في المشهد السياسي الغربي المعاصر، تتحول الرموز إلى أدوات فعالة في التعبئة الجماهيرية وإنتاج خطاب هوياتي، وتكمن قوة هذه الرموز في قدرتها على اختزال قرون معقدة من التاريخ في أيقونات بسيطة، قابلة للتداول بسرعة في الساحات العامة والفضاء الرقمي، ما يمنح الحركات السياسية عمقاً تاريخياً وإحساساً بالاستمرارية.
في بريطانيا مثلاً، يبرز صليب القديس جورج، وهو عبارة عن راية بيضاء يتوسطها صليب أحمر، كان أحد أبرز الشعارات التي رفعت خلال تظاهرة شهدتها لندن في سبتمبر/ أيلول الماضي.
هذه المظاهرة التي تجاوز عدد المشاركين فيها نحو 100 ألف شخص دعا إليها الناشط اليميني المتطرف ستيفن ياكسلي لينون، المعروف بتومي روبنسون، حيث رفع المتظاهرون عشرات اللافتات التي تحمل الصليب الأحمر، الذي تعود جذوره إلى فترة الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر، حيث ارتداه الفرسان الإنكليز دليلاً على إيمانهم، وبات لاحقاً راية وطنية لإنكلترا.
في السياق الراهن، يتحول هذا الصليب إلى أداة تعبئة ذات دلالة إقصائية، تُستخدم للدلالة على الهوية الإنكليزية الأصلية في مواجهة الهجرة والتعدد الثقافي، وقد رصدت تقارير صحافية بريطانية في عامي 2023 و2025 تحوّل هذا الرمز إلى علامة متكررة في فعاليات مناهضة لطالبي اللجوء، خصوصاً بعد الجدل حول إسكان مهاجرين في فنادق ومراكز إيواء مؤقتة.
بساطة الصليب البصرية، تجعل منه شعاراً سريع التداول، قابلاً للطباعة على الملابس واللافتات، وسهل التحويل إلى صورة رقمية تنتشر على منصات التواصل.
اتخذ استدعاء العصور الوسطى في الولايات المتحدة، طابعاً مختلفاً خلال اقتحام مبنى الكابيتول في يناير/ كانون الثاني 2021.
كان هذا المشهد أشبه بأداء بصري هجين يخلط بين مجموعة من الأيقونات المتباينة، فإلى جانب شعارات حركة QAnon والعلم الكونفدرالي الذي حمله بعض المقتحمين داخل أروقة الكونغرس، ارتدى بعض المشاركين خوذاً وأزياء تستحضر صورة المحارب القديم أيضاً، ممزوجة بملابس شبه عسكرية معاصرة.
هذا المزج صاغ صورة مركبة لحارس الأمة الذي يدافع عن فكرة أسطورية لوطن مهدد من الداخل والخارج.
يتحول الصليب الأحمر إلى أداة تعبئة ذات دلالة إقصائية.
أما في ألمانيا، فالمشهد مختلف جذرياً بسبب ثقل التاريخ النازي والقيود القانونية الصارمة.
فبينما تُحظر الرموز النازية صراحةً، تلجأ بعض الجماعات اليمينية إلى استحضار رموز أقدم وأقل مباشرة، لكنها تحمل الإيحاء نفسه، ففي معظم التظاهرات التي تنظمها جماعات اليمين المتطرف ترفع لافتات تُستحضر صورة أوروبا المسيحية، إلى جانب أعلام الإمبراطورية الألمانية (1871–1918)، ذات الألوان الثلاثة، والتي يتوسطها النسر الأسود.
كذلك يظهر استخدام الرموز الجرمانية القديمة التي وظفتها النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
فعلى سبيل المثال يستخدم حزب" البديل من أجل ألمانيا" في حملاته الانتخابية تصميماً لرمز جرماني معروف باسم" أودال" ضمن شعارات أخرى تدعو إلى حماية الوطن، في استدعاء ضمني للتراث الجرماني.
وهكذا تتحول هذه الرموز الجرمانية إلى بدائل بصرية ملتبسة، تُستخدم في منشورات الأحزاب اليمينية وفي الميمات الرقمية لترسيخ فكرة الجذور الجرمانية دون تجاوز الخط الأحمر القانوني.
ويأتي النسر الأسود ذو الرأسين، بوصفه أحد الرموز المشتركة والشائعة بين عدد من التيارات اليمينية في أوروبا، لارتباطه تاريخياً بالإمبراطورية الرومانية المقدسة.
ففي فبراير/ شباط الحالي، ظهر هذا الرمز في الاحتجاجات التي شهدتها مدريد ضد مقترحات لتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين.
في تلك التظاهرات، التي شاركت فيها شخصيات مرتبطة بحزب فوكس الإسباني، رُفع هذا الرمز المعبر عن القوة والسيادة والاستمرارية التاريخية، الهدف هنا إنتاج سردية استعادة السيادة في مواجهة التغير الديمغرافي والضغوط الثقافية القادمة من شمال أفريقيا وأميركا اللاتينية.
في كتابه" الجذورة الإثنية للأمم" يقدم عالم الاجتماع البريطاني أنتوني سميث ما عُرف باتجاه" الإثنورمزية"، وهو منظور يركز على دور الأساطير الجماعية والذكريات التاريخية والرموز الثقافية في تشكّل الأمم الحديثة.
ويشير إلى أن الأمم الحديثة تستند في بنائها الرمزي إلى أساطير وذكريات سابقة للحداثة.
هذا ما يفسر قابلية النسر أو الصليب أو الرمز الجرماني للتحول إلى أدوات سياسية معاصرة، فهي توفر عمقاً زمنياً يمنح الخطاب السياسي شعوراً بالاستمرارية والجذور الضاربة في التاريخ، حتى لو جُرِّدَت هذه الرموز من تعقيدها الأصلي وشحنها بدلالات جديدة.
تكمن قوة هذه الرموز تحديداً في قابليتها للاختزال البصري وسرعة انتشارها رقمياً.
فالصليب أو النسر يمكن تحويلهما إلى أيقونة صغيرة على صورة حساب، أو إلى" ميم" متداول خلال ساعات.
في الفضاء الرقمي، تُعاد صياغة هذه الرموز داخل تصاميم حديثة تجمع بين الطابع الوسيط والتقنيات المعاصرة، فتنتشر بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، متجاوزة حدود المكان.
وهكذا، ينتقل الرمز من ساحة عامة في لندن أو مدريد إلى فضاء رقمي عابر للحدود، حيث يُعاد إنتاجه وتكييفه وفق سياقات محلية مختلفة.
تُختزل قرون من التحولات والحروب والهجرات في صورة واحدة.
لا يقتصر استدعاء الماضي على اليمين المتطرف؛ إذ تنطبق الآلية نفسها على اليسار، لكن بمرجعيات مختلفة جذرياً، غير أن خصوصية الحالة اليمينية تكمن في توظيف رموز إمبراطورية أو دينية لإنتاج تصور متجانس للأمة، يقوم على فكرة النقاء الأصلي المهدد من الخارج.
وبينما تختلف الرموز التي تُوظَّف من بلد إلى آخر، تبقى الآلية واحدة، والمتمثلة باختيار عنصر بصري من الماضي، وتجريده من تعقيده التاريخي، ثم إعادة ضخه في الحاضر بوصفه علامة مكثفة على الهوية والسيادة.
هكذا يتحول تاريخ أوروبي بالغ التعقيد إلى مجموعة أيقونات جاهزة للتعبئة، تُختزل فيها قرون من التحولات والحروب والهجرات في صورة واحدة قابلة للتداول والانتشار.
وعليه، يصبح الماضي، في الخطاب البصري لليمين المتطرف، مادة قابلة لإعادة التدوير، تُختزل في أيقونات حادة ومكثفة، قادرة على إثارة العاطفة وتعبئة الجماهير، سواء في الساحات العامة أو عبر شاشات الهواتف المحمولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك