الجزيرة نت - عميد الأسرى المحررين في حماس: هكذا أثرنا في القرارات السياسية والتنظيمية خارج المعتقلات قناة الجزيرة مباشر - Medical source: 9 martyrs in Israeli raids on residential apartments in Gaza وكالة شينخوا الصينية - التجارة الصينية: استخدام الولايات المتحدة السيء لضوابط التصدير يعطل سلاسل الصناعة والإمداد العالمية لأشباه الموصلات إعلام العرب - بعد قرار الرئيس حسن شيخ محمود تمديد ولايته.. اشتباكات ومعارك في مقديشو إيلاف - شبح "أكوام أموال" أوباما يطارد ترمب: الأموال المجمدة عقبة في إتفاق إيران CNN بالعربية - تكلفته 850 مليون دولار.. نظرة أولى على "مركز أوباما الرئاسي" الذي استغرق بناؤه أكثر من عقد يني شفق العربية - تركيا تخفض ضريبة الشركات إلى 12.5% للقطاعات الصناعية والزراعية قناة القاهرة الإخبارية - جحيم في الجنوب.. غارات إسرائيلية تضرب النبطية وحزب الله يسحق قوة بمحيط "الشقيف" إيلاف - أخطر رجل عصابات اسكوتلندي يطعن بقرار ترحيله روسيا اليوم - الدفاع التركية: مفاوضات إسرائيل ولبنان يجب أن تقود إلى سلام دائم
عامة

مآسي البحث عن رفات الشهداء «تحت الأنقاض».. أسرة في غزة تغربل التراب بحثاً عن «بقايا بشرية»

الوطن
الوطن منذ 3 أشهر
1

رغم توقف الحرب في غزة، بعد أكثر من عامين من العدوان الغاشم، يعيش الغزاوية مأساة جديدة ربما تكون الأكثر صعوبة، هي البحث عن رفات وبقايا الشهداء تحت أطنان من الأنقاض التي خلفتها قذائف الحرب الإسرائيلية، ...

ملخص مرصد
بعد عامين من العدوان الإسرائيلي على غزة، يعيش الأهالي مأساة البحث عن رفات الشهداء تحت الأنقاض بإمكانيات بدائية، في ظل غياب المعدات الثقيلة وفرق الإنقاذ، مما يحول المواطنين إلى منقبين عن رفات ذويهم بأيديهم.
  • محمود إسماعيل يبحث عن رفات زوجته الحامل وأبنائه الستة تحت أنقاض منزله بغزة
  • طواقم الدفاع المدني تعمل بوتيرة بطيئة بسبب نقص المعدات والوقود
  • مواطن اضطر لتقطيع جثمان والدته إلى ثلاثة أجزاء لانتشالها من تحت الركام
من: محمود إسماعيل ومواطنون آخرون في غزة أين: قطاع غزة

رغم توقف الحرب في غزة، بعد أكثر من عامين من العدوان الغاشم، يعيش الغزاوية مأساة جديدة ربما تكون الأكثر صعوبة، هي البحث عن رفات وبقايا الشهداء تحت أطنان من الأنقاض التي خلفتها قذائف الحرب الإسرائيلية، ففي ظل غياب المعدات وتراكم الخراب، يُجبَرُ الأهالي على أن يكونوا هم الحفارون، بحثاً عن أجساد ذويهم - إن وُجدت - في مشهد يعتصر القلوب.

على مدار شهور طويلة، وبين مئات الأطنان من الركام والحجارة المتناثرة على امتداد حي الصبرة جنوب مدينة غزة، كان محمود إسماعيل، 37 عاماً، الناجي الوحيد من أسرته، يجثو على ركبتيه كل صباح كما لو أنه يؤدي طقساً يومياً لا فكاك منه، يغطي التراب والغبار وجهه وكفيه وملابسه البسيطة، فيما لا تهدأ أنامله عن البحث بين الأنقاض عن بقايا رفات زوجته الحامل وأبنائه الستة الذين مزقتهم إحدى أعنف الغارات الإسرائيلية خلال العدوان على القطاع.

الحي، الذي كان يعجّ بالأصوات والحركة، صار مساحة صامتة من الخراب، بيوت بلا أبواب، جدران بلا أسقف، وشوارع لم يعد يُعرف أولها من آخرها، في هذا المشهد الثقيل، يبدو «محمود» كأنه جزء من الركام نفسه؛ جسد نحيل، عينان غائرتان، وساعدان لا تكفان عن الحفر، لا تتوقف يداه عن الارتجاف وهو يمسك غربالاً معدنياً صغيراً، يملأه بالتراب داخل صحن ذي ثقوب ضيقة، ثم يبدأ بهزه ببطء شديد، تتساقط حبات الرمل المتفحمة من الفتحات واحدة تلو الأخرى، ويبقى في قاع الغربال ما يشبه شظايا داكنة اللون.

عندها يتوقف «محمود»، يحدق طويلاً، ثم يمد أصابعه بحذر شديد ليلتقط قطعة دقيقة لا يعرف إن كانت عظماً أم حجراً، لكنه يحتفظ بها، يضعها جانباً في قطعة قماش بيضاء مهترئة، ثم يعاود النخل من جديد، فيما يلف الصمت المكان إلا من صوت احتكاك الحديد بالحجارة، ونَفَسه المتقطع، لا معدات ثقيلة، ولا فرق إنقاذ، ولا شواهد قبور، مجرد رجل واحد مصاب يحفر في بقايا منزله الذي كان يوماً يعج بالحياة.

يقول الشاب الثلاثيني الذي لم ينزح من محل إقامته طوال عامين؛ هما مدة العدوان الإسرائيلي على القطاع، إنه لم يغادر بيته حين بدأت الأحزمة النارية في السادس من ديسمبر 2023، أي بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب، في ذلك اليوم، حلّقت الطائرات الحربية لساعات طويلة فوق المنطقة، قبل أن تطلق حممها النارية وتسقط الصواريخ والقنابل الخارقة للتحصينات فوق المنازل لتحولها إلى أكوام تراب، يحكي: «لما بلشت الأحزمة النارية وبدأنا نسمع صوت الانفجارات المتتالية وهي تقترب من حارتنا جمعت أولادي وزوجتي اللي كانت حامل في شهرها العاشر ومش قادرين نروح المستشفى عشان تولد، وقلت لها يا أم إسماعيل إحنا هنضل في بيتنا مع بعض مهما كان الثمن، واللي ربنا كاتبه هو اللي هيكون، ودعيت الله واستودعته نفسي وأسرتي وبيتي ومالي».

لم يكن قرار البقاء سهلاً، لكنه كان بالنسبة له تشبثاً بأرضه وكرامته، وبالذكريات التي صنعتها الأسرة بين جدران البيت، بينما كانت رحلة النزوح قطعة من العذاب والذل والسير نحو المجهول: «الرب واحد والموت واحد، بس النزوح ما كنش اختيار مطروح وكلنا كان عندنا نفس الإصرار بالتوكل على الله والبقاء في المنزل».

قبل الحرب كانت أسرة «محمود» هي كل ما يملك، حيث يقضي أغلب وقته بين أطفاله يداعبهم ويستمع إلى حديثهم، فيما كان يعمل طوال اليوم ليعيل أسرته ويوفر احتياجاتهم، فيما لم يخطر بباله أنه بعد نحو ستين يوماً من العدوان ستحدث الفاجعة باستهداف آلة القتل الإسرائيلية البناية المكونة من ستة طوابق في الوقت الذي كان فيه الشاب الثلاثيني موجوداً في منزل شقيقه بالطابق الثالث، وخلال ثوانٍ قليلة تحوَّلت البناية إلى كومة من الركام، واستشهدت زوجته وأبناؤه الستة على الفور، فيما مُحيت أسرة شقيقه المكونة من زوجته وأطفاله الأربعة بالكامل من السجل المدني، أما «محمود» فقد أصيب بنحو عشرين كسراً في أماكن متفرقة بجسده وتحديداً في الكتفين والصدر والظهر والحوض، وبقي عالقاً تحت الأنقاض لأكثر من ثلاثة أيام.

يتابع «محمود» حديثه بينما لا تزال يداه تحركان المنخل الذي بللته الدموع دون أن يشعر: «كنت مستني الموت، ما بعرف الليل من النهار، فقط ألم وخوف وعطش، كل اللي حولي جثث ومهما صرخت ما في حد بيسمعني، المنطقة كانت فاضية وأغلب الناس نزحوا وما كان في إسعاف ولا دفاع مدني، وصوت الصواريخ والقنابل ما بيتوقف»، وبعد أن تمكَّن من تخليص نفسه بصعوبة بمساعدة بعض المارة بدأ بالزحف للبحث عن أسرته، فيما كان لديه أمل بالعثور على أحد منهم لا يزال على قيد الحياة: «كنت بتحرك بشكل بسيط جداً، وظل جسمي ينزف لثلاثة أشهر متواصلة وبقيت دون علاج وكشف طبي طوال تلك الفترة، ورغم ذلك كنت أبذل كل جهدي للبحث عن أحبابي، لأن عقلي كان يرفض فكرة إنهم كلهم استشهدوا وبقيت أنا فقط اللي عايش»، يقول إنه ظل لأيام ينادي بأسمائهم بين الركام ويزيح الحجارة بيديه العاريتين المصابتين، فيما استغرق أحد عشر شهراً من توقيت الإصابة حتى يتمكن من المشي والتنقل دون مساعدة.

ومنذ ذلك اليوم لم يتمكن «محمود» من انتشال شقيقه وأبنائه إلا بعد بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار منتصف أكتوبر الماضي، وكان أول ما فعله هو التوجه إلى ركام المنزل والبحث من جديد، وبعد يومين، عثر على جثمان شقيقه وأطفاله، حيث كانوا عالقين بين سقفين، ما جعل مهمة انتشالهم ممكنة، ودفنهم بكرامة لكنه لم يجد أثراً لزوجته وأبنائه، ويقول: «السبب في عدم العثور عليهم أنهم كانوا في الطابق الأرضي ولما انقصفوا غاصت أجسادهم في التراب وبعد كل هذا الوقت صاروا هما والرمل واحد»، فيما نجح فقط فى انتشال جثمان ابنه الأكبر إسماعيل، 16 عاماً، لأنه بقى على حالته ولم يتحلل، واعتبرها إشارة من الله عز وجل بحسن الخاتمة وبشارة فى الدنيا: «شىء يبرّد قلبى وروحى المحروقة عليهم».

يتذكر «محمود» أقسى اللحظات التى لا تغيب عن ذاكرته، حيث كانت وهو مصاب وممدد على الأرض يرى القطط والفئران تنبش جثامين زوجته وأبنائه وتسحب قطع اللحم البشرى من تحت الأنقاض: «كان كابوس وحاولت أبعدهم بأى عصا أو حجر قريب منى بس ما كنت أتحرك وما كان في إيدى حيلة».

نتلقى يومياً عشرات البلاغات لانتشال رفات الشهداء ولا نملك معدات ثقيلة للتنفيذ.

وحول أزمة انتشال الرفات، قال محمود بصل، المتحدث باسم جهاز الدفاع المدنى فى قطاع غزة، إن ملف الشهداء والمفقودين تحت أنقاض المنازل المدمرة يُعد من أخطر وأصعب الملفات التى تواجه القطاع بعد العدوان الإسرائيلى، لما يحمله من أبعاد إنسانية ونفسية قاسية على آلاف العائلات التى لا تزال تنتظر مصير أبنائها المدفونين تحت الركام.

أوضح «بصل» أن عدداً كبيراً جداً من المنازل التى تعرضت للقصف لا تزال تحتوى تحت أنقاضها جثامين شهداء لم يتم انتشالهم حتى الآن، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على ذويهم الذين يعيشون حالة انتظار مفتوحة بلا نهاية واضحة، مضيفاً: «نتلقى يومياً عشرات البلاغات والإشارات من المواطنين حول هذا الملف، يتساءلون فيها إلى متى سيبقى أبناؤهم تحت الركام، وكيف يمكن لهم أن يدفنوهم بكرامة».

بيّن «بصل» أن الإشكالية الأساسية تكمن فى غياب الإمكانيات الفنية والآليات الثقيلة اللازمة لتنفيذ عمليات الانتشال بشكل آمن وسريع، مؤكداً أن ما هو متوفر حالياً لا يلبى الحد الأدنى من الاحتياجات.

وقال: «لا أبالغ إذا قلت إن عدد الحفارات العاملة فى غزة لا يتجاوز حفارين فقط، أحدهما فى المنطقة الوسطى والآخر فى مدينة غزة، وهو عدد غير مجدٍ إطلاقاً أمام حجم الدمار الهائل».

180 يوماً من الحفر قضاها «محمود» بحثاً عن رفات أسرته.

وحول تفاصيل رحلة البحث، يقول الأب المكلوم إنها بدأت قبل نحو 180 يوماً، تحديداً منذ شهر نوفمبر الماضى، بعد أسبوعين من تنفيذ وقف إطلاق النار، حيث يستيقظ يومياً مع أذان الفجر، يصلى، ثم يرتدى ملابسه البسيطة، ويحمل المنخل وأدوات بدائية للحفر، ويتوجه إلى مكان بيته المهدّم: «بشتغل تقريباً 12 ساعة يومياً من بعد الفجر لحد العشاء، وأحياناً فى ناس طيبين بييجوا يساعدونى بس أغلب الوقت بكون لحالى».

وحتى اللحظة تمكن الشاب الثلاثينى من رفع 350 طناً من الركام والحجارة واستخرج رفات بوزن يقارب كيلو و800 جرام من العظام المفتتة التى لا ملامح لها، يجمعها فى قطع قماش بيضاء بعد تنظيفها من التراب، ثم ينقلها إلى منزله المؤقت ويضعها داخل كفن خاص بالأموات: «مستنى أخلص جمع كل بقايا العظام وبعدين أدفنهم بكرامة عشان ضميرى يرتاح وأقدر أنام بدون ما أقوم مفزوع وأتخيلهم بينادونى من تحت الركام».

استخراج الجثامين بهذه الإمكانيات البسيطة يبقيها تحت الأرض لسنوات.

وتابع «بصل» قائلاً إن طواقم الدفاع المدنى تبذل أقصى ما تستطيع، لكنها تعمل بوتيرة بطيئة للغاية بسبب نقص المعدات والوقود والوسائل التقنية اللازمة لرفع الركام بأمان.

وأضاف: «إذا بقينا على هذا الحال، فإن إنهاء هذا الملف سيستغرق سنوات، وليس أشهراً».

أكد «بصل» أن جهاز الدفاع المدنى يطالب المجتمع الدولى بشكل عاجل بإدراك خطورة الوضع فى غزة، وتوفير المعدات الثقيلة اللازمة لطواقمه من حفارات ورافعات وآليات متخصصة فى أعمال الإنقاذ ورفع الأنقاض، لافتاً إلى أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد أى تقدم حقيقى فى هذا الملف، ولم يُسمح بإدخال المعدات المطلوبة وبالتالى فإنهم مضطرون للعمل بالوسائل البدائية المتاحة: «كأننا نسير كالسلحفاة أمام كارثة إنسانية كبرى».

نخلت بالغربال 85% من أنقاض 200 متر مربع وجمعت كيلو و800 جرام من أبنائى وزوجتى كلهم فى كفن واحد.

فيما شارفت رحلة «محمود» فى البحث على الانتهاء، تمكن من غربلة نحو 85% من مساحة شقته التى كانت تبلغ 200 متر مربع.

وفى كل مرة يقترب فيها من زاوية جديدة، يشعر بأنه يقترب من ذكرى جديدة، غرفة النوم، المطبخ، زاوية لعب الأطفال، وكلها صارت مجرد تراب مختلط برائحة الحريق، وخلال أيام البحث الطويلة، لم يتوقف لسانه عن ترديد دعاء واحد، كأنه وثيقة اعتراف أخيرة أمام الله: «اللهم إنى أشهدك وأشهد ملائكة عرشك وأشهد عبادك الصالحين أنى بحثت عن زوجتى وأبنائى وحاولت أن أنتشلهم بنفسى وبجسدى المصاب، ونزلت تحت مستوى الأرض أكثر من تسعة أمتار، ولم يبق موضع قدم إلا بحثت عنهم، ولم أر فى شقتى أثراً يقربنى لهم إلا سواد الحرق والنيران التى التهمت أجسادهم الضعيفة… فاللهم إنى راضٍ، فأكرم نزلهم، وحرّم النار عليهم، وإن بقيت جثة أحدهم فى أى مكان آخر فاللهم رد لى ضالتى، والحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين».

أما اليوم فيقف «محمود» وحيداً فى حى تحوّل إلى خرائط من الدمار، البيوت التى كانت تضج بالأطفال صارت حفراً صامتة.

وبينما يحلم كثيرون بالرحيل، لا يرى هو طريقاً إلا العودة كل صباح إلى الركام، ينخل التراب حبة حبة، كأنه يعيد ترتيب ذاكرته المكسورة، ويمنح من أحبهم حقهم الأخير فى قبر يحمل أسماءهم بدل أن تظل أجسادهم مجهولة فى باطن الأرض.

وحول حالة «محمود» وطريقته الاستثنائية فى البحث عن الرفات قال «بصل» المسئول عن الدفاع المدنى إن الطواقم تلقت بلاغاً منه منذ الأيام الأولى لنسف المبنى الذى كانت تقيم فيه أسرته بالكامل، مضيفاً: «كان على تواصل دائم معنا، يطلب منا إخراج أبنائه من تحت الركام، لكننا كنا عاجزين عن تنفيذ ذلك فى ظل غياب الإمكانيات والآليات الثقيلة».

أشار «بصل» إلى أن هذا الأب اضطر فى النهاية إلى التعامل مع المأساة بأبسط الأدوات اليدوية، وتمكن من استخراج بعض الرفات بنفسه، فى مشهد يعكس حجم اليأس والعجز الذى تعيشه العائلات فى غزة.

لكنه حذر فى الوقت نفسه من المخاطر الكبيرة التى تحيط بمثل هذه المحاولات الفردية، موضحاً أن هناك احتمالية لانهيار أجزاء من المبانى المدمرة فوق من يقوم بالحفر، إضافة إلى خطر انتقال العدوى نتيجة التعامل غير الآمن مع جثامين متحللة منذ فترات طويلة دون أى وسائل وقاية صحية، مؤكداً أنّ حالته ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف الحالات المشابهة فى مختلف مناطق قطاع غزة، حيث تنتظر عائلات بأكملها تدخّل الدفاع المدنى لانتشال ذويها ودفنهم وفق الشعائر الدينية والإنسانية.

وقال: «الآلاف يعلقون آمالهم علينا، لكن هذا لن يتحقق إلا بالسماح بإدخال المعدات الثقيلة والضرورية لإنهاء هذا الملف».

من جهته قال غازى المجدلاوى، الناشط فى ملف توثيق المفقودين فى قطاع غزة، إن آلاف الشهداء ما زالوا تحت أنقاض منازلهم والمبانى التى لجأوا إليها هرباً من القصف، فى واحدة من أكثر الملفات الإنسانية قسوة وتعقيداً بعد حرب الإبادة التى شنها الاحتلال الإسرائيلى على المدنيين فى القطاع.

وأوضح «المجدلاوى» أن الاحتلال يواصل عرقلة عمل طواقم الدفاع المدنى والمتطوعين، خاصة فى المناطق المصنفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وهى مناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، ما يحرم آلاف العائلات من حقها فى انتشال جثامين ذويها ودفنهم بكرامة.

وأشار إلى أن هذا التعطيل المتعمد أجبر العديد من الأهالى على اللجوء إلى وسائل بدائية وخطيرة لانتشال رفات أحبائهم، فى ظل غياب المعدات الثقيلة، ومنع إدخال الآليات اللازمة لرفع الركام، قائلاً: «نشهد يومياً مشاهد لا يمكن للعقل أو القلب استيعابها، حيث يتحول المواطن العادى إلى منقّب تحت الأنقاض، مستخدماً يديه وأدوات بدائية بحثاً عن عظام أسرته».

وأضاف الناشط الفلسطينى أن هناك ازدواجية صارخة فى المعايير، حيث وفر الاحتلال عقب انتهاء العمليات العسكرية كل الإمكانيات التقنية واللوجيستية لاستخراج جثث القتلى من الأسرى الإسرائيليين داخل قطاع غزة، فى الوقت الذى يُترك فيه الفلسطينيون لمصيرهم تحت الركام دون أى دعم أو حماية.

أحد المواطنين قطع جثمان والدته العالقة تحت الأنقاض ليتمكن من انتشالها فى جباليا.

ولفت إلى أن من أكثر المشاهد قسوة قصة أحد المواطنين الذى لجأ إلى غربلة الرمال بحثاً عن بقايا عظام أفراد أسرته الذين استشهدوا قبل نحو عامين، فى محاولة يائسة لجمع ما تبقى منهم ودفنه، واعتبر «المجدلاوى» أن هذه الواقعة تختصر حجم المأساة التى يعيشها سكان القطاع، وتعكس مدى الانهيار الإنسانى الذى وصل إليه الوضع، وتابع أن مأساة أخرى وقعت فى مخيم جباليا شمال القطاع، حين استشهدت عائلة كاملة تحت أنقاض منزلها، واضطر أحد أفرادها إلى الحفر لعدة أيام بأدوات بسيطة، حتى تمكن من الوصول إلى جثمان والدته، إلا أن تراكم طبقات الإسمنت فوق جسدها حال دون إخراجها كاملة، ما دفعه إلى تقطيع الجثمان إلى ثلاثة أجزاء لدفنها، فى مشهد وصفه بأنه جريمة نفسية مستمرة بحق الأحياء قبل أن تكون بحق الشهداء.

وأكد «المجدلاوى» أن استمرار بقاء آلاف الجثامين تحت الأنقاض لا يشكل فقط أزمة إنسانية، بل كارثة صحية وبيئية تهدد حياة السكان، مطالباً بفتح ممرات آمنة أمام طواقم الإنقاذ وإدخال المعدات الثقيلة بشكل عاجل وتمكين فرق الطب الشرعى من أداء مهامها دون قيود، وختم بالقول: «كرامة الإنسان لا تنتهى باستشهاده، وحق العائلات فى وداع أبنائها ودفنهم بسلام هو حق أصيل تكفله كل القوانين الدولية، لكن ما يجرى فى غزة اليوم يكشف حجم التواطؤ والصمت الدولى أمام مأساة غير مسبوقة فى التاريخ الحديث».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك