حين يُذكر اسم محمود عزت، لا يتبادر إلى الذهن خطيب جماهيري أو سياسي يملأ الشاشات، بل يتقدم إلى الواجهة نموذج آخر من القيادات: الرجل الصامت، صاحب الذاكرة التنظيمية الطويلة، والقدرة على الانتظار.
في تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية، كان محمود عزت أقرب إلى" العقل البارد" الذي يتحرك في الظل، لا إلى" القائد الملهم" الذي يخاطب الجماهير.
ومنذ ظهوره الأول في أوراق قضية تنظيم 1965 المرتبطة بسيد قطب، وحتى صعوده قائمًا بأعمال المرشد بعد 2013، ظل عزت يمثل خيطًا ممتدًا يربط بين مرحلتين: القطبية الصلبة في الستينيات، والتنظيم الدولي المتشعب في الألفية الجديدة.
بعد خروج قيادات الإخوان من السجون في السبعينيات، بدأت الجماعة تعيد بناء نفسها في الجامعات والنقابات والمجتمع المدني.
هنا برز دور مصطفى مشهور، الذي سيصبح لاحقًا المرشد الخامس للجماعة، وهو أحد أبرز منظري إعادة التنظيم.
علاقة محمود عزت بمشهور لم تكن علاقة عابرة؛ بل يمكن القول إن عزت كان من أقرب رجال مشهور في ما عُرف بـ" المجموعة القطبية" داخل الجماعة.
بالإضافة إلى محمد بديع وخيرت الشاطر.
تلك المجموعة حملت معها إرث الستينيات، لكنها تعلمت أيضًا درس البقاء: تجنب الصدام المباشر، والتغلغل الهادئ، وبناء قواعد بيانات وتنظيم محكم يضمن الاستمرارية.
في تلك المرحلة، لم يكن عزت صاحب حضور إعلامي، لكنه كان حاضرًا في مفاصل القرار.
ومع صعود مصطفى مشهور إلى موقع المرشد في التسعينيات، تعزز نفوذ التيار القطبي داخل مكتب الإرشاد.
هنا بدأت تظهر ملامح ما يمكن وصفه بإعادة الاعتبار للبنية الخاصة داخل الجماعة، وإن لم يُعلن ذلك صراحة.
صحيح أن" النظام الخاص" الذي أسسه عبد الرحمن السندي في الأربعينيات لم يعد قائمًا بالمعنى التنظيمي القديم، لكن فكرة العمل المغلق، والانضباط الحديدي، وإدارة الملفات الحساسة بعيدًا عن العلن، ظلت حاضرة بقوة.
وكان محمود عزت أحد أبرز من جسدوا ذلك النهج.
خلال سنوات حكم حسني مبارك، بدا عزت جزءًا من قيادة تتقن لعبة التوازن: مشاركة سياسية محدودة، حضور نقابي، خطاب إصلاحي، مع احتفاظ ببنية تنظيمية شديدة الانضباط.
لكن خلف ذلك المشهد، كان التنظيم الدولي يتوسع، ويمد شبكاته في أوروبا وأمريكا، مستفيدًا من هامش الحركة في الخارج.
عزت، الذي عُرف بدوره في ملفات العلاقات الخارجية، كان يرى أن قوة الجماعة لا تكمن فقط في الشارع المصري، بل في شبكة المصالح العابرة للحدود.
بين 2013 و2015، شهدت مصر تصاعدًا في عمليات العنف، وظهور لجان نوعية مثل" المقاومة الشعبية" و" العقاب الثوري"، ثم لاحقًا" حسم" و" لواء الثورة".
داخل الجماعة، كان هناك تيار يدفع نحو التصعيد، أبرز رموزه محمد كمال.
في المقابل، كان محمود عزت يميل إلى ضبط الإيقاع.
ليس بدافع رفض مبدئي للعنف، بل بحسابات أوسع تتعلق بمستقبل التنظيم الدولي.
فالتقارير الدولية، وعلى رأسها التقرير الذي أعده السفير البريطاني جون جنكينز حول أنشطة الإخوان، وضعت الجماعة تحت مجهر غير مسبوق في أوروبا.
أي انزلاق واضح نحو العنف كان كفيلًا بتقويض مصالحها وشبكاتها في الخارج.
هنا بدأت تظهر الخلافات.
جبهة محمد كمال رأت أن المواجهة مع الدولة يجب أن تكون مفتوحة، وأن" العمل النوعي" هو الطريق للضغط وكسر المعادلة.
أما عزت، فكان يدرك أن سيناريو الانزلاق إلى حرب أهلية لن يخدم التنظيم على المدى البعيد، وأن الرهان على استنزاف الدولة قد يرتد على مصالح الجماعة الدولية.
في ذلك السياق، يمكن فهم تراجع محمود عزت عن منح غطاء كامل لخط التصعيد المسلح.
لم يكن الرجل ساذجًا ليغفل كلفة المواجهة المفتوحة، ولا كان متحمسًا لرؤية التنظيم يُستنزف في الداخل بينما تتعرض شبكاته في الخارج للتجفيف القانوني والسياسي.
تقرير جون جنكينز، الذي صدر عام 2015، لم يُصنّف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، لكنه أشار بوضوح إلى وجود ارتباطات فكرية وتنظيمية مع تيارات متشددة، وفتح الباب أمام تشديد الرقابة على أنشطتها في بريطانيا.
بالنسبة لعزت، كانت الرسالة واضحة: العالم يراقب، وأي انحراف إضافي قد يكلّف الجماعة ما بنته خلال عقود.
من زاوية أوسع، يمكن قراءة موقف محمود عزت بوصفه تعبيرًا عن عقلية تنظيمية تشكلت في الستينيات، لكنها تعلمت من تجربة السبعينيات والتسعينيات أن البقاء أهم من الانفجار.
هو لم يكن رجل ثورة شعبية، ولا قائد ميليشيا، بل رجل تنظيم دولي يرى الخريطة كاملة: مصالح في أوروبا، حضور في مؤسسات مجتمع مدني، شبكات مالية واستثمارية.
فكرة سحب مصر إلى حرب أهلية، إن وُجدت لدى بعض دوائر التصعيد، كانت بالنسبة له مقامرة خطيرة قد تفضي إلى تفكيك التنظيم ذاته، لا إلى تمكينه.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن اسمه ظل حاضرًا في كل ملفات المرحلة.
كقائم بأعمال المرشد، كان المسؤول السياسي والتنظيمي الأعلى، حتى وإن اختلفت التقديرات حول مدى سيطرته الفعلية على التفاصيل الميدانية.
في نظر الدولة، كان أحد رموز القيادة التي وفرت المناخ العام للتصعيد بعد 2013.
وفي نظر أنصاره، كان رجل توازن حاول تجنيب الجماعة سيناريوهات أكثر كارثية.
القبض على محمود عزت في 2020 أنهى فصلًا طويلًا من العمل في الظل.
الرجل الذي عُرف بقدرته على التخفي، وبإدارة الملفات بعيدًا عن الأضواء، وجد نفسه أمام عدسات الكاميرات، بعد عقود من الحضور الصامت.
لكن مسيرته، الممتدة من قضية 1965 إلى قيادة تنظيم متشعب بعد 2013، تظل نموذجًا لتحول الجماعة نفسها: من تنظيم عقائدي صغير يتعرض للملاحقة، إلى شبكة دولية معقدة تتقاطع فيها السياسة بالفكر، والمصالح بالتنظيم.
في النهاية، يصعب اختزال محمود عزت في صورة واحدة.
هو نتاج مدرسة قطبية تشدد على الصفوة والانضباط، وتلميذ لمرحلة مصطفى مشهور التي أعادت بناء الهيكل الحديدي، وقائد لمرحلة ما بعد 2013 التي اختلط فيها السياسي بالأمني.
بين تلك المحطات، تتبدى شخصية تؤمن بأن المعركة طويلة، وأن التراجع أحيانًا جزء من الاستراتيجية، لا هزيمة نهائية.
لكن التاريخ لا يُكتب بالنوايا وحدها؛ بل بالنتائج.
ونتائج تلك المرحلة كانت انقسامًا داخليًا عميقًا، وتراجعًا تنظيميًا، وتضييقًا دوليًا غير مسبوق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك