في سياق الدينامية المجتمعية التي تسبق المحطات الانتخابية، احتضنت “دار فكيك” بالمدينة ندوة فكرية موسعة قاربت موضوعا بالغ الأهمية تحت عنوان: “الشباب والمشاركة السياسية: نحو تعزيز المشاركة الفعالة في الانتخابات المقبلة”.
وجاءت هذه المبادرة بعد تنسيق مشترك بين “جمعية الشباب المبدعين الثقافية والاجتماعية” و”مؤسسة أصدقاء فجيج”، بهدف خلق منصة تفاعلية لفتح نقاش عمومي جاد ومسؤول حول سبل تجاوز حالة العزوف وتفعيل انخراط الشباب في صلب الحياة السياسية.
وشهد اللقاء، الذي أقيم في أجواء من النقاش المفتوح، حضورا وازنا وتفاعلا لافتا من قبل ثلة من الفاعلين الجمعويين، والأكاديميين، والمهتمين بالشأن العام المحلي والوطني، إلى جانب حضور مكثف لشباب وشابات المنطقة.
وقد شكلت الندوة فضاء رحبا لتبادل الرؤى وتشخيص الواقع، والوقوف عند التحديات الحقيقية التي تكبح جماح الشباب نحو ولوج معترك العمل السياسي، فضلا عن تدارس الآليات العملية الكفيلة بتعزيز حضورهم وازنا داخل المؤسسات المنتخبة ومختلف فضاءات صنع القرار.
وفي مستهل النقاش، قدم الدكتور عمر اعنان مداخلة تأطيرية شاملة، أكد من خلالها أن موضوع مشاركة الشباب في الحياة السياسية لا يجب أن يُطرح كترف فكري أو مجرد شعار موسمي، بل هو قضية محورية ترتبط ارتباطا وثيقا بصلابة ومستقبل البناء الديمقراطي لأي أمة.
وشدد الدكتور اعنان على أن التوصيف الدقيق للشباب يتجاوز كونهم مجرد فئة ديموغرافية وعمرية عريضة داخل الهرم السكاني، ليجعل منهم “قوة حيوية ضاربة” تمتلك القدرة الفعلية على قيادة قاطرة التجديد والتغيير الإيجابي.
وأوضح المتدخل أن الأجيال الصاعدة تعتبر خزانا لا ينضب للأفكار المبتكرة والطموحات المشروعة التي من شأنها، متى ما وُظفت بشكل صحيح، أن تسهم في تخليق وتطوير الحياة العامة.
واعتبر أن انخراط هذه الفئة في العمل السياسي ليس مجرد حق دستوري، بل هو ركيزة أساسية لضمان تجديد النخب، وضخ دماء جديدة في شرايين تدبير الشأن العام، مما ينعكس إيجابا على تقوية جسور الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات.
ورغم الأهمية البالغة لهذا الانخراط، لم يغفل الدكتور اعنان في معرض تشخيصه للواقع، الإشارة إلى أن مستويات المشاركة السياسية للشباب لا تزال تقبع دون سقف التطلعات المرجوة.
ويتجلى هذا القصور بوضوح في تدني نسب الإقبال على صناديق الاقتراع، وضعف الانخراط العضوي في الهياكل الحزبية، والغياب شبه التام عن الدوائر العليا لصنع القرار.
وأرجع الباحث هذا العزوف إلى منظومة معقدة من العوامل المتداخلة، يتصدرها تراجع منسوب الثقة في جدوى الفعل السياسي والمؤسسات الحزبية، إضافة إلى تأثيرات الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل أولويات الشباب تنحصر في البحث عن الاستقرار المهني والمعيشي بعيدا عن هموم السياسة.
كما توقف عند مشكل جوهري يتمثل في محدودية، بل وغياب، فضاءات التأطير والتكوين السياسي القادرة على استقطاب الشباب وتنمية وعيهم.
وفي مقاربة سوسيولوجية لافتة، توقف المتدخل عند التحولات الجذرية التي يشهدها مفهوم “المشاركة” في ظل الطفرة التكنولوجية والانتشار الكاسح لوسائل التواصل الاجتماعي.
وأبرز أن هذه المنصات الافتراضية تحولت إلى فضاءات بديلة وأساسية لتشكل الوعي السياسي لدى الشباب، حيث وفرت لهم هوامش واسعة للتعبير عن آرائهم، وتبادل الأفكار، ورصد القضايا العامة بانتقاد لاذع أحيانا.
وسلط الضوء بشكل خاص على ما يُعرف بـ”جيل Z” (الجيل الذي نشأ في قلب الثورة الرقمية)، موضحا أن هذا الجيل أسس لأنماط جديدة وغير تقليدية من التعبئة والاحتجاج والمشاركة، مثل إطلاق الحملات الرقمية، والهاشتاغات، وتوقيع العرائض الإلكترونية، معتبرا أن هذه الأشكال التعبيرية لم تعد مجرد تفاعلات افتراضية، بل أضحت جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي المعاصر المؤثر في الرأي العام.
وأمام هذا الزحف الرقمي، وجه الدكتور اعنان رسالة واضحة للأحزاب السياسية والنخب الفكرية، محذرا من استمرار لغة “التخاطب القديمة”، داعيا إلى ضرورة إحداث قطيعة مع الأساليب التقليدية، ومراجعة آليات التواصل مع الأجيال الجديدة عبر تبني خطاب سياسي واقعي، شفاف، وقريب من اهتمامات الشباب اليومية، مع ضرورة استيعاب واستخدام التكنولوجيا الحديثة كأداة للتواصل الفعال.
ورغم إشادته بالأدوار الطلائعية للفضاء الرقمي، شدد المتحدث على أن “النضال الافتراضي” لا يمكن أن يعوض العمل السياسي المنظم والميداني، مؤكدا أن الأحزاب السياسية ستبقى، في كل الأنظمة الديمقراطية، هي الإطار المؤسساتي الطبيعي والشرعي لممارسة السياسة، نظرا لأدوارها الدستورية في تأطير المواطنين، هيكلة النقاش العمومي، وصياغة البرامج والبدائل.
وطالب في هذا الصدد بثورة داخلية في العمل الحزبي، تفتح الأبواب مشرعة أمام الكفاءات الشابة، وتحول مقرات الأحزاب من مجرد دكاكين انتخابية إلى “مدارس حقيقية” للنقاش الديمقراطي وصناعة النخب القادرة على تحمل مسؤوليات التدبير المحلي والوطني.
وعلى المستوى التشريعي، أقر المتدخل بأن الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات بالمغرب شهد مستجدات إيجابية تروم تحفيز الشباب (كنظام الكوطا وتخفيض سن التصويت والترشح)، إلا أنه استدرك مؤكدا أن الترسانة القانونية وحدها تظل قاصرة وعاجزة عن إحداث التغيير المنشود، ما لم تواكبها إرادة سياسية حقيقية ودينامية مجتمعية تكسر حاجز الخوف واللامبالاة.
وفي ختام هذه المداخلة، التي أعقبها نقاش تفاعلي غني من قبل الحاضرين، خلص الدكتور اعنان إلى أن رهان المستقبل الديمقراطي معقود بالأساس على مدى قدرة الدولة والمجتمع والأحزاب على صياغة تعاقد جديد يدمج الأجيال الصاعدة في قلب الدورة السياسية.
وأكد أن التحدي الأكبر المطروح اليوم ليس فقط دفع الشباب نحو صناديق الاقتراع، بل يكمن في إحداث انتقال نوعي يحول الشباب من مجرد “متابعين سلبيين” للحياة السياسية أو “مستهلكين” للمحتوى الرقمي، إلى “فاعلين أساسيين” وشركاء حقيقيين في صنع القرار، رسم السياسات العمومية، وبناء مغرب ديمقراطي يتسع للجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك