تعاني إيران منذ بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي من القصف العسكري والعزلة الرقمية والتضييق الإعلامي، ما يضع المدنيين والصحافيين على السواء في قلب حرب تُخاض في ظل نقص شديد في المعلومات.
وبينما تتساقط القنابل على مدن عدة، يجد الإيرانيون أنفسهم شبه معزولين عن الأخبار الموثوقة بسبب انقطاع واسع للإنترنت، في وقت يواجه فيه الصحافيون المحليون ضغوطاً أمنية وتهديدات بالاعتقال تجعل نقل الوقائع من الميدان مهمة محفوفة بالمخاطر.
مع استمرار الغارات الأميركية-الإسرائيلية، يضطر ملايين الإيرانيين إلى مواجهة القصف في ما وصفته تقارير إعلامية بـ" الحرب في الظلام".
فالمدنيون لا يملكون معلومات كافية عن أماكن الضربات أو المرافق الطبية المتضررة أو المناطق التي قد تُقصف لاحقاً.
وذكرت صحيفة ذا غارديان البريطانية، أول من أمس الخميس، أنها تمكنت من التواصل مع عدد محدود من الإيرانيين داخل البلاد عبر شبكات افتراضية خاصة (VPN) أو أجهزة الإنترنت الفضائي" ستارلينك".
وقال أحد المقيمين في طهران للصحيفة البريطانية: " المعلومات بالكاد تصل.
إذا لم يكن هناك إنترنت فنحن لا نعرف شيئاً إطلاقاً، لا عن المدن الأخرى ولا حتى عما يحدث على بعد بضعة شوارع منا".
وأضاف: " هناك اعتقاد متداول بأن الضربات تستهدف القواعد العسكرية فقط وليس المناطق السكنية.
بصراحة لا أعرف مدى صحة ذلك، لكنني أشك في الأمر".
انقطاع شبه كامل للإنترنت في إيران.
بعد ساعات من بدء العدوان يوم السبت الماضي، تعيش إيران في انقطاع شبه كامل للإنترنت استمر أكثر من 100 ساعة، وفق ما قال مدير تحليل الإنترنت في شركة كينتيك، دوغ مادوري.
وأكد مرصد نتبلوكس أن حركة الإنترنت في البلاد انخفضت إلى نحو 1% فقط من مستوياتها الطبيعية.
وتشير بيانات الشبكات إلى أن جزءاً من البنية التحتية ربما تضرر نتيجة الضربات، لكن الانقطاع نفسه تم بقرار حكومي.
ورغم أن العتمة الرقمية الحالية ليست مطلقة كما حدث خلال الاحتجاجات في يناير/ كانون الثاني الماضي، إذ لا تزال بعض الشبكات الداخلية تعمل، فإن كثيراً من الإيرانيين باتوا شبه معزولين عن العالم الخارجي.
في الوقت نفسه، ينشر الجيش الإسرائيلي، عبر حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، تحذيرات بإخلاء مناطق مدنية في إيران يقول إنه يستعد لقصفها.
لكن خبراء يرون أن هذه التحذيرات لا تصل عملياً إلى معظم السكان بسبب قطع الإنترنت.
مصدر إيراني في مدينة شمالية قال لـ" ذا غارديان" إنه لم يتلقَّ أي تحذيرات من الغارات الجوية قبل الضربات.
ويرى باحثون في مشروع أينيتا (Project Ainita) ومؤسسة آوتلاين (Outline Foundation) أن التحذيرات، حتى إن وصلت، قد لا تصل في الوقت المناسب للإخلاء، لأن العديد من القواعد العسكرية الإيرانية تقع داخل مناطق حضرية مأهولة.
وقال فريدون بشار، المدير التنفيذي لمنظمة إيه إس إل 19 (ASL19) المعنية بالحقوق الرقمية والإعلام في إيران، إن عدداً محدوداً جداً من الأشخاص يستطيع رؤية هذه التحذيرات.
وأوضح أن هؤلاء يشملون" أشخاصاً يمتلكون أجهزة ستارلينك" وبعض الجهات التي تسمح لها السلطات بالوصول إلى الإنترنت، مثل مواقع إعلامية رسمية.
وأضاف: " هناك دائرة صغيرة جداً من المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية التي تملك وصولاً غير مقيد إلى الإنترنت حالياً".
في الوقت نفسه، تُظهر التغطية الإعلامية الرسمية تناقضات في نقل الأخبار.
فبينما وثقت بعض الضربات على مواقع مدنية، مثل مدرسة ميناب الابتدائية، نفت تقارير أخرى وقوع هجمات أو وصفت تحذيرات الإخلاء بأنها" تكتيكات نفسية من الأعداء".
إذ نشرت" تسنيم" منشوراً يحث السكان على تجاهل ما وصفته بالشائعات حول إخلاء إحدى المدن.
كما نفت تقارير رسمية إخلاء أحياء في مدينة مريوان، وأكدت أن الوضع الأمني" مستقر بالكامل"، رغم أن منظمة حقوق الإنسان هنغاو (Hengaw) أفادت بأن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا" غارات مكثفة على مواقع عسكرية وأمنية في المدينة".
على الأرض، لم تقتصر الضربات على أهداف عسكرية.
إذ أصابت هجمات مباني عدة سكنية في طهران، كما تضرر مستشفى غاندي في العاصمة عندما قُصف برج للبث التلفزيوني الحكومي قربه.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن" 33 موقعاً مدنياً" تعرض للقصف أو لأضرار، بينها" مدارس ومستشفيات وأسواق".
أما أكثر الهجمات دموية حتى الآن فكانت الاعتداء على مدرسة ميناب الابتدائية الذي أسفر عن مقتل 168 شخصاً على الأقل، معظمهم أطفال.
كذلك أفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بأن القصف ألحق أضراراً بـ" سبع قواعد للهلال الأحمر" إضافة إلى" ثلاث مركبات إنقاذ و14 مركزاً طبياً وصيدلانياً".
وفي ظل الانقطاع الرقمي، حذّرت وكالة ناشطي حقوق الإنسان (HRANA) من أن الوضع بدأ يؤثر في قدرة الإيرانيين على الوصول إلى المعلومات أو تنظيم عمليات إنسانية أو حتى الاطمئنان على أفراد عائلاتهم.
وقالت الوكالة إن انقطاع الإنترنت أثناء العمليات العسكرية" يؤثر مباشرة في تدفق المعلومات والتحقق الميداني والوصول إلى معلومات السلامة والتواصل بين العائلات".
كذلك يعقّد الانقطاع توثيق الحجم الحقيقي للخسائر البشرية.
ووفق بيانات هذه الوكالة، ومقرها واشنطن، بلغ عدد القتلى المدنيين حتى 4 مارس/ آذار نحو 1114 شخصاً، بينهم 181 طفلاً.
إلى جانب المدنيين، يواجه الصحافيون الإيرانيون ظروفاً بالغة الخطورة، إذ أفادت منظمة مراسلون بلا حدود بأن العدوان الأميركي-الإسرائيلي وضع الصحافيين في مواجهة" الغارات الجوية والضغوط الداخلية ومشكلات الاتصال بالإنترنت".
ونقلت المنظمة عن صحافي مستقل قوله إنه وزملاءه" يعملون تحت وطأة القصف الأجنبي ويتلقّون مكالمات هاتفية تهديدية من السلطات".
كذلك اضطر عدد من المراسلين إلى مغادرة العاصمة طهران بسبب كثافة الضربات.
وقال الصحافي نفسه: " كانت الهجمات شديدة للغاية.
استمرت أصوات الانفجارات والطائرات المقاتلة حتى حوالي الثانية صباحاً، ثم عادت في الثامنة صباحاً مع انفجار جديد".
وإلى جانب الغارات، يواجه الصحافيون في إيران خطر الاعتقال، إذ أعلنت قناة التلفزيون الرسمية الإيرانية مراراً أن أي نشاط يُعد" مفيداً للعدو" سيُعاقَب عليه بشدة.
وقال صحافي آخر في طهران، لـ" مراسلون بلا حدود"، إن" الصحافة المستقلة تكاد تكون مستحيلة حالياً"، وأضاف: " لا يُسمح لأي صحافي مستقل بالعمل.
حتى مَن ذهبوا إلى مواقع الانفجارات بإذن رسمي احتُجزوا أحياناً لفترة وجيزة، وحُذفت جميع الصور التي التقطوها".
ودعت" مراسلون بلا حدود" إلى احترام حق الوصول إلى المعلومات وسلامة الصحافيين.
وشددت، في بيان، على أن" الحرب يجب ألا تعيق عمل الصحافة"، وطالبت بألّا تعرّض الضربات الأميركية والإسرائيلية الإعلاميين للخطر، وأن" تفرج السلطات الإيرانية فوراً عن الصحافيين المحتجزين وتوقف الضغوط عليهم".
في مواجهة هذا التعتيم، يلجأ صحافيون وناشطون في إيران إلى وسائل بديلة للتواصل.
إذ ذكرت مجلة وايرد أنهم يستخدمون تطبيقات مراسلة مشفرة مثل سيغنال (Signal) وثريما (Threema)، إضافة إلى شرائح اتصال عراقية.
كما يقود بعضهم سياراتهم إلى المناطق الحدودية لإجراء مكالمات أو إرسال مقاطع فيديو يصورها المواطنون وتُهرّب خارج البلاد بشكل مشفّر.
ويلجأ بعض الإيرانيين أيضاً إلى الإنترنت الفضائي.
ونقل موقع فيرست بوست عن المدير التنفيذي لمنظمة هوليستيك ريزيليانس (Holistic Resilience) الأميركية لحماية الحريات الرقمية، أحمد أحمديان، أن شركة سبيس إكس ألغت رسوم الاشتراك في خدمة" ستارلينك"، ما يسمح للمستخدمين الذين يمتلكون أجهزة استقبال بالاتصال بالإنترنت مجاناً.
لكن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر.
فبحسب الصحافي الدولي المقيم في طهران مصطفى زاده، فإن استخدام" ستارلينك" قد يؤدي إلى" رصد الإشارة من قبل أجهزة الاستخبارات الإيرانية"، ما قد يعرّض صاحبه لاتهامات خطيرة مثل" التجسس أو الخيانة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك