انتقلت دائرة الضربات الإيرانية إلى قلب الشرايين الاقتصادية لدول خليجية، وذلك مع سقوط صواريخ وطائرات مسيرة في محيط موانئ ومناطق لوجستية في الإمارات والكويت وعُمان ومحاولات استهداف مواقع محيطة بالعاصمة السعودية الرياض وضرب بنايات في البحرين، ما وضع الحكومات الخليجية التي كانت تراهن على تجنب تحويل المدن الكبرى إلى ميادين مفتوحة للصراع، أمام اختبار اقتصادي صعب.
وامتزجت أصوات الانفجارات في أبوظبي ودبي مع تحذيرات مبكرة عن تهديدات مباشرة لمنشآت مدنية واقتصادية، بما يتجاوز مجرد رد عسكري إيراني" رمزي"، وقد ينعكس تدريجياً على أسعار النفط، وتكاليف الشحن، وثقة المستثمرين في مجمل اقتصادات الخليج.
وعزز من هذا الأثر أن تداعيات هذه المرحلة لم تقتصر على أبوظبي، بل امتدت إلى قلب نموذج دبي مركزاً لوجستياً وتجارياً عالمياً، إذ سقطت شظايا صواريخ تم اعتراضها في محيط ميناء جبل علي ومنطقة جبل علي للحريات التجارية JAFZA، أكبر المناطق الحرة في الخليج، والتي تربط أكثر من 150 ميناء وتشكل قطباً رئيسياً لحركة البضائع بين آسيا وأوروبا.
وكانت حكومة دبي أعلنت أول من أمس، اندلاع حريق طفيف بالواجهة الخارجية لفندق" برج العرب" الشهير، عقب اعتراض طائرة مسيرة، من دون تسجيل إصابات.
وبحسب وكالة الأنباء العمانية، أمس الأحد، أفاد مصدر أمني بتعرض ميناء الدقم التجاري لاستهداف بطائرتين مسيرتين، أصابت إحداهما سكن عمال متنقلاً، أدت إلى إصابة عامل وافد، فيما سقط حطام الأخرى في منطقة بالقرب من خزانات الوقود من دون خسائر بشرية أو مادية.
يرى خبراء استراتيجيون في مركز GCC Business Watch أن إيران تميل فعلياً إلى خوض ما يصفونه بـ" الاعتداء المحسوب" عبر تهديدات تستهدف رفع تكلفة الشحن والتأمين، وزيادة الضغوط على المستثمرين، من دون الخوض في مواجهة مفتوحة تهدد تجارة الطاقة في الخليج كلها.
ويرجح خبراء المركز أن تستمر هذه الدورات المتقطعة من التصعيد والاسترخاء ما دامت توازنات القوة بين طهران وواشنطن على حالها، لكن مع تأكيد أن أي خطأ في تقييم التهديد أو فشل في اعتراض صاروخ أو طائرة مسيرة يمكن أن يتحول إلى صدمة اقتصادية كبيرة، خاصة إذا كانت الإصابة مباشرة بميناء جبل علي أو مناطق حرة مجاورة.
في هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، عامر الشوبكي، لـ" العربي الجديد"، إلى أن المنطقة تتجه حثيثاً نحو سيناريوهات حرب شاملة مفتوحة العواقب، حيث تملك إيران شبكة واسعة من الأهداف قد تنقل الصراع من مرحلة الاستهداف المحدود للمراكز العسكرية والقيادية إلى مرحلة أكثر خطورة تتسم بالإغلاق الاقتصادي الناتج عن حالة الهلع والترقب.
ويوضح الشوبكي أن التداعيات الأمنية تهدد استقرار منطقة الخليج التي كانت تُعد ملاذاً آمناً، خاصة مع استهداف عواصم دول مجلس التعاون باستثناء مسقط، وهو ما قد يدفع إيران نحو خطوة استراتيجية خطيرة تتمثل في إغلاق الملاحة بمضيق هرمز بشكل كامل، ما يعطل صادرات معظم دول الخليج والعراق، بينما تبقى السعودية هي الدولة الوحيدة القادرة على تحويل جزء من صادراتها (نحو 3 إلى 4 ملايين برميل) عبر أنبوب" شرق-غرب" إلى ميناء ينبع لتجاوز المضيق.
غير أن الخطر يتضاعف في حال تدخل جماعة أنصار الله (الحوثيين) وإغلاق مضيق باب المندب بالتزامن مع إغلاق هرمز، إذ يعني ذلك، بحسب الشوبكي، قطع طريق تصدير نحو 21 مليون برميل يومياً تتجه 80% منها إلى الأسواق الآسيوية، وهو سيناريو يصفه بالكارثي ويتوقع معه قفز أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولاراً للبرميل في أسوأ الحالات، بينما قد تشهد الأسواق افتتاح تداولات الأسبوع الجاري على أسعار تتجاوز 80 دولاراً لمجرد وجود تلويح بقطع الإمدادات.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يرى الشوبكي أن دول الخليج لا تزال تبدو متحفظة في ردات فعلها الحالية، لكن في حال انضمامها الفعلي إلى الحرب عبر فتح قواعدها بالكامل للطيران الأميركي أو المشاركة الرسمية، فسيكون هناك تحول من شأنه نقل الصراع إلى مستويات غير مسبوقة من الخطورة، بحسب تقديره.
في السياق، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ" العربي الجديد"، إلى أن استقرار منطقة الخليج العربي يعتمد بشكل جوهري على سلامة الممرات المائية الحيوية واستدامة تدفقات الطاقة، حيث تشير نماذج المحاكاة الاقتصادية الكلية إلى أن المواجهة العسكرية الراهنة بين إيران والتحالف الأميركي الإسرائيلي ستولد صدمات عنيفة تتجسد أولاً في" علاوة المخاطر الجيوسياسية" التي قد تدفع أسعار النفط إلى هامش يراوح بين 80 و120 دولاراً للبرميل في حال استمرار الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك