تخيّل أن تتناول طبقًا من “البلاستيك الصالح للأكل” المصنوع من الطحالب والكولاجين المستخرج من جلود الأسماك، بينما تشاهد أثناء تناوله صور التلوث البلاستيكي في المحيطات تُعرض فوقك على قبة ضخمة داخل المطعم.
إنها تجربة طعام متكاملة مستوحاة من بقع النفايات البلاستيكية الهائلة التي تعوم في البحار.
في الدنمارك، لا يقدّم الشيف راسموس مونك أطباقًا تقليدية في مطعم Alchemist، بل يصطحب ضيوفه في ما يسميه “تجربة طعام غامرة” تجمع بين الأداء الفني والموسيقى والعروض البصرية داخل قاعة طعام تشبه القبة الفلكية، إلى جانب الطعام بالطبع.
افتتح المطعم عام 2019 في موقع ميناء صناعي سابق في العاصمة كوبنهاغن، وصُنّف خامس أفضل مطعم في العالم عام 2025.
ويحمل نجمتين من دليل ميشلان، الذي يمنح بحد أقصى ثلاث نجوم للمطعم الواحد تقديرًا لتميزه في فنون الطهي.
يمكن لزوار المطعم تجربة نحو 50 “انطباعًا”، معظمها قابل للأكل.
وتشمل التجربة تذوق أطباق متعددة مثل طبق كبير على شكل عين يحتوي على الكافيار وهلام عين سمك القد، أو فراشات القراص الموضوعة فوق الجبن وأوراق الخرشوف على مدار ساعات طويلة، في رحلة بطيئة تدعو إلى التأمل في الطعام والرسائل التي يحملها.
وقال مونك إن أطباقه تسعى إلى إيصال رسائل اجتماعية: “نحن ننقل الرسائل من خلال طعامنا، فطعامنا هو وسيلتنا للتعبير عن أنفسنا”.
وتتناول بعض أطباقه قضايا مثل مراقبة الدولة أو رعاية الحيوان.
البرلمان قد يقرر إن كان الطهي فنًا.
بعد أن كانت المأكولات الدنماركية معروفة تقليديًا بلحم الخنزير والرنجة وخبز الجاودار، بدأت شهرة مطبخ البلاد تتصاعد منذ عام 2003 عندما أحدث مطعم Noma للشيف رينيه ريدزيبي ثورة في عالم الطهي من خلال فلسفة “المطبخ الشمالي الجديد”، التي تقوم على جمع النباتات البرية والتخمير والاعتماد على المنتجات الموسمية المحلية في اسكندنافيا.
ومع نجاح هذه الحركة، بدأ مطهاة المطاعم الحاصلة على نجوم ميشلان في الدنمارك يطرحون سؤالًا جديدًا: هل يمكن اعتبار فن الطهي نوعًا من الفن؟وزير الثقافة الدنماركي ياكوب إنغل-شميدت أعلن في يناير أن الوزارة ستبحث إمكانية الاعتراف رسميًا بفن الطهي كفن.
وإذا تحقق ذلك، فقد تصبح الدنمارك أول دولة تضع الطهي — أو على الأقل أعلى مستوياته — في مرتبة مشابهة للرسم أو الفنون البصرية.
لكن ليس من الواضح بعد كيف قد تؤثر الانتخابات العامة المقررة في 24 مارس على هذه الخطة.
الشيف مونك، البالغ 34 عامًا، والذي يقول إنه أمضى نحو عقد في تطوير “ممارساته الفنية”، يعد أحد أبرز الداعمين للفكرة، واعتبرها “إنجازًا كبيرًا”.
وقال: “لا أعتقد أن كل الطعام فن… يجب أن تكون الحِرفة في أعلى مستوياتها”.
وأضاف أن تحديد ما يُعتبر فنًا يبقى في النهاية قرارًا سياسيًا.
وما زال المشروع في مرحلة الاستكشاف، لكنه سيتطلب في النهاية تصويت البرلمان الدنماركي المؤلف من 179 عضوًا لإعادة تصنيف الطهي من “حرفة” إلى “فن”.
كما قد يسمح ذلك للطهاة بالحصول على دعم مالي حكومي وتمويل من المؤسسات الخاصة، على غرار الكتّاب والموسيقيين.
حتى الآن لم تتخذ دول أخرى تشتهر بثقافتها الغذائية مثل فرنسا أو اليابان خطوات مشابهة، لكن منظمة اليونسكو منحت العام الماضي المطبخ الإيطالي صفة التراث الثقافي.
وكانت الدنمارك قد وسّعت مفهوم الفن والثقافة في السابق، مثل منح جائزة وطنية فنية مدى الحياة لفرقة الميتال الثقيلة King Diamond.
كما مُنحت جائزة سونينغ الثقافية أكبر جائزة ثقافية في البلادالعام الماضي للكيميائي وفنان فن الطهي الفرنسي هيرفيه تيس.
وأصبحت الدولة الاسكندنافية التي يبلغ عدد سكانها نحو ستة ملايين نسمة وجهة بارزة لعشاق الطعام، إذ تضم 37 مطعمًا حائزًا على نجوم ميشلان، بينها مطعم Kadeau في كوبنهاغن الحاصل على نجمتين.
وقال الشيف نيكولاي نورريغارد، رئيس الطهاة والمدير الإبداعي للمطعم: “أنا أتعامل مع الطبق كما لو كنت أصنع عملًا فنيًا أو نصًا أدبيًا.
الأمر يتعلق بصناعة تجربة”.
وأضاف أن الاعتراف بالطهي كفن سيكون “خطوة كبيرة”، لأنه يقرّ بأن هذا المجال يمكن النظر إليه أيضًا كفن.
لكن الفكرة لا تحظى بإجماع، حتى داخل قطاع المطاعم نفسه.
نيك كيرتن، الشيف التنفيذي الأمريكي ومالك مطعم Alouette الحاصل على نجمة ميشلان في كوبنهاغن، يرى أن الفن وفن الطهي مختلفان جوهريًا.
وقال: “الغرض الوحيد للفن هو التعبير وإثارة المشاعر.
أما الطعام فيجب أن يُستهلك”.
وأضاف أن الفن يمكن أن يثير الاشمئزاز أو الألم أو الحزن أو الفرح، بينما الطعام “لا ينبغي أن يعبّر عن كل هذه المشاعر”.
كما عبّر بعض العاملين في المجال الفني في الدنمارك عن قلقهم من أن يؤدي الاعتراف بالطهي كفن إلى منافسة أكبر على التمويل بين الطهاة والفنانين التقليديين مثل الرسامين.
أما هولغر دال، ناقد العمارة والفن في صحيفة Berlingske الدنماركية العريقة التي يبلغ عمرها 277 عامًا، فكان أكثر صراحة، قائلاً: “أعتقد أن الفكرة سخيفة بعض الشيء… لا معنى لها”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك