في كتابها «أسئلة ملحة»، ذكرت الكاتبة الكندية مارغريت آتوود، أنها حين زارت براغ عام 1984، وكانت لا تزال تخضع لرقابة مشددة في ظل الحكم الشيوعي، سمعت عن شاب اختار قراءة أعمال كافكا بصوت عالٍ في زاوية شارع.
مَن أسروا لها بهذا اعتبروه فِعلا جريئا للغاية، ولفت نظرهم أن الشاب لم يُقبَض عليه حتى لحظة حكيهم عنه، ربما لأن السلطة نظرت إليه كمجنون لا ضرر منه.
لم تُشِر آتوود إلى معلومات أخرى عن هذا الشاب، ولنطلق عليه ك.
لكنني انشغلتُ به منذ قرأت عنه، وراقني سد ثغرات قصته عبر الخيال، وإضافة تفاصيل من قبيل أنه لم يكتف بفِعل القراءة لمرة، أو مرات قليلة متباعدة، بل حوله إلى طقس داوم عليه، وانتقل به من حي إلى آخر، ومن زاوية إلى أخرى، قاصدا بهذا نشر طيف كافكا وكلماته في أرجاء براغ، في عصرٍ طال فيه ليلها، وتشابهت حياة أهلها مع العوالم الفني لابنها الأشهر.
سألتُ نفسي: ما الذي يدفع شخصا ما إلى المخاطرة بقراءة نصوص كاتب مغيَّب وممنوع في فضاء مدينة تنكرت له؟ مؤكد أنه لا يستهدف جمهورا محتملا، بما أن لا أحد تقريبا سيجرؤ على التوقف للاستماع وإبداء إعجابه بما يُقرَأ، في سياق سياسي وثقافي يعادي الكاتب ويعتبره عدميا مخربا.
اعتبرت هذا القارئ المجهول أخلص قراء كافكا، بل هو القارئ الذي يحلم به كل كاتب؛ لأنه يمنح مَن يقرأ له صوتا، في زمنٍ توافق فيه أصحاب السلطة على تغييبه وإلقائه في هاوية النسيان.
وأيا كانت دوافعه، فقد تماهى تماما مع الكاتب التشيكي وتمثله، لدرجة أنه هو نفسه صار نصا كافكاويا، أو فنانا آخر يستبدل بلعبة الجوع فِعل قراءة عام لكاتب مستبعد.
فمِن بين نصوص كافكا كلها وجدت نفسي أستحضر قصة «فنان جوع».
فإن كان بطلها احترف تجويع نفسه لإمتاع جمهور غير عابئ به، فقد وصل هذا القارئ المجهول بالقراءة إلى مستوى الفن، وعرض فنه في مجال عام على جمهور غير مكترث به، أو خائف من التوقف أمامه.
لكنه غالبا لم ينتبه إلى انصراف الجمهور عنه، بل لم يرغب في مستمعين من الأساس.
طمح فقط إلى استعادة رمزية لكاتب مفضل، أو أراد التواصل معه عبر حاجزي الموت والزمن، وبعثه حيا، بإطلاق كلماته في الفضاء، أو ربما اتخذ من كافكا وسيلة ورمزا لمقاومة نظام يقهره.
يبدو هذا كله غريبا على مَن يزور براغ في الوقت الحالي ويلمس كيف تحتفي بصاحب «المحاكمة»، محولةً إياه إلى أيقونتها وعلامتها الأهم.
فطيفه يخيم عليها، وبصماته مطبوعة على كل شبر فيها، لدرجة توحي بأن هناك استماتة في استعادته وتكريمه للاعتذار عن عقود من تهميشه، كأن في هذا وحده برهانا على إدارة الظهر لماضٍ قوامه الرقابة والمنع.
وإن كان ثمة جانب آخر لهذا الاحتفاء، ينبغي عدم تجاهله، يتمثل في أن كافكا تحول إلى علامة تجارية لا بد لآلة الرأسمالية من استثمارها.
هكذا تحفل محال بيع التذكارات للسياح، بقمصان وأكواب وحقائب قماشية وأقلام عليها اسمه وصورته؛ تذكارات استهلاكية يُقبِل على شرائها حتى من لم يقرأوا له حرفا واحدا.
لكن خلال عقود الحكم الشيوعي كان الأمر مختلفا.
فعلى الرغم من أن كافكا لم يُنظَر إليه في زمنه ككاتب سياسي، فإنه قُرئ بعد الحرب العالمية الثانية باعتباره كاتبا مناهضا للأنظمة الشمولية.
ولأن أعماله حمَّالة أوجه وتضمر أكثر مما تعلن، كان من السهل توظيف إبداعه توظيفات متنافرة وتأويله على أكثر من وجه.
فالدوائر الغربية تحمست له كمبدع معادٍ للشمولية، ونقمت عليه الأنظمة الشيوعية، إذ اعتبرته كاتبا برجوازيا يكتب أدبا انهزاميا يمثل تهديدا لقيم المجتمع الاشتراكي المأمول، ويحفل بمشاعر الاغتراب والوحدة والذنب.
وفي هذا السياق المعادي مُحيت آثار كافكا، وغُيِّبَت أعماله، بحيث ندر وجودها حتى في مكتبات المختصين، إلّا أنه لم يعدم انفراجات ضئيلة من آن إلى آخر.
فقد صدرت الترجمة التشيكية لـ»المحاكمة» عام 1958، في استفادة من مرونة نسبية تلت موت ستالين وسرعان ما تلاشت، ليعود الموقف من كاتبنا وأعماله كما كان.
وفي عام 1963 عُقِد في ليبليتسه مؤتمر شهير عنه بمشاركة أكاديميين ماركسيين من تشيكوسلوفاكيا ومن خارجها، أبرزهم إدوارد غولدشتوكر.
سعى هؤلاء إلى فهم لماذا اعتبر الشيوعيون كافكا كاتبا إشكاليا، حد اتهامه بتقويض الرؤية الماركسية للعالم، وتضمنت أوراقهم أسئلة من قبيل: هل كتاباته ذات صلة بمجتمعهم في بدايات الستينيات؟ وهل الاغتراب المهيمن على أعماله اغتراب بورجوازي رأسمالي؟ أم أنه صالح للتعبير عن المجتمع الشيوعي؟ أو بكلمات أخرى: هل مشكلة الاغتراب ناتجة عن الرأسمالية وحدها، كما رأى ماركس؟ أم أنها موجودة أيضا في المجتمعات الاشتراكية؟أسهم مؤتمر ليبليتسه في إيجاد موطئ قدم لإبداع كافكا نسبيا في الكتلة الشرقية، لكنه ظل محاطا بالشكوك، بل والرفض في بعض الأحيان.
وحين تُرجِمَت «المحاكمة» إلى الروسية وصدرت عام 1965، كان هناك حرص على التأكيد على أنها منبتة الصلة بالواقع السوفييتي، فمؤلفها يتنبأ فيها بالنازية.
لكن بعد فشل ربيع براغ والغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، مُنِعَت أعمال كافكا مجددا، وكلما تزايد اهتمام الغرب به باعتباره أيقونة مناهضة للشمولية ومتنبئا بالستالينية، ترسخت في أوروبا الشرقية صورته ككاتب بورجوازي تخريبي.
ورغم هذا، حافظ كافكا على مكانته في نفوس الكتاب والمثقفين المعارضين في وطنه، أمثال إيفان كليما وفاتسلاف هافيل وغيرهما، وفي قلوب قلة من القراء المخلصين، مثل ذلك القارئ الغامض الذي اعتاد قراءة نصوصه بصوت عالٍ في شوارع براغ، مخاطرا بتعريض نفسه للاعتقال.
هذه التقلبات التي وسمت رحلة تلقي أدب كافكا عبر الأزمنة المختلفة، وأنظمة الحكم المتغيرة، تخبرنا أن للأدب طرائقه الخاصة والمراوغة في البقاء والمقاومة، لكن بقاءه مشروط بأصالته وتعبيره بصدق عن الإنسان بعيدا عن الدعائية.
فلو لم يرَ حُماة أدب كافكا وحَمَلة إرثه في وطنه أنفسهم في إبداعه، لَمَا حملوه في قلوبهم لينجو من المنع والإقصاء.
لقد قرأوا أعماله، ليكتشفوا فيها مرآة عكست أنهم يعيشون في عالم كافكاوي: يصحو أحدهم فيه وقد استحال ترسا في آلة عملاقة تدهس الفردية وتقولب البشر، ويخمن آخر أن هناك من وشى به فوقع في فخ محاكمة لا يفهم أبعادها أو صار فريسة لاتهامات لا يعرف كنهها، ولا يسعه حتى التنبؤ بمصدرها.
ويجد ثالث نفسه أمام سلطة غامضة منطقها عصي على فهمه.
غير أن المفارقة اللافتة في هذا كله أن كاتبنا أوصى قبل وفاته بحرق مخطوطاته والتخلص من إرثه الأدبي، وعملت أنظمة حكم بدأت من وطنه وامتدت بامتداد الأنظمة الشيوعية على تغييب إبداعه ووصمه بكل التهم المحقِّرة، ومع ذلك ظل هذا الإبداع حاضرا ومعبرا عن آلام البشر واغترابهم.
التدبر في هذه المفارقة يستدعي إلى الذهن جملة الروائي الروسي ميخائيل بولجاكوف: «المخطوطات لا تحترق! » لا لشيء سوى لأنها تنطبق بالفعل على كافكا وإرثه.
فما نعرفه عن رحلة هذا الإرث يخبرنا بأن ثمة مخطوطات عصية على الحرق، وأن ثمة كُتَّابا لأعمالهم إرادة تخصها، إرادة قادرة على التمرد حتى على رغبة مبدعيها في التخلص منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك