في عملية عسكرية وصفتها أوساط سياسية وتحليلية بأنها “الحرب التي اختارتها واشنطن نيابة عن تل أبيب”، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها متورطة في مواجهة مفتوحة مع إيران، بعد أيام قليلة من شنّ ضربات جوية مشتركة مع إسرائيل.
وتشير التطورات الميدانية والتصريحات الرسمية الصادرة عن كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية إلى أن واشنطن انجرفت خلف حليفتها الإسرائيلية إلى “مستنقع إيراني” بدأت تدفع ثمنه غالياً على شكل خسائر بشرية ومادية فادحة.
فبعد ستة أيام من اندلاع المواجهة، تتكشف مشاهد جديدة لـ “تورط أمريكي” لم يعد ممكناً إخفاؤه، لا سيما مع اعتراف مسؤولين كبار في إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن واشنطن كانت على علم مسبق بالنوايا الإسرائيلية لشن هجوم على إيران، بل واتخذت قراراً بالانضمام إليه، ليس دفاعاً عن مصالح أمريكية مباشرة، ولكن تحسباً للرد الإيراني الذي كان متوقعاً على إسرائيل ليطال القواعد الأمريكية.
استراتيجية إسرائيلية قديمة: “القطع النظيف” وجرّ الحليف.
يكشف تحليل خلفيات الصراع عن نمط متكرر في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث تمكنت إسرائيل، بقيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، من تحقيق ما سعت إليه لعقود: جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة مع إيران.
ويؤكد محللون وساسة أن هذه الاستراتيجية الإسرائيلية لم تأت من فراغ، بل تعود جذورها إلى وثيقة صادرة عن معهد إسرائيلي في عام 1996 عُرفت باسم “القطع النظيف” (A Clean Break).
هذه الوثيقة دعت إلى تبني نهج عدواني يقوم على فرض “السلام عبر القوة”، وإعادة صياغة أولويات الأمن الإسرائيلي بطريقة تنسجم مع المصالح الأمريكية، بهدف دفع واشنطن لتبني سياسات أكثر تشدداً تجاه خصوم إسرائيل، وفي مقدمتهم إيران.
وقد أثمرت هذه الاستراتيجية أخيراً، حسبما صرّح السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، الذي قال في جلسة طارئة لمجلس الأمن: إن “إسرائيل نجحت في جر الولايات المتحدة إلى مستنقع الحرب مع إيران”.
وأضاف أن جميع قواعد ومنشآت القوى المعادية في المنطقة تعتبر أهدافاً عسكرية مشروعة في إطار حق إيران في الدفاع عن نفسها.
اعترافات واشنطن: “كنا نعلم أن إسرائيل ستضرب”.
لم تأتِ هذه الاتهامات الإيرانية من فراغ، بل عززتها تصريحات رسمية أمريكية صادمة.
ففي إفادة للكونغرس، كشف مسؤولون كبار في إدارة ترامب، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، أن واشنطن كانت على علم تام بالنية الإسرائيلية لشن هجوم على إيران.
وقال روبيو إن الإدارة الأمريكية قدرت أن إيران سترد حتماً على أي هجوم إسرائيلي، وأن هذا الرد سيطال القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وأضاف: “كنا نعلم أنه ستكون هناك عملية إسرائيلية، وكنا نعلم أن ذلك سيدفع إيران لاستهدافنا”.
وذهب رئيس مجلس النواب الأمريكي، مايك جونسون، إلى أبعد من ذلك، معترفاً بأن إسرائيل كانت مصممة على التحرك “بدعم أمريكي أو من دونه”، مما وضع الرئيس أمام “قرار صعب للغاية”.
هذا الطرح يكشف عن تحول في المبررات الأمريكية، حيث لم يعد الحديث يدور عن دفاع عن النفس أو عن تهديد إيراني وشيك لأراضي الولايات المتحدة، بل عن خيار فرضته حسابات استباقية لدرء خطر محتمل على القواعد الأمريكية بعد ضربة إسرائيلية.
خسائر فادحة: مليارات الدولارات تتصاعد في أيام.
في غضون أيام قليلة، تكبدت الولايات المتحدة خسائر غير مسبوقة في الأرواح والمعدات، مما يؤكد صحة تحليلات “المستنقع”.
فبحسب بيانات جمعتها وكالة “الأناضول” التركية، التي حللت صوراً بالأقمار الاصطناعية ومعلومات مفتوحة المصدر، فإن الخسائر العسكرية الأمريكية تجاوزت حاجز 1.
9 مليار دولار في الأيام الأولى وحدها.
وتشمل هذه الخسائر:
· تدمير منظومة إنذار مبكر AN/FPS-132 في قاعدة العديد الجوية في قطر، والتي تقدر قيمتها بنحو 1.
1 مليار دولار، بعد تعرضها لضربة صاروخية إيرانية.
· فقدان ثلاث طائرات F-15E في الكويت بنيران صديقة من الدفاعات الجوية الكويتية، بتكلفة تقديرية 282 مليون دولار.
· تدمير مكونات رادار AN/TPY-2 لمنظومة “ثاد” (THAAB) المضادة للصواريخ الباليستية في كل من الإمارات العربية المتحدة والأردن، بقيمة 500 مليون دولار للرادار الواحد.
· استهداف مقر الأسطول الخامس في البحرين، وتدمير محطتي اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية ومبانٍ عدة.
وتشير تقديرات “الأناضول” إلى أن التكلفة الإجمالية للعملية الأمريكية في أول 100 ساعة فقط، بما في ذلك استهلاك الذخائر وتشغيل حاملات الطائرات، بلغت حوالي 5.
82 مليار دولار، أي ما يعادل 0.
69% من ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026.
إلى جانب الخسائر المادية، أعلنت إيران عن سقوط 1230 قتيلاً في صفوف المدنيين والعسكريين جراء القصف الأمريكي الإسرائيلي، وإصابة أكثر من 6,000 آخرين.
ومن أشد المشاهد فجاعة، مقتل 168 تلميذة في قصف جوي استهدف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران.
الولايات المتحدة قالت إنها تحقق في الحادث، بينما نفت إسرائيل أي مسؤولية لها، في تناقض صارخ مع الصور الميدانية.
ورغم اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، وهو ما أعلنته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن النظام الإيراني أظهر مرونة سريعة، حيث تم تشكيل مجلس قيادة مؤقت لمواصلة إدارة شؤون البلاد والرد على الهجمات.
تداعيات استراتيجية: أمريكا في موقف حرج.
يرى محللون أن ما حدث يمثل “فخاً استراتيجياً” أوقعت فيه إسرائيل الولايات المتحدة.
فالخيارات أمام واشنطن باتت محدودة بين التصعيد الذي قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة، والتراجع الذي قد يقرأ كضعف.
تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي في واشنطن، يصف ما حدث بأنه نتاج “حسابات خاطئة”، حيث ظن البيت الأبيض أن إيران أضعف من أن تقاوم، وأن الحرب ستنتهي في غضون أيام قليلة، ليتبين بعد ذلك أن الأمور تتجه نحو “مستنقع حقيقي”.
في غضون ذلك، لا توجد مؤشرات على وجود خطة واضحة للخروج من هذه الأزمة.
وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، الذي أكد في البداية أن هذه الحرب “ليست حرباً لا نهاية لها”، عاد وحذر من أن المزيد من الخسائر الأمريكية باتت وشيكة.
في المقابل، تتحدث تل أبيب عن “مفاجآت قادمة” وتوسيع رقعة العمليات.
خلاصة القول، إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم هو أكثر من مجرد جولة تصعيد عابرة؛ إنه لحظة حاسمة تظهر فيها حدود القوة الأمريكية وهي تواجه حرب استنزاف في بلد يمتلك عمقاً استراتيجياً وقدرات عسكرية معتبرة.
وبينما تحقق إسرائيل مكاسبها الاستراتيجية عبر إضعاف خصمها اللدود، تجد واشنطن نفسها تدفع الفاتورة، بشقّيها البشري والمادي، في مستنقع جديد يذكر بأفغانستان والعراق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك