في أجواء مختلفة بعيداً عن صراعات النفوذ والسلطة، والتكالب على الثروة والمال، أو خلافات الأشقاء والأبناء، وفي تركيبة درامية لا تستند –على غير المعتاد- إلى المواجهة المباشرة بين الخير والشر، جاءت حلقات «كان ياما كان» للثنائي شيرين دياب وكريم العدل، ومن بطولة ماجد الكدواني ويسرا اللوزي وريتال عبد العزيز وحنان يوسف ونور محمود وآخرين.
للوهلة الأولى قد يتصور المشاهد أننا أمام دراما أسرية تقليدية تتعرض للخلافات الزوجية التقليدية وما يمكن أن يدفعه الأبناء ثمناً لتلك الخلافات، لكن العمل في مكنونه يمثل ما هو أبعد من ذلك.
لأول مرة –في ظنب– يقدم صُناع الدراما المصرية عملاً درامياً أسرياً لا يكون فيه الأب هو مصدر المعاناة والشقاء، لأول مرة تأتي المنغصات من جانب الزوجة التي ظل النظر إليها في معالجاتنا على أنها الأضعف والضحية الدائمة، فإذا بهذه الأسرة تنهار وتتفكك على يد الزوجة، صحيح أن بعض الأفلام المصرية، ولا سيما في فترة السبعينات، قد لعبت على فكرة الزوجة التي لا تشعر بالسعادة الزوجية على خلفية انشغال زوجها عنها بحكم تميزه في العمل ولجوئها إلى الرجل البديل خارج الأسرة، لكن حتى هذه الثنائية لم تكن تنتصر لطرف على حساب آخر أو على الأقل تدينه، وإنما كانت تجد لكل منهما أسبابه، فالزوجة ترى أن احتياجاتها العاطفية غير متحققة بسبب طبيعة عمل الزوج، فيما هو لا يرى في نفسه أى تقصير باعتبار أنه يفعل ذلك كله من أجل بيته وأسرته، أما في «كان ياما كان» فالزوج طبيب ناجح أيضاً لكنه قادر بامتياز على التوفيق بين متطلبات عمله واهتماماته الأسرية، حتى لو نسى مرة أن يهنئ زوجته في يوم عيد ميلادها.
أما هي، وحتى لو كانت قد تزوجته من دون حب وإنما كان زواجاً تقليدياً، لم تستطع العشرة أن تدفع بالدفء إلى مشاعرها نحوه، فقد كانت حادة في خصومتها –إذا جاز التعبير– غير أمينة وهي تحاول استمالة ابنتها والتأثير عليها في علاقتها بوالدها، ربما بفعل تحريض الأم، وربما من منطلق شعورها بالحسرة على شبابها الذي ضاع والعمر الذي ولى، لكن هذا الصدام المبالغ فيه مع أب شديد الرقة والعذوبة يتفانى في العطاء لها ولابنته جعل حتى السيدات يتعاطفن مع الزوج، ويرين في الزوجة كثيراً من الغلظة، ويتمنين لو أن الله كان قد كتب لهن شريكاً مثل هذا الرجل.
وربما ترى بعض الزوجات في نموذج «يسرا اللوزي» ما يؤكد أن الحياة الزوجية ليست فقط في حسن المعاملة وعدم تقصير الزوج في الوفاء بالتزاماته تجاه بيته وابنته، وأن لها عليه حقوقاً شخصية لم يُظهرها العمل بصورة صريحة، وأن عليها اللحاق بما فاتها قبل أن يمضى بها العمر أكثر من ذلك، لكن آخرين –رجالا ونساء– رأوا أنها لم تُقدِّر النعمة التي منحها الله لها، وكان جزاؤها أنها صادفت نماذج أخرى صدمتها نظرتهم لها، فعرفت بعد أن انهارت جدران البيت خطأ نظرتها، أو هكذا بدا في المشاهد الأخيرة حين لان موقفها تجاه الزوج.
أما الابنة «فرح»، التي لم يكن لها أى نصيب من اسمها، فهى التي دفعت الثمن في صراع فرضته الزوجة على الزوج وتسببت في تقويض أركان البيت، ويكفي حيرتها وموقفها الصعب حين كان عليها الاختيار بين الأم والأب، وكيف كانت النهاية المفتوحة موفقة في عدم انتصار الابنة لأي من الطرفين، فصُناع المسلسل لم يكن يعنيهم –في يقيني– أنهم ينتصرون في النهاية لطرف على آخر بقدر ما كان يهمهم التركيز على ما يمكن أن يدفعه الأبناء ثمناً لخلافات زوجية وقصور في بعض مواد قانون الأحوال الشخصية، وأعتقد أن الرسالة وصلت بفضل حيوية ورق شيرين دياب وإنسانيته، ورؤية كريم العدل وأدواته كمخرج، وقدرة الثلاثي -تحديداً- ماجد الكدواني ويسرا اللوزى وريتال عبد العزيز على التعبير عن هذه المشاعر البشرية بكل تداعياتها وتقلباتها وهم يقولون لنا في حسرة: «كان ياما كان الحب مالى بيتنا ومدفينا الحنان» بعد أن تبخَّر الحب وتجمَّد الحنان على أعتاب النظرة الضيقة والأحلام المتكسرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك