مثلما توقعنا قبل أسبوع، وحيث بقي الحكم الإيراني متصلباً في موقفه من رفض الالتزام بإنهاء تخصيب اليورانيوم ورفض التفاوض في شأن صواريخه البالستية، فقد واجه بذلك «خطر ضربة عسكرية قد تخلق حالة تهدّد النظام برمّته، وقد يكون مآلها خروج خامنئي من المسرح بصورة أو بأخرى».
وقد خلصنا إلى أن الضربة الأمريكية القادمة «مخططة بحيث تستهدف علي خامنئي بالذات ومعه رؤوس «المتشددين» في النظام الإيراني، على أمل أن تفتح إزاحتهم الطريق أمام رضوخ حكم طهران لمشيئة واشنطن».
(«لعبة الدجاجة بين واشنطن طهران؟ »، القدس العربي، 24/2/2026).
وقد شرحنا أيضاً كيف يندرج تعامل دونالد ترامب مع إيران في النهج الذي طبّقه بنجاح في فنزويلا والقاضي بالعمل على «تغيير سلوك النظام»، عوضاً عن «تغيير النظام» على غرار ما سعت إليه إدارة جورج دبليو بوش باحتلال العراق سنة 2003 («لا… لم يتبنّ ترامب سياسة تغيير النظام»، “القدس العربي”، 26/1/2026).
بيد أن فرقاً كبيراً بين حالتي فنزويلا وإيران هو أن واشنطن كانت على صلة بأرباب النظام في البلد الأول ومدركة أنهم سوف ينصاعون لمشيئتها متى مارست ضغطاً قوياً عليهم وأزاحت رئيسهم نيكولاس مادورو باختطافه.
أما في إيران، فإن هيمنة النظام ورقابته على أربابه أقوى بكثير بحيث أن مخاطرة بعضهم بالتفاهم مع واشنطن في الكواليس أعظم بكثير.
ثم إن اختطاف مرشد الجمهورية الإيرانية لم يكن وارداً، كما أن القضاء عليه وحيداً ما كان كافياً ليغيّر مسار النظام في جميع الأحوال.
لذا فإن العملية الأمريكية ضد إيران أكبر وأعقد بكثير من العملية التي استهدفت فنزويلا.
فما هي إذاً غاية إدارة ترامب في إيران؟ دعنا نكرر أولاً أنها ليست «تغيير النظام» كما يستمر في تأكيده من لا يفطنون الفرق الشاسع بين السياسة المذكورة كما تجلت في احتلال العراق وعمليات عسكرية واسعة النطاق، لكنّها غير مصحوبة بأي نية في احتلال إيران (إن كان ذلك ممكناً بالأساس، والحال أنه أمرٌ يحتاج إلى مجهود حربي هو أقرب إلى حربي كوريا وفيتنام منه إلى احتلال العراق المنهك في عام 2003، وهو ما تعجز عنه الإدارة الأمريكية سياسياً ولا تريده أصلاً).
وكل ما بدا عن ترامب يسير في النهج الموصوف أعلاه، بل وصل إلى حد طمأنته العمود الفقري للنظام الإيراني، ألا وهو فيلق «الحرس الثوري»، بأنه يضمن لهم «مناعة كاملة» لو أوقفوا الحرب واستسلموا لمشيئة واشنطن.
الخناق اشتدّ على نظام الملالي بحيث لم يعد قادراً على مواصلة سلوكه السابق، اللهمّ إلّا إذا فضّل المتشددون تحويل البلاد إلى دكتاتورية مطلقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك