تواجه روسيا توسعًا غير مسبوق في نطاق الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى باستخدام الطائرات بدون طيار، والتي باتت تستهدف مواقع حيوية في عمق البلاد وصولاً إلى العاصمة موسكو وسانت بطرسبرغ.
وجاء هذا التصعيد في وقت يدخل فيه الغزو الشامل الذي يشنه الكرملين على جارتها عامه الخامس، وسط تراجع الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام قريب، وبقاء فرضية النصر الحتمي التي يروج لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيدة المنال في ظل الجمود الميداني الراهن.
شهد شهر مايو/أيار الفائت طفرة قياسية في العمليات الجوية، حيث أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية إسقاط 9418 طائرة مسيرة أوكرانية في مختلف المناطق، وهو أعلى إجمالي شهري تعلنه الوزارة منذ اندلاع الحرب عام 2022.
وعلى الرغم من أن العاصمة موسكو تحظى بأعلى كثافة تحصين أمني في البلاد، بوجود أكثر من 100 نظام للدفاع الجوي وفقًا لمحللي الاستخبارات مفتوحة المصدر، إلا أن التهديد القادم من كييف بات أكثر حضورًا وتأثيرًا.
وأفاد عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، باعتراض وإسقاط ما لا يقل عن 329 طائرة مسيرة كانت متجهة نحو العاصمة خلال مايو/آيار، بمعدل يومي يتجاوز 12 مسيرة، مسجلاً ثاني أعلى إجمالي شهري للحرب بعد الرقم القياسي الموثق في مارس/آذار الماضي والذي بلغ 398 عملية اعتراض.
وقد قوبل هذا الاختراق المتكرر للأجواء الروسية باحتفاء واسع في الداخل الأوكراني، حيث شهدت منصات التواصل الاجتماعي انتعاشًا للأغنية الإلكترونية الشهيرة «موسكو لا تنام أبدًا - Moscow Never Sleeps» الصادرة عام 2008، وصاحبت الموسيقى مقاطع فيديو نشرها مستخدمون أوكرانيون توثق آثار ضربات المسيّرات في العاصمة الروسية، لا سيما بعدما نشرت وحدة تابعة لقوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية، بقيادة روبرت بروفدي المعروف بـ «ماجيار»، صورة لمسيرة كُتب عليها اسم الأغنية ذاتها.
يشير المحللون العسكريون من كلا الجانبين إلى أن هذا التوجه يمثل تحولاً أعمق في مسار الصراع، إذ بدأت كييف تركز جهودها على نقل المعركة إلى الداخل الروسي وخنق عائدات الطاقة التي تعتمد عليها موسكو لتمويل عملياتها العسكرية.
وأوضح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الضربات استهدفت ما لا يقل عن 15 مصفاة نفط روسية منذ يناير/كانون الثاني الماضي، مما أدى مع حلول شهر مايو إلى خروج نحو 40% من طاقة تكرير النفط الأساسية في روسيا عن العمل.
وهاجمت مسيّرات أوكرانية مدينة سانت بطرسبرغ بالتزامن مع افتتاح منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، مما أسفر عن تصاعد أعمدة الدخان الأسود فوق «العاصمة الثانية» لروسيا أمام النخبة السياسية والاقتصادية المجتمعة هناك.
في المقابل، واصلت القوات الروسية حملات القصف بعيد المدى ضد المدن الأوكرانية، وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية أنها تعاملت في مايو/آيار مع رقم قياسي بلغ 8361 مقذوفًا روسيًا، شمل 8150 طائرة مسيرة و211 صاروخًا، وتمكنت الدفاعات الأوكرانية من اعتراض 90% من المسيّرات و55% من الصواريخ أو إفشال وصولها لأهدافها.
ورغم تعذر التحقق المستقل من البيانات الدقيقة لكل طرف بسبب «ضباب الحرب» وسعي الجانبين لتضخيم نجاحاتهما الدفاعية، فإن الأرقام المتصاعدة تعكس بوضوح تنامي القدرات الهجومية لكييف وإصرارها على استهداف المفاصل السياسية والاقتصادية لروسيا.
في سياق متصل، كشفت منصة «لوحة القتل» التابعة لقوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية عن تدمير ما لا يقل عن 23 نظام دفاع جوي روسي وإلحاق أضرار بـ 109 أنظمة أخرى منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية مايو/آيار.
في السياق نفسه، أكد إيهور فيديركو، رئيس مجلس الصناعات الدفاعية الأوكراني، أن القوات الأوكرانية نجحت في تدمير 48% من إجمالي منظومات صواريخ «بانتسير» متوسطة المدى، وحوالي 25% من منظومات «إس-300» و«إس-400» بعيدة المدى التابعة للجيش الروسي.
من جهته، اعتبر إيفان ستوباك، الضابط السابق في جهاز الأمن الأوكراني والمستشار البرلماني السابق، أن تآكل مظلة الدفاع الجوي الروسي واستهداف مزارع الطاقة لن يغيرا الوضع التكتيكي فورًا في ميدان المعركة البرية، ولكنهما يستهدفان ترسيخ مواقف سياسية وتفاوضية أقوى لكييف وحرمان موسكو من أرباح التصدير الحيوية.
من جانبه، كتب زيلينسكي عبر تليغرام: «ردودنا على إطالة روسيا للحرب وضرباتها لمدننا ومجتمعاتنا عادلة تمامًا.
منطقة موسكو تضم أعلى كثافة دفاعات جوية، لكننا نتجاوزها».
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد سعى إلى فرض وقف مؤقت لإطلاق النار خلال شهر مايو/آيار ليتزامن مع احتفالات «يوم النصر» في الساحة الحمراء، وقبلت كييف الهدنة في خطوة وصفها زيلينسكي بأنها تهدف لدفع محادثات السلام قُدماً، لكنه استغل المناسبة لإصدار مرسوم ساخر سمح بموجبه بإقامة العرض العسكري في موسكو مع استثناء الساحة الحمراء مؤقتًا من خطة الاستخدام العملياتي للأسلحة الأوكرانية، في محاولة لفرض السيطرة على السردية السياسية للحرب.
ورغم تباطؤ التقدم الميداني الروسي وتزايد الخسائر البشرية والمادية لجيش الكرملين وفقًا للمحللين، يواصل المسؤولون الروس التقليل من تداعيات الهجمات، إذ نادرًا ما تعترف موسكو بنجاح الغارات الأوكرانية، وتصفها بـ «الإرهاب»، وتُرجع الأضرار دائمًا لسقوط حطام المقذوفات المُعترضة.
وفي هذا السياق، نفى المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، وجود أي مخاطر تتعلق بنقص الوقود محليًا جرّاء استهداف مصافي النفط، قائلاً: «لا، الكرملين لا يرى مثل هذه المخاطر»، على الرغم من تزايد انتقادات بعض المدونين والمحللين العسكريين الروس الذين ألمحوا إلى أن القيادة الروسية بدأت تفقد السيطرة الفعالة على تطورات الموقف ومجريات الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك