والتخطيط وآليات التحركات السرية لهذه الجماعات.
خلف الكاميرا، يجمع المسلسل بين المؤلف هانى سرحان والمخرج محمد بكير، بينما يقف أمامها أمير كرارة فى دور مراد عز الدين، وأحمد غزى فى دور النقيب حسن.
وتتشكّل العلاقة بين الشخصيتين تدريجياً داخل جهاز الأمن الوطنى، عبر مطاردات وعمليات متتابعة تكشف طبيعة العمل الأمنى بعيداً عن الصور النمطية، مع التركيز على الجهد المستمر فى مواجهة الإرهاب.
ويأتى حضور شريف منير فى شخصية محمود عزت، القيادى فى جماعة الإخوان، كأحد أهم رهانات العمل الدرامية، نظراً لحساسية الشخصية وتأثيرها داخل بنية الجماعة وصراعاتها الداخلية.
وقد لفت الانتباه بتحضيره للشخصية إلى جانب الماكياج المميز للشخصية، بما يخدم بناءها الدرامى.
وكذلك تقديم الجانب التوثيقى الذى لا يقل أهمية عن الأحداث الدرامية فى المسلسل، باعتبارهما عنصرين متكاملين، لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر فى بناء خطاب المسلسل ورسالته.
فى النهاية، يمثل الرهان على «صحاب الأرض» و«رأس الأفعى: رجال الظل» تأكيداً على قدرة الشركة المتحدة للإعلام على تقديم دراما وطنية تجمع بين توثيق الحقائق والبعد الإنسانى، ضمن قالب درامى متكامل على مستوى الصورة والسيناريو والإخراج والتمثيل.
كما يعيد ذلك التأكيد على أن الفن، إلى جانب دوره الترفيهى، يظل أداة فاعلة، وسلاحاً ناعماً فى مواجهة روايات تقوم على طمس الحقيقة وتشويهها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك