تستعيد مملكة البحرين في السادس من مارس من كل عام، ذكرى رحيل صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، بوصفه حاكمًا رافق التحول من زمن الحماية إلى زمن الدولة ذات المؤسسات.
يمتزج في الذاكرة الشعبية بين صورة «الأمير القريب» الذي يُحكى عنه في الطريق والمجلس، وصورة رجل الدولة الذي بنى الهياكل الإدارية والدستورية وفتح أبواب الدبلوماسية.
وجرت في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه إنجازات التحديث (سك العملة، انشاء الوزارات، اصدار الدستور، البنية التحتية).
ارتبط اسم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، بمرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، وترك بصماتٍ واضحة في مسيرة البناء والتنمية وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة.
إنها ذكرى لا تمرّ عابرة في الوجدان الوطني، بل تعود محمّلةً بصورٍ من العطاء، وحكاياتٍ من الحكمة، ومواقفَ جسّدت روح الأبوة والمسؤولية تجاه شعبٍ أحبّه فأحبّه.
وُلد سموّه عام 1933، ونشأ في كنف والده المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، متشرّبًا قيم القيادة والاعتدال والحرص على مصالح الناس.
وفي عام 1961، تولّى مقاليد الحكم، ليبدأ فصلًا جديدًا من تاريخ البحرين، عنوانه الطموح نحو التحديث، والانفتاح على العالم، وبناء دولة المؤسسات.
تُعدّ مرحلة انتهاء اتفاقية الحماية البريطانية في 15 أغسطس عام 1971 محطةً بارزة في عهد الأمير الراحل، إذ قاد البحرين نحو مرحلة جديدة، مثبتًا حضورها دولةً عربيةً ذات سيادة كاملة، وعضوًا فاعلًا في المجتمعين العربي والدولي.
وقد جسّد هذا التحول التاريخي رؤيةً واضحةً لدى سموّه في ترسيخ كيان الدولة وتعزيز موقعها الإقليمي والدولي.
ومع هذه المرحلة، انطلقت ورشة العمل الكبرى لبناء مؤسسات الدولة الحديثة، فتم تطوير الأجهزة الإدارية، وتعزيز دور الوزارات، ووضع الأسس الأولى للتخطيط التنموي المنظّم، بما يضمن تحقيق التنمية المستدامة، والارتقاء بمستوى الخدمات العامة.
وقد عُرف عن الأمير عيسى بن سلمان حرصه على أن يكون المواطن في صدارة الأولويات، إيمانًا منه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن.
في عهد سموّه طيب الله ثراه، شهدت البحرين توسعًا لافتًا في قطاع التعليم، سواء من حيث إنشاء المدارس أو تطوير المناهج، أو إرسال البعثات الدراسية إلى الخارج، بما أسهم في إعداد أجيالٍ متعلمةٍ قادرةٍ على الإسهام في نهضة الوطن.
كما تعززت مكانة التعليم العالي، وتمت تهيئة البيئة المناسبة لانطلاق المؤسسات الأكاديمية التي شكّلت ركيزةً أساسيةً في بناء الكفاءات الوطنية.
أما في المجال الصحي، فقد أولى الأمير الراحل اهتمامًا كبيرًا بتطوير المستشفيات والمراكز الصحية، وتوفير الخدمات العلاجية المتقدمة للمواطنين والمقيمين، واضعًا نصب عينيه أن صحة الإنسان ركيزة أساسية في عملية التنمية.
وقد أسهمت هذه السياسات في تحسين مستوى الرعاية الصحية وتعزيز جودة الحياة في البحرين.
لم يقتصر اهتمام سموّه طيب الله ثراه على الجوانب الخدمية، بل امتد إلى تعزيز الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل.
ففي عهده، شهدت البحرين تطورًا في القطاعات الصناعية والمالية، ورسّخت مكانتها مركزًا مصرفيًا وماليًا في المنطقة.
كما تم دعم الصناعات الوطنية، وتوسيع البنية التحتية، بما في ذلك الموانئ والطرق والمرافق الحيوية، لتواكب متطلبات التنمية الحديثة.
وقد تميّزت رؤيته الاقتصادية بالاعتدال والانفتاح، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية، ما أتاح للبحرين أن تخطو بثبات نحو المستقبل، مستندةً إلى قاعدةٍ متينةٍ من الاستقرار والثقة.
على الصعيدين العربي والدولي، عُرف سمو الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة بنهجه القائم على الحكمة والاعتدال، والسعي إلى تعزيز علاقات الأخوة والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة.
وقد لعب دورًا في دعم مسيرة العمل الخليجي المشترك، وأسهم في ترسيخ أواصر التعاون بين دول المنطقة، إدراكًا منه لأهمية وحدة الصف في مواجهة التحديات.
وكانت سياسته الخارجية انعكاسًا لقيم البحرين في التسامح والانفتاح، ما عزز من صورتها دولةً تحترم التزاماتها الدولية، وتسعى إلى السلام والاستقرار.
وقد انعكس هذا النهج على مكانة المملكة، التي باتت تحظى بتقديرٍ واسعٍ في المحافل الدولية.
لم يكن الأمير الراحل قائدًا في موقع الحكم فحسب، بل كان قريبًا من الناس، يستمع إليهم، ويتلمّس احتياجاتهم، ويحرص على التواصل المباشر معهم.
وقد شكّل هذا القرب أحد أبرز ملامح شخصيته القيادية، حيث كان يؤمن بأن العلاقة بين الحاكم وشعبه تقوم على الثقة المتبادلة، والمصارحة، والعمل المشترك من أجل الوطن.
وقد احتفظت الذاكرة الشعبية بصورٍ عديدةٍ لسموّه بين أبناء شعبه، في المناسبات الوطنية والاجتماعية، ما رسّخ مكانته في القلوب قبل المواقع الرسمية.
برحيل صاحب السمو الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه في 6 مارس 1999، طويت صفحةٌ من صفحات التاريخ، لكن أثرها ظلّ حاضرًا في كل ركنٍ من أركان الوطن.
فقد ترك وراءه دولةً راسخة الأركان، ومؤسساتٍ فاعلة، وبنيةً تحتيةً متطورة، وأجيالًا من الكفاءات الوطنية التي واصلت البناء على ما أُنجز.
وتستمر مسيرة التنمية اليوم مستندةً إلى ذلك الإرث، في ظل القيادة الحكيمة التي تواصل ترسيخ ما أرساه من دعائم، وتطويره بما يتلاءم مع متطلبات العصر.
إن ذكرى السادس من مارس ليست مجرد استعادةٍ للماضي، بل هي استحضارٌ لقيمٍ ومبادئ شكّلت أساس الدولة الحديثة: العمل الجاد، والحرص على الإنسان، والانفتاح على العالم، والتمسك بالثوابت الوطنية.
في كل بيتٍ بحريني، وفي كل مؤسسةٍ من مؤسسات الدولة، يظل اسم سمو الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة حاضرًا باعتباره أحد أبرز القادة الذين أسهموا في صياغة ملامح البحرين المعاصرة.
لقد كانت مسيرته عنوانًا للعطاء المتواصل، والإيمان بقدرة هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير بطموحه، على أن يكون نموذجًا في الاستقرار والتنمية.
وإذ تحلّ ذكرى وفاته، فإنها مناسبةٌ لتجديد الوفاء لذكرى قائدٍ أحبّ البحرين فأخلص لها، وبذل جهده في سبيل رفعتها.
رحم الله صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وجزاه عن البحرين وأهلها خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك