في غرفة صغيرة داخل منزلها في إحدى مناطق ريف دمشق، تضع سالي بطارية إلى جانب طاولة العمل تحسّباً لانقطاع الكهرباء الطويل.
تجهّز أدوات الأظافر، تثبّت الإضاءة، وتفتح هاتفها لتصوير النتيجة قبل نشرها على صفحتها في مواقع التواصل.
هكذا يمرّ يومها بين موعد وآخر، في عمل تقول إنه لم يكن حلماً بقدر ما كان خياراً اضطرارياً.
تحوّل التجميل في سوريا من نشاط مرتبط بالمناسبات أو بالصالونات التقليدية إلى قطاع واسع تقوده نساء من المنازل، عبر صفحات شخصية على السوشال ميديا، إلى جانب صالونات مرخّصة تعمل ضمن أطر متفاوتة من التنظيم.
بين المسارين يتشكّل سوق مختلط، يعتمد على المهارة الفردية، والتسويق الرقمي، واقتصاد خدمات غير مستقر، لكنه بات مصدراً أساسياً للدخل لكثير من النساء.
العمل من المنزل.
خيار متاح لكنه هش.
تقول سالي، وهي خبيرة تجميل تعمل في مجال الأظافر (الجل)، إنها دخلت المجال قبل أكثر من عام بعد أن تعلّمته ذاتياً عبر مقاطع يوتيوب، وبدأت بالتجربة على نفسها وأخواتها قبل استقبال الزبونات.
وتضيف: " جربت العمل في الصالونات، لكن الضغط كبير مقابل فتات مما يحصلون عليه، لذلك تركت وعدت أعمل لوحدي، وأصوّر شغلي وأنشره على السوشال ميديا".
انقطاع الكهرباء من أبرز التحديات، ما دفعها لتأمين بطارية خاصة.
كما أن العمل من المنزل يربطها بظروف البيت نفسه، فتضطر أحياناً إلى إلغاء المواعيد في حال حدوث طارئ عائلي.
وعن افتتاح صالون خاص بها تقول: " هذا حلم ولكنه أمر مستحيل ومستبعد حالياً، لأنه صعب مادياً جداً".
لكن الفارق لا يتوقف عند الإمكانات، بل يمتد إلى طبيعة الزبائن والأسعار.
تقول سالي: " بمنطقتي (إحدى مناطق ريف دمشق) كلفة العمل 50–70 ألف ليرة، أما إذا اشتغلت في دمشق فيصبح السعر 200 وما فوق".
هذا التفاوت يعكس بعداً طبقياً واضحاً في السوق؛ فالمكان لا يحدد مستوى الخدمة فقط، بل يحدد الشريحة الاجتماعية القادرة على الدفع.
وهو ما يدفع كثيرات للعمل ضمن نطاق جغرافي محدد، حيث المنافسة مرتفعة وهوامش الربح أضيق.
الصالونات.
جودة أعلى وكلفة أعلى.
في المقابل، ترى صاحبة صالون تجميل كبير في جرمانا (رفضت ذكر اسمها) أن المقارنة بين العمل المنزلي والعمل داخل الصالون ليست عادلة من وجهة نظرها، لأن بيئة العمل مختلفة تماماً.
وتقول في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: " المكان المجهّز وتوفر الأدوات وتبادل الخبرات داخل الصالون عناصر أساسية في مستوى الخدمة.
عندما تبدأ أي صبية العمل لدينا تجد من يرشدها ويوجّهها، ونحافظ على التعقيم والنظافة وكل شيء مضبوط بطريقة لا يمكن ضبطها في المنزل".
وتوضح أن العمل داخل الصالون لا يقتصر على تقديم الخدمة فقط، بل يشمل متابعة مستمرة للتقنيات الجديدة، وتجربة منتجات متعددة، وتوزيع المهام بين العاملات بحسب الاختصاص، ما يرفع مستوى الاحترافية ويقلل من الأخطاء.
وترى أن جزءاً من الفارق في السعر يعود إلى كلفة التشغيل نفسها: إيجار المكان، الكهرباء، المواد، أجور العاملات، والتجهيزات، وتوضح: " الزبونة أحياناً تشتكي أن السعر أغلى قليلاً، لكن عندما ترى الفرق في النتيجة أو في النظافة والتنظيم تعود مرة أخرى".
وتقرّ في الوقت نفسه بأن السوق بات مشبعاً فعلاً، سواء من حيث عدد الصالونات أو عدد السيدات اللواتي يعملن بشكل منفرد من المنازل.
المنافسة شديدة، والزبونة تقارن باستمرار بين الأسعار.
لكنها تؤكد أن الطلب لا يزال قائماً على الخدمة التي تُصنّف بوصفها أعلى جودة، حتى لو كانت كلفتها أكبر، مشيرة إلى أن بعض الزبونات يبحثن عن تجربة متكاملة، لا عن خدمة سريعة فقط.
هنا تظهر مفارقة أساسية في السوق: توسّع كبير في عدد مقدّمات الخدمة، يقابله تنافس حاد على الزبونة نفسها، بين سعر أقل من جهة، وبيئة أكثر تنظيماً من جهة أخرى.
نور، وهي عاملة في أحد صالونات جرمانا، دخلت المجال بدافع الاهتمام الشخصي.
تقول إنها بدأت بتعلّم تقنيات الأظافرعندما كانت أبسط مما هي عليه اليوم، ثم التحقت بتدريب داخل صالون قبل أن تبدأ العمل الفعلي.
لكن العمل لا يخلو من ضغط.
" نحن نعمل من 11 صباحاً حتى 8 مساءً، يعتبر دوام طويل حتى لو كان فيه استراحات".
وتشير إلى صعوبة أخذ إجازة بسبب ارتباط الزبونات بشخص محدد: " أحياناً تحجز الزبونة موعداً لدى موظفة معيّنة، وإذا حضرت ولم تجدها قد تمتنع عن إكمال الخدمة، لذلك لا يمكننا بسهولة إلغاء المواعيد حتى لو كنا متعبات أو مريضات".
هذا الارتباط الشخصي يجعل العاملة داخل الصالون في وضع يشبه العمل الحر، لكنها من دون حرية كاملة في إدارة وقتها.
تقول إحدى الزبونات لموقع تلفزيون سوريا إنها تختار الشخص الذي يقدّم الخدمة أكثر من المكان نفسه.
وتضيف: " أنا معتادة على الأشخاص لا على المكان.
إذا اشتغلت الصبية في البيت أذهب إليها هناك، وإذا كانت في صالون أذهب إلى الصالون".
توضح أن الثقة تُبنى مع الوقت، خصوصاً في خدمات تتعلق بالشكل والبشرة، حيث يصبح الاطمئنان إلى يد معيّنة أهم من اسم الصالون أو موقعه.
فالتجميل بالنسبة لها ليس تجربة عابرة، بل علاقة مستمرة مع شخص تعرف طريقته وتفضيلاته.
هذا التحوّل في الولاء يفسّر قدرة كثير من العاملات على نقل زبوناتهن معهن عند الانتقال من الصالون إلى العمل المنزلي، أو العكس.
كما يخلق نوعاً من" الرأسمال الشخصي" الذي تمتلكه العاملة نفسها، لا المؤسسة التي تعمل فيها.
في المقابل، يضع هذا النمط ضغطاً إضافياً على العاملات، إذ تصبح سمعتهن الفردية هي الضمانة الأساسية لاستمرار الدخل.
أي خطأ، أو انقطاع طويل، أو انتقال إلى منطقة أخرى قد يعني خسارة شبكة زبونات بُنيت بصعوبة.
بهذا المعنى، بات السوق قائماً بدرجة كبيرة على السمعة الفردية والعلاقة المباشرة، أكثر من اعتماده على اسم الصالون أو بنيته.
يتطلب الدخول إلى مجال التجميل دورات تدريبية، وأدوات، ومواد، وتجهيز مساحة عمل، إضافة إلى الاهتمام بالتصوير والتسويق عبر السوشال ميديا.
تقول سالي إن الكلفة تختلف بحسب مستوى التجهيز: " لا يوجد كلفة واضحة، تستطعين أن تجهزي نفسك بدايةً من 500 ألف وصولاً إلى 50 مليون، وهذا بالطبع يؤثر على طبيعة الزبائن التي ستأتيك".
هذا التفاوت يحدد الشريحة المستهدفة وموقع العاملة داخل السوق.
ولا يقتصر الدخل على تقديم الخدمة، إذ قد يشمل بيع منتجات أو تقديم تدريبات.
لكن ذلك لا يعني استقراراً.
تضيف سالي:
" في البداية اعتمدت على صديقاتي وصديقاتهن ثم بدأت التسويق عبر الإنترنت.
الأمر ليس بهين رغم أنه بدا سهلاً بدايةً، إلا أنني لاحظت أنه لا يثق الناس بالسوشال ميديا مؤخراً وخاصة بالصور المنشورة".
بمعنى آخر، لا يكفي إتقان المهنة، بل يجب بناء ثقة في سوق مزدحم، حيث تبقى السمعة الشخصية رأس المال الأساسي.
رغم اتساع سوق التجميل، يجري جزء كبير من النشاط خارج إطار تنظيمي واضح، سواء من حيث الترخيص أو الرقابة على المواد أو الالتزام بشروط السلامة والتعقيم.
العمل المنزلي خصوصاً يبقى في منطقة رمادية: نشاط مدرّ للدخل، لكنه غير خاضع لإشراف مهني منتظم.
في هذا الفراغ، يلعب" الترند" دوراً أساسياً في توجيه الطلب.
تقول صيدلانية إن الإقبال قد يرتفع فجأة على مادة بعينها لمجرد انتشارها على مواقع التواصل، حتى لو لم تكن مناسبة لكل الحالات.
المشكلة، كما توضح، ليست دائماً في المادة نفسها، بل في طريقة استخدامها وسياقها.
وتشير الصيدلانية في حديثها لموقع تلفزيون سوريا إلى حالات حروق حدثت نتيجة لاستعمال مواد فعالة بعد جلسات ليزر مباشرة، من دون استشارة مختصة أو معرفة بالفاصل الزمني الآمن بين الإجراءين.
كما تلفت إلى استخدام مواد تحتوي على الكورتيزون لأغراض تجميلية مثل تسمين الوجه، رغم ما قد يسببه الاستخدام الطويل من مضاعفات صحية تتجاوز الأثر الجمالي المؤقت.
وتضيف أن كثيراً من الزبونات يعتمدن على نصائح غير طبية، سواء من معارف أو عاملات في المجال أو توصيات منتشرة عبر الإنترنت.
وحتى عند التحذير، تكون القناعة قد تشكّلت مسبقاً، ما يقلل من تأثير النصيحة المهنية.
بهذا المعنى، لا يتعلق الخطر بمنتج محدد، بل ببنية سوق يتوسع بسرعة، تتداخل فيه التجارة مع الترند، والخبرة الفردية مع غياب الإشراف، في ظل طلب مرتفع ورقابة محدودة.
لماذا يتوسع القطاع رغم الإشباع؟" يتوسع قطاع التجميل لأنه يقدّم ما لا تقدّمه قطاعات أخرى: إمكانية البدء بإمكانات محدودة، والعمل من المنزل، وبناء قاعدة زبائن عبر الهاتف فقط.
" هكذا ترى نور، العاملة في هذا القطاع، سبب زيادة العاملات في المجال.
ففي ظل تقلّص فرص العمل الأخرى وضعف الأجور في المجالات التقليدية، يبدو المجال خياراً عملياً.
" لكن هذا التوسع لا يعني بالضرورة استقراراً اقتصادياً"، تضيف.
فهو يقوم في كثير من الأحيان على جهد فردي بلا ضمانات، ومنافسة مفتوحة، وسوق تتأثر سريعاً بالمزاج العام والترند والوضع الاقتصادي.
صناعة التجميل في سوريا اليوم ليست مجرد خدمات مكياج أو أظافر.
إنها مرآة لتحولات أوسع في سوق العمل النسائي، حيث تبحث النساء عن دخل خارج الوظيفة التقليدية، ولو كان ذلك عبر غرفة في منزل وصفحة على إنستغرام.
وبين بطارية سالي الصغيرة، وصالون مكتمل التجهيز، يتشكّل اقتصاد واسع لكنه هش، يفتح أبواباً سريعة، ويترك أسئلة مفتوحة حول التنظيم، والحماية، والاستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك