في إنجاز علمي غير مسبوق، تمكن فريق بحثي دولي من تحديد أول جينوم مرجعي عالي الجودة لشجرة الأركان المغربية، وهو إنجاز يمثل قفزة نوعية في فهم الأساس الجيني لهذه الشجرة الفريدة التي تتخذ من المغرب موطنا أصليا لها.
وأعدت هذه الدراسة، التي نشرت في مجلة Nature، فرق من المعهد الوطني للبحث الزراعي، بالتعاون مع جامعة محمد الخامس، والمركز الدولي للزراعة الملحية بدبي، ومركز التكنولوجيا الحيوية وعلم الجينوم بجامعة تكساس التقنية، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة.
وتضع هذه الدراسة آمالًا كبيرة في تعزيز جهود الحفاظ على شجرة الأركان وتطوير برامج تحسينها الوراثي.
وتشير الدراسة إلى أن شجرة الأركان التي تنمو في المناطق الجافة وشبه الجافة، تعد الممثل الوحيد لعائلة Sapotaceae في شمال إفريقيا.
وتصنف على طول تواجدها في المنحدرات الجنوبية للأطلس الكبير والمنحدرات الشمالية للأطلس الصغير بالمغرب كمحمية إحيائية من قبل اليونسكو.
وتلعب هذه الشجرة دورا حيويا واجتماعيا واقتصادياً وبيئيا، حيث توفر موارد أساسية، مثل الغذاء للإنسان والحيوان من خلال ثمارها والعلف، إضافة إلى زيت الأركان ذو القيمة العالمية المستخلص من بذورها.
كما تسهم في مكافحة التصحر وتآكل التربة.
ورغم أهميتها، فإن التجمعات الطبيعية لشجرة الأركان تعاني من تراجع مستمر منذ القرن التاسع عشر نتيجة لتهديدات كبيرة، تشمل التغيرات البيئية مثل التغير المناخي، والزيادة السكانية، والاستغلال المفرط، ما أثر بشكل كبير على قدرة الشجرة على التجدد الطبيعي.
يعد إنشاء جينوم مرجعي عالي الجودة لشجرة الأركان أمرا أساسيا لفهم التنوع الجيني لديها، وقدرتها على مقاومة الظروف البيئية القاسية، والمسارات الكيميائية الحيوية الفريدة، خصوصاً تلك المرتبطة بإنتاج الزيت.
لذلك، فهذا المورد الجينومي يدعم جهود الحفظ، ويحسن برامج التهجين لزيادة الإنتاجية وتحمل الضغوط، ويساهم في الاستغلال المستدام لهذا النوع.
كما يقدم رؤى حول التكيفات التطورية لهذه الشجرة المغربية المتوطنة، ما يساعد على استعادتها والحفاظ عليها.
كما أنه من شأن تطوير جينوم مرجعي دعم مخطط" الجيل الأخضر 2020-2030" الذي يضع من بين أهدافه مضاعفة إنتاج زيت الأركان ليصل إلى 10,000 طن بحلول عام 2030، إلى جانب تشجيع زراعة 50,000 هكتار من حقول الأركان الحديثة، وإعادة تأهيل 400,000 هكتار من الغابة.
وقام الباحثون بانتقاء شجرة أركان نموذجية من منطقة" تغيرت" نواحي تيزنيت، أطلق عليها اسم" TAGUERTE (S7P2)"، واستخدموا استراتيجية متطورة تعتمد على تقنية PacBio HiFi: لإنتاج قراءات طويلة وعالية الدقة للحمض النووي، مما يسمح بتجاوز المناطق المتكررة والمعقدة في الجينوم.
كما استخدموا تقنية Hi-C: لفهم البنية الثلاثية الأبعاد للكروموسومات وتجميعها بالترتيب الصحيح، وكأنها تعيد ترتيب كتاب ممزق الصفحات، واستعانوا أيض ببيانات النسخ (RNA-seq): من أوراق وجذور وبذور الشجرة، لتحديد الجينات النشطة والمساعدة في عملية التوقع الجيني بدقة.
وتمكن الباحثون من تجميع الجينوم في نسختين منفصلتين (طورين)، تمثل كل منهما المجموعة الكروموسومية الكاملة (11 كروموسومًا).
بلغ حجم الجينوم للطور الأول حوالي 621 ميغاباز، والثاني 615 ميغاباز، وهو ما يقترب كثيرًا من الحجم المُقدّر مسبقًا (645 ميغاباز).
وقد تميز الجينوم الجديد بدرجة عالية جدًا من الاكتمال والدقة.
وتمثل هذه الدراسة قفزة نوعية نحو فهم أعمق لشجرة الأركان، وتوفر الأدوات اللازمة لحمايتها وتطويرها واستغلالها بشكل مستدام، مما يعود بالنفع على الاقتصاد المحلي والبيئة في المغرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك