في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ومع استمرار تداعيات الحرب في قطاع غزة، اختار المغرب أن يعلن استعداده للانخراط في ترتيبات ما بعد النزاع ضمن مجلس سلام يُعنى بإدارة المرحلة الانتقالية.
هذا التوجه عرضه وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، موضحًا في كلمته خلال الاجتماع المنعقد اليوم الخميس أن المغرب يلتزم بشكل كامل بالرؤية المطروحة لتحقيق السلام، مشيرًا إلى أن المملكة بادرَت بتقديم مساهمة مالية وُصفت بالتاريخية لفائدة مجلس الأمن، دعمًا للمشاريع المرتبطة بالاستقرار وتعزيز الأمن.
وأضاف أن هذه الخطوة تعكس الدور الذي تضطلع به المملكة في دعم الأمن الإقليمي والدولي، وترجمة تعهداتها إلى إجراءات عملية ملموسة على المستويين السياسي والميداني.
ولا يمكن قراءتها باعتبارها مبادرة تقنية محدودة، بل تعبيرًا عن رؤية سياسية متكاملة تسعى إلى وضع المملكة داخل هندسة الاستقرار المقبلة، في لحظة يُعاد فيها رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط.
المغرب، الذي راكم تقليدًا دبلوماسيًا ثابتًا في دعم القضية الفلسطينية، يتحرك انطلاقًا من رصيد تاريخي ورمزي يتعزز برئاسة الملك محمد السادس لـلجنة القدس المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي.
غير أن السياق الحالي يختلف عن المحطات السابقة، إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على بيانات الإدانة أو الدعوات إلى وقف إطلاق النار، بل انتقل إلى سؤال من سيدير غزة بعد الحرب، وكيف يمكن منع الفراغ الأمني، وبأي أدوات يمكن إعادة بناء الثقة داخل مجتمع أنهكته المواجهات.
إعلان المغرب استعداده لإيفاد عناصر من الشرطة لتدريب القوات المحلية والمشاركة بضباط في قوة استقرار دولية محتملة يعكس رغبة واضحة في الانتقال من مستوى التضامن السياسي إلى مستوى الفعل التنفيذي.
فالمرحلة الانتقالية في بيئات ما بعد النزاع تتطلب مؤسسات أمنية مهنية، قادرة على فرض النظام دون الانزلاق إلى منطق الانتقام أو إعادة إنتاج العنف.
ومن خلال هذا العرض، يبعث المغرب رسالة مفادها أنه يمتلك الخبرة التقنية التي راكمها في عمليات حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة، وقادر على توظيف هذا الرصيد في سياق معقد مثل غزة.
غير أن المبادرة لا تقتصر على بعدها الأمني.
فإعلان إنشاء مستشفى ميداني وإطلاق برامج لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز قيم التسامح يعكس فهمًا أعمق لطبيعة النزاعات الحديثة، التي لا تخلّف فقط دمارًا ماديًا، بل تُنتج انقسامات نفسية واجتماعية عميقة.
فإعادة الإعمار في غزة لا يمكن أن تختزل في إعادة بناء البنية التحتية، بل تحتاج إلى إعادة ترميم النسيج المجتمعي، ومعالجة آثار الصدمة الجماعية، وخلق فضاءات للحوار والمصالحة.
ومن هنا، تبدو المقاربة المغربية قائمة على الربط بين الأمن الصلب والأمن الإنساني، بما يمنحها طابعًا شمولياً.
دوافع المغرب في هذا السياق متعددة ومتشابكة.
فمن جهة، يسعى إلى تعزيز شرعيته الرمزية في الملف الفلسطيني، وترجمة موقعه داخل لجنة القدس إلى مبادرات ملموسة.
ومن جهة أخرى، يدرك أن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد إعادة توزيع للأدوار الإقليمية، وأن الدول التي تحجز لنفسها مكانًا في ترتيبات الاستقرار ستكون أكثر قدرة على التأثير في المسار السياسي اللاحق.
فالانخراط المبكر يضمن للمغرب الحضور داخل دوائر التشاور وصياغة الحلول، بدل الاكتفاء بمتابعة نتائجها.
كما يندرج هذا التحرك ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز صورة المملكة كفاعل وسطي قادر على الجمع بين المبدئية والواقعية.
ففي بيئة إقليمية يغلب عليها الاستقطاب، يراهن المغرب على تقديم نفسه كشريك يمكنه التواصل مع أطراف متعددة والمساهمة في بناء أرضيات توافقية.
هذا التموضع لا يخلو من حسابات مرتبطة بالمكانة الدولية، إذ يمنح الرباط رصيدًا إضافيًا في علاقاتها مع القوى الكبرى، ويعزز حضورها في الملفات الأمنية متعددة الأطراف.
ومع ذلك، فإن نجاح أي مجلس سلام في غزة سيظل رهينًا بعوامل تتجاوز الإرادة المغربية وحدها.
فالمعادلة ترتبط بمدى قبول الأطراف الفلسطينية بترتيبات انتقالية جديدة، وبموقف إسرائيل من أي وجود أمني دولي أو عربي داخل القطاع، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية لتفادي انتقال التوتر.
كما أن غياب أفق سياسي واضح قد يُفرغ الجهود الأمنية والإنسانية من مضمونها إذا لم تُدمج ضمن مسار سياسي شامل.
في المحصلة، يعكس انخراط المغرب في مجلس السلام في غزة محاولة للجمع بين الالتزام التاريخي بالقضية الفلسطينية والقراءة الواقعية لتحولات الإقليم.
إنها مبادرة تسعى إلى تحويل الرصيد الرمزي إلى فعل مؤثر، وتثبيت موقع المملكة كفاعل قادر على المساهمة في صياغة ترتيبات ما بعد النزاع.
وبين البعد الإنساني والبعد الاستراتيجي، يتحرك المغرب في مساحة دقيقة، عنوانها الموازنة بين دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز حضوره في نظام دولي يتغير بسرعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك