قدم الكاتب والباحث محمد بلحي، سهرة الخميس، قراءة تاريخية معمقة حول كتابه الجديد «طريق الذهب»، خلال مداخلة احتضنتها، مكتبة شايب دزاير بالجزائر العاصمة، حيث استعرض الأبعاد التاريخية والحضارية لمسالك التجارة العابرة للصحراء التي ربطت المغرب الأوسط ببلاد السودان عبر قرون طويلة.
وأوضح بلحي في مستهل مداخلته التي قدمها أمام نخبة من المثقفين والإعلاميين، في ندوة نقاش نظمتها الوكالة الوطنية للاتصال النشر والإشهار ( أناب )، أن الحديث عن «طريق الذهب» لا يقتصر على كونه مسارا تجاريا لنقل المعدن النفيس، بل يمثل جزءا من تاريخ طويل من التبادل الاقتصادي والثقافي بين شعوب شمال إفريقيا وعمقها الإفريقي، مؤكدا في هذا السياق أن استعادة هذا التاريخ تعد ضرورة لفهم جانب مهم من الذاكرة الجماعية للجزائريين.
وأضاف المتحدث أن الجزائريين اليوم في حاجة إلى معرفة تاريخ أرضهم وتاريخ الدول التي تعاقبت على المنطقة، مثل نوميديا والدولة الرستمية في تيهرت وصولا إلى الجزائر العثمانية ثم الفترة الاستعمارية، مبرزا أن هذا التاريخ يكشف عن مصادر الهوية الوطنية ويبرز تقاليد المقاومة التي طبعت شعوب المنطقة عبر مختلف العصور.
وتوقف الكاتب عند الدور الذي لعبته الطرق التجارية الصحراوية في جعل الجزائر فضاء للتلاقي الحضاري بين الشرق والغرب، وبين أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء، مؤكدا أن هذه المسالك لم تكن مجرد طرق لنقل السلع، بل جسورا لعبور الأفكار والمعارف والثقافات، الأمر الذي جعل المنطقة نقطة التقاء حضاري في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا الإطار استعرض الكاتب تجربة الإخوة مقري، المنحدرين من منطقة تلمسان الذين شكلوا شبكة تجارية واسعة خلال القرن الرابع عشر، مبرزا أن نشاطهم توزع بين عاصمة الزيانيين وسجلماسة وولاتة، حيث كانوا يشرفون على حركة السلع بين شمال إفريقيا وغربها الإفريقي.
وأوضح بلحي أن هؤلاء التجار تمكنوا من احتكار جزء مهم من تجارة السلع الفاخرة، فكانوا يبادلون الملح الصحراوي والأقمشة والمنتجات المصنعة مقابل الذهب، والعاج القادم من إفريقيا الغربية، كما ساهموا في تسهيل حركة القوافل عبر تمويل حفر الآبار على الطرق الصحراوية وتأمين الحماية للقوافل بالتفاوض مع القبائل الصحراوية، خاصة قبيلة المسوفة.
وفي هذا السياق، تطرق بلحي إلى الخصوصية الجغرافية لوادي الساورة الذي شكل أحد أهم المسارات القافلية في الصحراء الكبرى، حيث كانت القوافل تنطلق عبره باتجاه مدينة غاو في مالي بعد عبور منطقة تانزروفت القاحلة، مبرزا أن هذا الوادي يتميز بمشهد طبيعي فريد يجمع بين هضبة حمادة القير غربا والكثبان الرملية للعرق الغربي الكبير شرقا، فيما تنتشر بينهما الواحات والقصور الصحراوية التي كانت تشكل محطات أساسية للقوافل.
ولم يقتصر تأثير هذه التجارة على الجانب الاقتصادي فقط، بل كان لها بعد ثقافي وديني أيضا، فقد لعب الإمام محمد المغيلي، وهو عالم من منطقة تلمسان وتلميذ سيدي عبد الرحمن الثعالبي، دورا بارزا في نشر الإسلام في إفريقيا الغربية خلال القرن الخامس عشر، إذ أصبح مستشارا سياسيا لإمبراطور سنغاي، أسكيا محمد، وقدم له مؤلفات في الحكم الإسلامي تضمنت إصلاحات في مجالات العدالة والاقتصاد، مثل توحيد الأوزان والمقاييس في الأسواق وتنظيم الضرائب وفق الشريعة الإسلامية ومنع الربا.
وأشار بلحي إلى أن هذه الإصلاحات ساهمت في تعزيز مكانة مدينة تمبكتو التي تحولت من مركز تجاري إلى منارة علمية كبرى في العالم الإسلامي.
ولفت في هذا الصدد إلى أن المصادر التاريخية المتوفرة حول هذه المرحلة، مثل روايات الرحالة والمؤرخين، ومن بينهم ابن بطوطة والبكري وليون الإفريقي، تقدم إشارات مهمة عن النشاط التجاري المرتبط بالذهب، لكنها تبقى غير كافية للإحاطة بكل جوانب تاريخ المنطقة.
واستعرض بلحي خلال مداخلته أيضا دور عدد من المدن الصحراوية التي ازدهرت بفضل هذه التجارة، مثل ورقلة وتوات، إلى جانب مدن شمالية مثل تلمسان وبجاية والجزائر ووهران، والتي شكلت بدورها مراكز تجارية وحضارية مرتبطة بالشبكات الاقتصادية العابرة للصحراء.
كما توقف المتدخل عند بعض المحطات التاريخية التي تعكس عمق العلاقات بين المغرب وبلاد السودان، من بينها دور الدولة الرستمية في تيهرت التي ساهمت في تنشيط المبادلات التجارية مع مناطق إفريقيا الغربية، مشيرا إلى أن هذه الروابط سبقت بقرون الطرق التجارية التي ربطت لاحقا بين مراكش وتمبكتو.
وأكد الكاتب أن طريق الذهب لم يكن طريقا للثروة فحسب، بل فضاء ثقافيا متكاملا يعكس حياة سكان الصحراء، بما في ذلك أنماط العمارة الطينية والواحات ونظم الري التقليدية مثل الفقارات، إضافة إلى التراث اللامادي الذي تجسده أناشيد «الأهليل» وعادات المجتمعات المحلية.
وأشار بلحي إلى أن أهمية هذا الطريق التاريخي بدأت تتراجع منذ القرن السادس عشر مع صعود القوى البحرية الأوروبية، خاصة البرتغاليين والإسبان، قبل أن يفقد جزءا كبيرا من دوره خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية التي أعادت توجيه شبكات التجارة والهجرة بما يخدم مصالح الاقتصاد الأوروبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك