منذ عهد الفيلسوف والجنرال الصيني سن تزو وحتى نشوء علم النفس العسكري، ثمة سؤال ينتمي إلى فئة الاستفهامات الكبرى، متحرياً الإجابة عن دوافع الجنود للقتال؟ ، وله أربع إجابات رئيسية تعمل على ترسيخها برامج إدارات الشؤون المعنوية المناط بها تعزيز الروح القتالية والجاهزية، ألا وهي توجيه الغضب نحو المهاجم، وبث الحماس عبر قضية يهون معها المخاطرة بالروح، توازياً مع تنمية مشاعر الخجل من خذلان رفاق السلاح، وتعزيز الخوف من عاقبة عصيان الأوامر.
لكن ماذا تفعل إذا كنت المعتدي، وبما أن الغضب والحماس لا يُستثاران عادةً في تلك الحالة، وشعبك غير مقتنع بالحرب ويراها انقياداً وراء أولويات دولة أجنبية على حساب مصالحك الذاتية؟إليك وصفة أميركية مجربة، اصنع عدوا، انفخ فيه، بالغ في خطورته ولا بأس من المغالاة في قدراته، بيد أن الأهم: ألبس المعركة لبوساً دينياً، أو قل إن الرئيس دونالد ترامب سيجلب تغييراً" ذا أبعاد توراتية" إلى الشرق الأوسط، كما يجتر مايك هاكابي السفير الأميركي في إسرائيل، وهو توصيف غير دقيق لمهام عمله، والأصوب السفير الإسرائيلي في واشنطن تبعاً لأدائه الذي يفوق مبعوث تل أبيب إلى بلاده، فبالتأكيد لم يصل هذا الأخير إلى مستوى هرطقات ليست من قبيل زلات اللسان، وقد تكررت على لسان الكثيرين قبل هاكابي من عصابة تيار الصهيونية المسيحية بأنه" سيكون الأمر مقبولاً لو أن إسرائيل أخذت الأرض كلها التي منحها الله شعبه المختار في مساحة جغرافية تمتد من النيل إلى الفرات".
ليس هاكابي بمفرده من يؤطر المعركة الجارية دينياً، ودون نقل الكثير، يكفي بعض من خبل السيناتور البارز ليندسي غراهام وما وصفه صراحة بـ" الحرب الدينية التي ستحدد مسار الشرق الأوسط لألف عام"، وكلمة ألف هنا ليست عشوائية، إنما مفردة أساسية في خطاب تيار الصهيونية المسيحية النافذ داخل الإدارة الأميركية والممسك بتلابيب سياسيين من الحزبين، يمضون بدأب إلى ما يعتبرونه تجسيداً على أرض الواقع لأفكار نهاية العالم المذكورة في الكتاب المقدس، وما يستتبعها من تحقيق سيادة إسرائيل على الأراضي التوراتية، وصولاً لما يطلقون عليه" الألفية السعيدة"، وهي مدة زمنية يعتقدون أنها ستحقق لهم الحكم المسيحي النقي والكامل، والمؤمنون بهذه العقيدة ينتشرون حالياً في أركان الإدارة والكونغرس، ويرون في الماجريات الحالية بعداً لاهوتياً لأن على الولايات المتحدة" مسؤولية دينية تجاه إسرائيل"، كما يقول السيناتور البارز تيد كروز وغيره من المشرعين مثل كيفن كرامر وآخرون كثر.
الأخطر مما سبق، تغلغل حالة الهوس هذه داخل الجيش الأميركي، ابتداء من وزير الحرب بيت هيغسيث، وكان قد قال عام 2018 أثناء فعالية بفندق الملك داود في القدس: " كان عام 1917 معجزة، وعام 1948 معجزة، وعام 1967 معجزة، وفي عام 2017 كان إعلان القدس عاصمة لإسرائيل معجزة، ولا يوجد سبب يمنع معجزة إعادة بناء الهيكل في الحرم القدسي الشريف.
لا أعرف كيف سيحدث، وأنتم لا تعرفون كيف سيحدث، لكنني أعلم أنه ممكن، هذا كل ما أعرفه".
وإذا كان رب البنتاغون متطرفاً فشيمة قادته التعصب، لهذا وصف ضباط الحرب على إيران بأنها" خطة الله"، وأخبر قائد وحدة قتالية مرؤوسيه أن الحرب على إيران جزء من" الخطة الإلهية"، مدعياً أن الرئيس ترامب" مسح عليه يسوع" لإشعال معركة أرمجدون كما نقلت تقارير صحافية عن مؤسسة الحرية الدينية العسكرية الأميركية، والتي تلقت خلال 48 ساعة 110 شكاوى من جنود وضباط في أكثر من 40 وحدة عبر ما لا يقل عن 30 منشأة قالوا إن قادتهم استخدموا خطاباً مسيحياً متطرفاً لتبرير الحرب ضد إيران.
إنها حالة" انتشاء وهوس ديني" تتفشى بين فئات من سلسلة القيادة تصور الهجوم على إيران باعتباره أمراً توراتياً ومرتبطاً بنبوءات نهاية الزمان الواردة في سفر الرؤيا، كما يقول ميكي وينشتاين، رئيس المؤسسة والمحارب القديم في القوات الجوية.
ولم يقع هذا التحول من فراغ، فمنذ تولي هيغسيث منصبه يوسع البرامج الدينية داخل البنتاغون، بما في ذلك جلسات الصلاة ودراسات الكتاب المقدس المواءمة مع لاهوت مسيحاني متطرف في تأييده لإسرائيل، ولدى هؤلاء حماسة ووساوس حول مقدار الدماء الذي يعتقدون أنه ضروري لمواءمة الأحداث مع رواية نهاية الزمان بأيديهم دون انتظار تحققها كما كان يسود بينهم قبل تغلغل تيار الصهيونية المسيحية في أوساطهم.
لعله من المفيد أن نفتح قوساً هنا، فمثل تلك الأفكار لم تكن بهذا الانتشار أو القدرة على التأثير داخل القوات المسلحة قبل تولي ترامب الحكم في عام 2017، ولي هنا تجربة شخصية، إذ كنت مدعواً رفقة عدد من الصحافيين إلى حاملة الطائرات" يو إس إس دوايت أيزنهاور"، وقضينا ليلتين على متنها في عام 2016، وقد كتبت تحقيقاً بعنوان" دوايت أيزنهاور".
ماذا تفعل حاملة الطائرات الأميركية في مياه الخليج؟ يتقاطع في تقصيه عن أدوارها مع سيناريوهات سابقة وحالية في المواجهة الإيرانية.
المهم، كان لافتاً أثناء زيارة غرفة العبادة في الحاملة، حالة الاهتمام الكبير بتناغم الأديان بين منتسبي القوات المسلحة، لا سيما وأن من بين خمسة آلاف عسكري أميركي يقطنون على متنها والقطع البحرية التابعة لها 10% من المهتمين بممارسة الشعائر الدينية، وفيهم مسلمون يؤدونها كاملة ويحتفلون بعيدي الفطر والأضحى، كما أن أحدهم حاصل على تدريب خاص ليكون بمثابة ممثل للمسلمين، ويتابع توفير الوجبات الحلال وتنظيم احتفال العيد الذي كان الأدميرال جيمس جي مالوي قائد المجموعة القتالية العاشرة وقتها يحضره.
زبدة القول، الحرب الأميركية على إيران غير مقنعة للشعب الأميركي بمختلف فئاته، الجمهوريون منهم قبل الديموقراطيين، بل ولدى مستويات نافذة بالإدارة، خصوصاً من صدق هراء ترامب بأن عهده نهاية التدخلات والحروب الخارجية، لا سيما مع ضعف وتهافت الحجج التي يسوقها ووزير خارجيته ودفاعه، على شكل مزاعم شديد البلاهة، حول تهديد وشيك شكلته طهران على الولايات المتحدة جراء صواريخها التي تهدد أوروبا كذلك.
واليوم تذكر ترامب أوروبا بعدما تنصل سابقاً من تحالفه معها وسعيه إلى اقتطاع جزء منها وضمه إلى بلاده.
وبالرغم من استدعاء الدين ومحاولة توظيفه سلاحاً سياسياً لتعزيز المصداقية ونيل المشروعية، لم تشتر الأغلبية بضاعة ترامب-نتنياهو القاتلة، ولا غرو في تأكيد استطلاعات عديدة للرأي رفض الجمهور للحرب.
أحدثها أجرته شبكة CNN بالتعاون مع مؤسسة SSRS وأظهر أن نحو ستة من كل عشرة أميركيين لا يوافقون على قرار التدخل العسكري في إيران، بنسبة 59% للرافضين مقابل 41% للمؤيدين، ومعهم 60% يقولون إنهم يفتقرون إلى الثقة في قدرة ترامب على اتخاذ القرارات الصائبة بشأن الحرب الجارية.
إنها أزمة إدارة لا تتقن" الكذب المساوى" (المتناسق)، وبالتأكيد أفعالها منعدمة" الصدق المبعزق" (المبعثر)، ولكن كما يقول نجيب محفوظ بتصرف، ما الحيلة أمامنا رجل مجنون يدعي الزعامة وبيده مسدس، لا بل حاملة طائرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك