مدخل: حين نعود إلى الجابري لفهم ارتباك المواقف.
يتساءل البعض، في خضمّ الجدل المغربي حول الحرب على إيران، عن سرّ هذا التباين الحادّ في المواقف: لماذا يرى بعضهم إيران مظلومة، وبعضهم الإمارات خائنة، وبعضهم لا يعرف أصلاً أين يقف؟ هل هو خلاف سياسي؟ أم أزمة أعمق تتعلق بالهوية وبالدوائر التي نتحرك داخلها؟لفهم هذا الارتباك، لا بدّ من العودة إلى ما كتبه محمد عابد الجابري في مقاله «وبعد… فما الهوية؟ ».
في ذلك النص، يقدّم الجابري حواراً بديعاً يشرح فيه أن الهوية ليست قالباً جامداً، بل دوائر تتسع وتضيق: دائرة الحيّ، ثم المدينة، ثم الوطن، ثم القومية، ثم العقيدة… وكل دائرة تتحرك لتصبح هي المركز حسب الظرف.
ويضرب مثالاً بسيطاً: في كرة القدم، نهتف لفريق الحيّ، ثم لفريق المدينة، ثم لفريق الوطن، ثم لفريق القومية.
لكن حين تتعارض كل هذه الدوائر، نعود دائماً إلى الدائرة الأعمق: الوطن.
ومن هنا خلص الجابري إلى أن الهوية «ثابت متغيّر»: ثابتة لأنك أنت أنت، ومتغيّرة لأن الدائرة التي تعبّر عنك تتبدل حسب السياق.
ثم يضيف فكرة مركزية: لا معنى لـ«نحن» دون «الآخر».
الهوية لا تُعرّف إلا بوجود ما يغايرها خارجها.
هذا الإطار الجابري يساعدنا اليوم على فهم ارتباك المواقف تجاه الحرب على إيران: المشكلة ليست في الموقف… بل في الدائرة التي يضعها كل شخص في مركز هويته.
الحرب على إيران: لحظة تكشف ترتيب الدوائر.
في هذه اللحظة الإقليمية الحساسة، يتساءل البعض: كيف يمكن وضع الإمارات، بتاريخ دعمها الواضح للمغرب، في الكفّة نفسها مع نظام جعفري باع أقرب حلفائه، وسلّم سورية، وساوم على غزة، ثم لا يتردّد في احتضان أطروحات الانفصال؟هنا لا يعود السؤال سؤالَ موقف، بل سؤالَ منطق: هل نقرأ العالم بمنطق الطائفة؟ أم بمنطق العقيدة؟ أم بمنطق القومية؟ أم بمنطق الوطن الذي يفرض ترتيب الأولويات وفق مصلحته العليا؟الحرب على إيران ليست حدثاً عابراً، بل لحظة كاشفة.
لحظة تُظهر أي دائرة من دوائر الهوية يضعها الناس في المركز حين يشتدّ الغبار.
* الهوية الطائفية — تُشتّت الوطن لأنها تُقسّم الناس إلى مذاهب متقابلة.
* الهوية العقائدية — قد تُقسّم الوطن حين تتحول إلى أداة اصطفاف سياسي.
* الهوية القومية — تُضلّل الوطن حين تُرفع بلا مشروع واقعي.
* الهوية السياسية البراغماتية — تجعل السؤال بسيطاً: ما الذي يخدم المغرب؟وهنا يظهر الفرق بين من يقرأ العالم بعين الانفعال، ومن يقرأه بعين الدولة.
لأنهم يبدّلون الدوائر دون وعي.
يضعون الطائفة في المركز حيناً، والقومية حيناً، والعقيدة حيناً، ثم يتساءلون لماذا تضيع البوصلة.
لكن الدول لا تُدار بهذه الطريقة.
الدول تُدار بدائرة واحدة حين يتعلق الأمر بالمصالح العليا: الوطن.
من يضع الوطن في المركز لا يخلط بين الإمارات التي دعمت المغرب في أصعب اللحظات، وبين نظام يتبنّى أطروحات الانفصال ويستثمر في تفكيك الدول العربية عبر الطائفية والميليشيات.
الهوية الوطنية: الدائرة التي لا يجوز التفريط فيها.
الهوية ليست سؤال “من نحن؟ ” فقط، بل سؤال “من هو الآخر؟ ”.
وبالنسبة للمغرب، يبقى هذا السؤال مفتوحاً، لأن «الآخر» ليس ثابتاً، بل يتغيّر بتغيّر السياق، ويتبدّل بتبدّل التهديدات، ويتشكّل وفق ما يهدّد وحدة الوطن أو يحفظها.
وعند هذا الحدّ، يبرز سؤال لا يحتاج إلى جواب صريح، لأن جوابه يفرضه ترتيب الدوائر نفسها:
أيُّ جواب يكون أقرب إلى الصواب والعقلانية حين نعلم أن الطائفة تُشتّت الوطن، وأن العقيدة حين تُستعمل سياسياً تُقسّمه، وأن القومية حين تُرفع بلا مشروع تُضلّله… بينما الوطن وحده هو الدائرة التي تجمع ولا تفرّق؟وسؤال آخر يظلّ معلّقاً، لا نحدّده نحن، بل يحدّده الواقع وحده:
ومن يكون «الآخر» بالنسبة للمغرب… إذا نحن أحسنا ترتيب دوائر هويتنا؟سؤال يترك اللبيب أمام مرآته، ويكشف له أين ينبغي أن يقف حين تشتدّ العواصف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك